أوباما يدرج العلوم في خطته للخروج من الأزمة وأولوياته البيئة والطاقة النظيفة وخلايا المنشأ

 

أحمد مغربي

 

إذا خذلتني الآن، سأصبح قوياً أكثرمما تتخيّل!

في مستهل خطابه الجذري النبرة على منصة التتويج، ألقى الرئيس باراك أوباما بما يشبه القذيفة في وجه سلفه جورج بوش. وبعبارة واضحة، تصدى أوباما للذريعة القائلة ان سياسة الأمن والدفاع ترتكز على معادلة «الأمن مقابل الحرية» ورفضها بقوة. وأعلن بداية عصر لا يرتكز إلى الخوف، بل إلى الثقة. والمعلوم أن شعار «الأمن مقابل الحرية» شكّل الحجة المفضلة لمتطرفي المحافظين الجدد في البيت الأبيض، خصوصاً في مرحلة ما بعد هجمات الإرهاب في 11/9، لشن هجوم هائل على الحريات الشخصية والعامة في الولايات المتحدة وخارجها. عانت شبكة الإنترنت كثيراً نتيجة لأنواع الرقابة التي أجازها أصحاب الإيديولوجيا المتطرفة في البيت الأبيض في مرحلة ما بعد 2001. ولم يعد التجسس على البريد الالكتروني (عبر برامج جاسوسية مثل «كارنيفور» Carnivore) والاتصالات الفردية والعامة (لنتذكر سلسلة رادارات «إيشلون» Echelon أيضاً) أمراً يقتضي أذوناً قانونية مسبقة لممارسته. وبات التجسس على المواقع، وعقد الصفقات مع الشركات الكبرى في المعلوماتية للحصول على معلومات عن الجمهور، ممارسة شائعة. وفي محطة أخرى من الخطاب نفسه، أشار الرئيس أوباما إلى حق الناس في المعرفة من دون أن يضطروا إلى دفع أكلاف باهظة، إضافة إلى تشديده على أن الازدهار الفعلي يعتمد على قدرة الجمهور الواسع على الوصول إلى مصادر الثروة ومن المستطاع قراءة كلمات الخطاب، التي تنضح بالاستعارة الموجزة كسائر الخطاب، على أنه نقض جذري لنموذج العمل الذي ارتكزت إليه الشركات العملاقة في المعلوماتية والاتصالات المتطورة، خصوصاً لجهة تأويلها الملكية الفكرية وحقوقها بطريقة عاتية لا تضمن سوى أن تصب الأموال في «أيدي القلّة»، بالاستعارة من كلام خطاب أوباما أيضاً. كيف يترجم ذلك الكلام فعلياً؟ هل يخوض أوباما حرب إعادة صوغ حقوق الملكية الفكرية بما يضمن التوازن بين حقوق الشركات ومبدعيها من جهة، وبين حق الجمهور في المعرفة المُجدية؟ هل يجد أوباما نفسه في وضع يجدّد فيه مثلاً المعركة التي خاضها سلفه الديموقراطي الرئيس بيل كلينتون أثناء محاولته التصدي للممارسات الاحتكارية لشركة «مايكروسوفت» في الهزيع الأخير من ولايته الثانية قبيل ختام القرن المنصرم؟ المعلوم أيضاً أن هذه الشركة دفعت أموالاً سخية ليصل الرئيس جورج دبليو بوش إلى سدّة الرئاسة على حساب منافسه الديمقراطي آل غور، الذي شغل منصب نائب الرئيس في ولايتي كلينتون.

