يضم 250 جامعة بقيادة «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا»... «برنامج المنهج المفتوح» يرفض تجارة الملكية الفكرية وينشر المعرفة عبر الانترنت

 

 

هال إبلسون

 

 

في صيف عام 2000، توصلت مجموعة صغيرة من البحّاثة في الشأن المعلوماتي إلى فكرة لامعة، وُصفت بأنها جذرية. تلخّصت تلك الفكرة في أن يختار «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا» مواد من مناهجه الدراسية كلها (ومن دون استثناء) ويضعها بصورة مفتوحة ومجانية على الانترنت وتعني كلمتا «مفتوحة ومجانية» أن كل شخص بإمكانه أن يقرأها ويحصل عليها، وكذلك أن يترجمها ويعيد توزيعها ويضعها ضمن أعماله ويتصرف بها، من دون قيود.

انتشرت تلك الفكرة بسرعة البرق، وتنامى عدد مؤيديها وحملت اسم «برنامج المنهج المفتوح» Open Course Ware وراهناً، يضم قسم «برنامج المنهج المفتوح» في موقع «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا» ما يفوق 1800 منهاج جامعي. ويزوره ملايين الأشخاص الذين يأتون من مشارب وخلفيات متنوّعة. وبديهي القول إن تلك المناهج يمكن تنزيلها على الحواسيب الشخصية، ولا يقتصر التعامل معها على زمن الوصول إلى الموقع عبر الانترنت. وأثبتت هذه الحرية أيضاً مدى الحاجة إلى تلك المناهج، إذ تــشير الأرقام إلى تنزيل أكثر من 250 ألف منهج جامعي متكامل شهرياً وإلى جانب موقع «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا»، تتوافر تلك المناهج من خلال 200 موقع مواز (تُسمى تقنياً «المواقع - المرآة» Mirror Sites) وتتوزع تلك المواقع على بلدان مختلفة، و تشمل قائمة تلك المواقع - المرآة بعض بلدان الشرق الأوسط مثل مواقع «وزارة التعليم» في مصر، جامعة الموصل في العراق، الجامعة الاسلامية في غزة، «جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا» في الأردن و»جامعة الملك فيصل» في السعودية وتُرجمت المواد التي يحويها «برنامج المنهج المفتوح» إلى 6 لغات، ما جعلها متاحة في مواقع شريكة للموقع الأصلي في الصين وتايوان وتايلاند وأميركا الجنوبية. ويقصد تلك المواقع الشريكة ما يفوق نصف مليون زائر شهرياً. وفي مطلع العام الحالي، أطلقت «جامعة الشهيد بهشتي» في إيران مبادرة لترجمة محتوى «برنامج المنهج المفتوح» إلى الفارسية. وثمة مبادرات مماثلة تنهض بها جامعتا «الأكاديمية التركية للعلوم» (للغة التركية) و«الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا» (للغة العربية).يمكن الحصول على المعلومات عن «برنامج المنهج المفتوح» على موقع «أو سي دبليو.أم أي تي.إي دي يو» ocw.mit.edu

أبعد من «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا»

