واشنطن ـ طهران.. فترة انتظار «مفيدة» للطرفين

 

  د. سليم الحسني

 

 

أسهل مهمة للسياسي هي الحديث عن المصالحة، والتبشير بفتح صفحة جديدة مع الخصوم. فلا يستدعي الأمر أكثر من كلمات على الهواء في أي مناسبة وأمام أي جمهور، ومن أجل إبداء الجدية، يمكن تكرار الحديث مرة ثانية، وإن لزم الأمر فثالثة. في المقابل فان أسهل موقف يتخذه الطرف المعني من دعوة المصالحة، هو الاستجابة بكلام مماثل.هذا ما يجري بين واشنطن وطهران منذ شهور عدة، وسيستمر لشهور أخرى، طالما أن التصريح التصالحي لا تترتب عليه ضريبة، وهو أشبه بحبات ملح يمكن أن تذوب بكل بساطة.تقول التجارب إن أبطأ عمليات المصالحة هي التي يجري الإعلان عنها، وإن أسرعها هي التي تتم وسط الكتمان. فلقد اقتربت إيران من الولايات المتحدة إبان الحرب العراقيةـ الإيرانية، وجلس ممثلو الدولتين وجها لوجه في اجتماعات سرية، أسفرت عن تغييرات مهمة منها شحنة من الأسلحة الأميركية المضادة للطائرات، لكن الإعلام التقط المعلومة، فانهار التقارب تحت وطأة الضغط الشعبي الذي كان يخرج كل يوم جمعة يهتف بـ«الموت لأميركا».

بشكل عام، هناك لحظات تاريخية نادرة، يشعر فيها الخصمان بأن مصالحهما تقضي بإنهاء الخصومة وعقد تسوية عاجلة. في هذه الحالة يصبح الحوار مجديا، وتأتي النتائج سريعة شاخصة على الأرض. فبعد وفاة الإمام الخميني بأشهر قليلة أقامت حكومة رفسنجاني علاقات دبلوماسية مع السعودية، وقد جاءت بشكل مفاجئ، بعد سنوات من الخصومة الحادة بين البلدين، وبعد أن كان الجميع يظن أن لا مصالحة بينهما، لا سيما وأن الخميني كتب في وصيته أن الصلح مع السعودية أمر مستحيل، وأوصى كل الحكومات المقبلة أن تلتزم بهذا الموقف.

بوش عرف ما يريد

بصرف النظر عما قيل عن أخطاء الإدارة الأميركية السابقة، وكثرة الانتقادات التي تعرضت لها، خصوصا بعد احتلال العراق، إلا أن الرئيس بوش كان يعرف ما يريد من إيران، وقد رسم خطواته بطريقة مدروسة تتحرك وتتوقف تبعا لتصورات مسبقة ففي محاضرة ألقتها في مارس 2008، تحدثت وزيرة الخارجية السابقة كونداليسا رايس بشكل مباشر عن الترابط الوثيق بين سياسة أميركا الخارجية وبين الأمن القومي، وهيمنة المفردة الثانية على الأولى. وكشفت رايس، ولأول مرة، حالة الندم التي عاشتها دبلوماسية بلادها لأنها لم تحسن استغلال فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة وكشفت رايس أيضا في تلك المحاضرة، التي لم يهتم بها العالم العربي كثيرا، عن أن إدارة بوش التزمت منهجا طويلا لمعالجة ضعف الماضي، وان استخدام القوة هو احدى مفردات ذلك بمقارنة هذه الأفكار مع ما حدث، يمكن ملاحظة الخط الدقيق الذي التزمت به واشنطن، وانها استطاعت أن تحرك دبلوماسيتها في المنطقة وفق آليات واضحة خصوصا مع إيران التي تشكل عقدة بالنسبة لها في المنطقة.