ماذا عن مسألة التمادي في فرض تفسير أحادي الجانب لحقوق الملكية الفكرية من قبل الشركات العملاقة للبذور المُهجّنة وأطعمتها Genetically Modified Foods؟ المعلوم أن هذه الشركات أجازت لنفسها أن تمارس إحتكاراً لما تنتجه الطبيعة، وأن تضع يدها عليها بطريقة تهدّد منتجات الطبيعة نفسها أيضاً (الإشارة هنا إلى أن أختلاط البذور المهجّنة مع الطبيعية يؤدي إلى ذواء الأخيرة)؟وفي الخطاب عينه، ردّد أوباما كلاماً قوياً عن العلوم والتكنولوجيا، واعتبرهما من الرهانات الأساسية للولايات المتحدة، خصوصاً بالنسبة لقدرتها على الخروج من الأزمة الإقتصادية الهائلة التي شكلّت فصل ختام تراجيدي لحقبة بوش وإدارته من متطرفي المحافظين الجدد. يصح القول أيضاً ان الخلاف في المجال العلمي بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري أمر مألوف، خصوصاً في بلاد متقدمة علمياً وتقنياً، بل يشكل تقدمها أحد أهم الملامح في صورتها وإدائها. ولعل المثال الأقرب إلى الذاكرة أن الرئيس السابق جورج بوش بادر، بعد أيام قليلة من تسلمه كرسي المكتب البيضاوي، إلى إلغاء توقيع سلفه الديموقراطي بيل كلينتون عن معاهدة «كيوتو» التي رمت للحدّ من التلوث المرتبط بالاحتباس الحراري. مجرد مثال صغير، على رغم أهميته، لأن الأمر يرتبط بالتحيّز الإيديولوجي لإدارة بوش الذي تدعمه مصالح شركات النفط الأميركية العملاقة مثل «هاليبرتون» الوثيقة الصلة بالنائب السابق ديك تشيني. وسار ذلك التحيّز في الترويج لـ «نمط الحياة الأميركي» المعتمد على الاستهلاك الوفير للطاقة الرخيصة ولعلها ليست مصادفة أن خطاب تنصيب أوباما أشار أيضاً إلى ضرورة تغيير ذلك النمط من العيش لمصلحة أسلوب حياة أكثر واقعية وانسجاماً مع معطيات الإقتصاد الأميركي، ومع ضرورة الإنتباه لمعطيات البيئة عبر التركيز على الطاقة البديلة. ويمكن وضع إشارته إلى ضرورة الخروج من وضع الاعتماد على الطاقة الآتية من الخارج، في سياق مُشابه ويأتي في الإطار عينه، أن إدارة الرئيس بوش ساندت بقوة دعاة «المخطّط الذكي» Intelligent Design في النظرة إلى الكون وكائناته، الذين سعوا إلى إلغاء تدريس نظريات التطور (خصوصاً على طريقة داروين) في المدارس والثانويات الأميركية. هل تتحوّل هذه المسألة إلى ساحة صراع في عهد أوباما، الذي جعل من التعليم وبنيته وتجديده في قلب رهاناته الأساسية؟

العلم «حصان رهان» في أزمة الاقتصاد

خارج إطار قراءة ما بين السطور في برامج الرئيس أوباما، يمكن النظر إلى علاقة الرئيس الأفريقي - الأميركي الأول من الناحية الأخرى، بمعنى التطلع إلى رأي المجتمع العلمي الأميركي نفسه بالرهانات المعقودة على هذه الرئاسة التي وصفت تكراراً بأنها نقطة تحوّل تاريخية. فقبل فترة وجيزة من تسلّمه الموقع الأول في النظام الأميركي، كرّست «الجمعية الأميركية لتقدم العلوم» حلقتها الدراسية السنوية عن دور القيادة في العلوم والتكنولوجيا، لتقصي أثر انتقال السلطة في الولايات المتحدة على مسار العلوم وبحوثها فيها، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة. وأشار الباحثون الذين شاركوا في تلك الحلقة إلى أن الأزمة الاقتصادية ربما حملت في طيّاتها بعض الأمل، خصوصاً مع برنامج حكومي يتضمن بلايين الدولارات التي تملك الدولة القدرة على إنفاقها، ومع ملاحظة وضع أوباما العلم في مقدم رهاناته في إنقاذ الاقتصاد الأميركي. ورأت الجمعية أن ثمة مجالين علميين على الأقل قد يتلقيان الكثير من أموال الدعم الحكومي: الطاقة النظيفة (تُسمى أيضاً «الطاقة الخضراء» - Green Energy)، وبحوث خلايا المنشأ (Stem Cells) وبدا الباحثون وكأنهم تنفسوا الصعداء لإنتهاء عهد بوش وإدارته التي تشددت، تحت ذريعة أولوية الأمن، في منح تأشيرات دخول للعلماء الأجانب، وكذلك بالنسبة للطلبة الجامعيين الذين طالما شكلوا رافداً قوياً لتجديد شباب العلوم في «بلاد العم سام» وتوقع هؤلاء أن تبدّل الولايات المتحدة موقفها من مسألة المناخ عموماً، وخصوصاً معاهدة «كيوتو» للحد من انبعاث غازات التلوث والمعلوم أن إدارة بوش تمسكت بموقف إيديولوجي متصلب في المناخ أدى إلى رفضها الأدلة العلمية المتواترة على العلاقة بين الأنشطة البشرية (مثل الصناعة والمواصلات الكثيفة) والتلوث. وبحسب مقالات متواترة في موقع «الجمعية الأميركية لتقدم العلوم»، مارست إدارة بوش ضغطاً قوياً لإبراز العلماء الذين يتبنون وجهة نظرها، وتنحية الآراء المعارضة التي تبيّن صحتها علمياً لاحقاً.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: daralhayat.com