لا يقــتصر أمر «برنامج الــمنهج المــفتوح» على المقررات والمناهج الأكاديمية لـ «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا». ففي عام 2005، استقر رأي خبراء المعلوماتية في المعهد على إطلاق مبادرة تحمل إسم «إئتلاف برامج المنهج المفتوح» Open Course Ware Consortium، التي تشمل الجامعات التي ترغب في وضع مقراراتها الأكاديمية على الانترنت بصورة مفتوحة. ويضم الإئتلاف أكثر من 250 عضواً راهناً، يتشاركون في رؤية مفادها أن استخدام الانترنت من أجل وضع المقرارات والمناهج الجامعية بصورة مفتوحة ومجانية، يمثّل أمراً ضرورياً ومفيداً للإنسانية وإذ تنال فــكرة «برنامج المنهج المفــتوح» قــبولاً مــطرداً في الــوقت الــراهــن، إلا أنها بــدت فكرة جــذرية ومــتطرفة عــند انطلاقتها. ففي عام 2000، نظر الكثير من الجامعات إلى الانترنت باعتبارهــا فرصة لتسويق مناهجها التعليمية وبيعها والاتجار بها. وحينها، فكر الكثيرون في المناهج الأكاديــمية باعتبارها «منتجاً ثميناً للملكية الفكرية»، بحيث يمكن النظر إليها كســلع قــابلة للــبيع والشراء وبذا، سارت مبادرة «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا» بوضع مقرراتها الأكاديمية على الانترنت بصورة مجانية ومفتوحة، عكس تيار «تجارة المعلومات تحت حماية الملكية الفكرية» التي كانت رائجة آنذاك ولم يتردّد كثيرون في وصف مبادرة عام 2000 كخطوة غبية. ولا زال البعض يعارض تلك المبادرة حتى الآن. والحال أن القوة التي تعطيها المشاركة المفتوحة في المعلومات، ما زالت فكرة عصية على إدراك البعض. إذ يلجأ إلى استخدام مصطلح مثل «الملكية الفكرية» عند الحديث عن الإنترنت. ولا يلاحظ هؤلاء الخطأ الضخم الذي يتضمنه استخدامهم لتلك اللغة وكلمة «ملكية» تستعمل انطلاقاً من تاريخ طويل من ممارسة أصناف متنوعة من حيازة الأشياء المادية وملكيتها، مثل الأرض. إذا أعطيتك جزءاً من أرضي تنخفض المساحة التي أملكها، ولكن إذا أعطيتك معلومة معينة فــإنني لا أفقد ملكيتها. وأكثر من ذلك، إن تشاركت معك في المعلومات، يتزايد ما يمــتلكه كلانا منها بل ينتج من ذلك وضع جديد كلياً. عــلى عكس ذلك، يؤدي التشارك في الأرض، مثلاً، إلى إعادة رسم الحدود بين أجزائها، ولا يضاف إليها شيء جديد. ويفضي التشارك في المعلومات إلى صنع المزيد منها. مثلاً، عندما ينشر «برنامج المنهج المفتوح» أحد المقرّرات التي انتجتها، أحصل على معلومات إضافية من خلال مراقبة الطرق التي يستخدم فيها هذا المقرّر والطريقة التي يتــأقلم فيــها مع حاجات أساتذة أخرين في ثقافات مختلفة. ويُضاف إلى ما أنتجته أيضاً لدى ترجمته الى اللغات أخرى. ولذا، تؤدي المشاركة في المعلومات بين «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا» وبــقية الدول إلى إغناء المعرفة في ذلك المعهد أيضاً.

اقتصاد الندرة

وتظهر تجربة «برنامج المنهج المفتوح» قدرة الإنترنت على تحفيز الاقتصاد في «مجتمعات ما بعد الندرة» Post Scarsity Economies ويُطلق أسم «اقتصاد الندرة» على الأنماط من التبادل التي ألفنا أن نعيش في ظل معطياتها ومفاهيمها لحقبة طويلة. وعند الخروج عن تلك القواعد المألوفة، تغدو الأمور مختلفة. وفي «مجتمعات ما بعد الندرة»، تفضي المشاركة المفتوحة إلى منفعة تفوق تلك التي تتأتى من السيطرة على الأشياء وتقييدها. ولطالما نُظِر إلى التعليم العالي باعتباره تجمعاً لمعلومات عالية القيمة، يجدر أن تستبقى بين أيدي النخبة التي تستطيع الوصول إليها وكذلك دفع ثمن مناسب لقاء الحصول عليها. ومع عصر الانترنت، يبدو ذلك المفهوم وكأنه جزء من ماض غابر...لا يقتصر مفهوم «مجتمعات ما بعد الندرة» على المناهج الجامعية ومقرّراتها الأكاديمية. ففي عوالم الموسيقى والأفلام، حيث يسود خلاف قوي حول صنع النسخ غير المدفوعة، يفتح عصر الإنترنت مجالاً أمام المبدعين لتجاوز المفاهيم الضيقة التي ترتكز إلى التقييد والسيطرة. فمثلاً، تصبح الأعمال الفنية أكثر شيوعاً (ويصبح مبدعوها أكثر شهرة وذيوعاً ومكانة) عند إتاحة المجال أمام الجمهور للنسخ وإعادة المزج Remix.