تنسيق وتعاون

لقد تمكنت أميركا أن تدفع طهران باتجاه الاشتراك معها في إسقاط نظام طالبان في أفغانستان. فقد جلس عام 2002 ممثلون كبار عن الطرفين في منزل السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة لتنسيق المواقف الاستراتيجية. وتكررت اللقاءات في باريس وجنيف، وقد أوفدت إدارة بوش كلا من زلماي خليل زاد ورايان كروكر، اللذين شغلا على التوالي منصب سفير الولايات المتحدة في العراق، وأشارت المعلومات وقتها الى اتفاق الطرفين على إنهاء نظام طالبان.لم تندفع الإدارة الأميركية أبعد من هذا التنسيق لقد حققت هدفا مرحليا كانت فيه الحكومة الإيرانية تمثل شريكا مؤقتا.

وبعد أشهر قليلة أعادها البيت الأبيض الى صف الأعداء، وصنفها ضمن «محور الشر»، فليس من مصلحته أن تكون قوة آمنة في المنطقة.في مايو 2003، بعثت طهران إلى واشنطن مقترحا سريا يدعوها إلى تسوية النزاعات على أساس من التفاهم والتنازلات الكبرى من كلا الجانبين. وكانت تلك «وثيقة مدهشة بحق»، كما وصفها الدبلوماسي الأميركي نيكولاس كريستوف الذي نشر نص المبادرة الإيرانية على موقعه الخاص، فقد تناولت جملة من الهواجس الأميركية بشأن البرنامج النووي الإيراني، والإرهاب والعراق. لكن إدارة بوش رفضت هذه الخطوة، لأنها لم تكن يومها بحاجة الى مصالحة مع إيران. فهي كانت قد أسقطت نظام صدام حسين، وبدأت مرحلة جديدة ظنت أنها ستصنعها بكفاءة وبنتائج عاجلة، فما حاجتها إذن لعلاقة حسنة مع إيران الخائفة من ضربة أميركية محتملة.

أوباما.. فترة انتظار

استنادا لمواقف الرئيس باراك أوباما فانه يسعى الى تجاوز البرنامج الذي وضعته الإدارة السابقة. فقد بدأ عمليا مشروعه الدبلوماسي مع إيران على أساس تجاوز الماضي بما تضمنه من أزمات وموروث عدائي، وذلك كجزء من عملية التغيير التي يبشر بها لكن ذلك لا يكفي لأن يحدث النقلة التاريخية في العلاقة بين البلدين. فطهران تجد نفسها للمرة الأولى تمسك بطرف الخيط بقوة، وان الآخر ينتظر منها كلمة قبول، فهل تضيع فرصة ثمينة كهذه؟ إن قراءة تجربة الإيرانيين في السياسة تعطي جوابا مغايرا فهم يعرفون كيف يحركون طرف المعادلة بدقة وذكاء. وقد أكسبتهم الأزمات الخارجية، التي رافقت مسيرة دولتهم الجديدة، خبرة عالية في التعامل مع المجتمع الدولي. فهم يجدون أن الضغط الدولي بدأ يخف عن برنامجهم النووي، وهي فرصة ربما لم يحلموا بها من قبل. وجاءت تصريحات أوباما - التي أعرب فيها عن استعداده للحوار دون شروط مسبقة - لتشجعهم على كسب المزيد.لا شك أن الإدارة الأميركية الجديدة تدرك ذلك تماما، وتعرف أن عملية «التمنع الإيراني» لا تنطلق من قناعات حقيقية، إنما هي سلوك مألوف في مثل هذه الحالات وأغلب الظن أن ذلك لا يزعج فريق أوباما على الإطلاق. إنه يعرف أن الظرف لا يسمح لإيران أن تعطي رأيها النهائي بسرعة، ولا بد أن تمر فترة انتظار طويلة. فهناك الانتخابات الإيرانية، تعقبها أشهر عديدة حتى تتشكل الحكومة الجديدة وتعيد النظر في ملفات الفترة السابقة.فترة الانتظار هذه مناسبة أيضا للبيت الأبيض ليعرف من هو الرئيس الإيراني القادم، ولتتضح الأمور أكثر، ويريد أن يكتشف في فترة الانتظار مواقف المجتمع الدولي، لا سيما إسرائيل المتحسسة من البرنامج النووي الى أقصى حد. وسيعرف أيضا الرأي الأوروبي في هذا الخصوص، وماذا سيقول العرب بشأن خطوة المصالحة التاريخية.. فترة الانتظار مفيدة للطرفين، وكلاهما يفهم الآخر.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر: alqabas