ثمة نماذج جديدة في الأعمال شرعت في الظهور مرتكزة إلى مفهوم «مجتمعات ما بعد الندرة». فمثلاً، تحاول شركة «ماغناتيون» Magnatune تلمّس ملامح نموذج جديد للعمل في مجال الموسيقى. ويتيح موقع «ماغناتيون» للجمهور الحصول على مقطوعات موسيقية وتنزيلها بصورة مجانية، قبل اتخاذ قرار بشرائها. وبإمكان المشترين تعديل الأسعار بالطريقة التي تتناسب مع أوضاعهم. وأظهرت التجربة أن نصف الجمهور يتخذ قراراً بالذهاب مباشــرة إلى المؤلف لمتابعة عملية الشراء ربما بدا المثال مشوشاً ومحدوداً، ذلك أنه يعبر عن ممارسة غير مألوفة راهناً. والحال أن الفُرص الهائلة التي يفتحها تطبيق مفهوم «ما بعد الندرة»، تحتاج إلى ظهور مؤسسة قانونية قوية، تستطيع العمل في الإطار الدولي لقوانين الملكية الفكرية. من المستطاع الحديث عن شيء ملموس بصورة واقعية. إذ توزّع منتجات شركة «ماغناتيون» ومناهج «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا» عبر شهادات تحمل اسم «كريتف كومونز» Creative Commons (وترجمتها «الجمهور العام المُبدِع»). وصُمّمت تلك الشهادات لتخدم الناس الذين يرغبون في المشاركة في منتجاتهم التي تحميها قوانين الملكية الفكرية. وتعبر عن الميل إلى صنع شهادات خارج التعقيد القانوني التقليدي، بحيث يمكن استعمالها بسهولة من قبل الناس. وكذلك تصبح شيفرة للكومبيوتر تسمح للمستخدم بالتعامل المباشر مع المواد التي يستطيع الحصول عليها وكحال «برنامج المنهج المفتوح»، ظهرت شهادات «كريتف كومونز» في الولايات المتحدة عام 2000. وأظهرت الممارسة أن استخدامها على الإنترنت بصورة عملانية يحتاج إلى جهد قانوني معولم. وراهناً، صارت مؤسسة «كريتف كومونز» شبكة دولية تضم خبراء قانونيين يعملون باستمرار على إيجاد حلول للتأقلم بين شهادات تلك المؤسسة والقوانين المحلية للملكية الفكرية. وحتى الآن، ظهر خمسون نموذجاً معدّلاً من شهادات «كريتف كومونز» تغطي خمسين بلداً وما زال العمل جارياً على صنع المزيد من النماذج المُعدّلة. وفي الشرق الأوسط، ثمة جهد يبذل راهناً لـ «أقلمة» تلك الشهادات مع القوانين المحلية، بالتعاون مع «مكتبة الاسكندرية» و«مجتمع الإنترنت التونسي». ويبذل الأردن الجهد الأكبر في هذا الإطار، إذ باتت «مؤسسة أبو غزالة للملكية الفكرية» في المراحل الأخيرة من صنع شهادات «كريتف كومونز» تتناسب مع القوانين الأردنية. ويمكن الحصول على مزيد من المعلومات عن تلك الشهادات على موقع «كريتف كومنز.أورغ» creativecommons.org.

* استاذ معلوماتية في «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا»

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: daralhayat.com