حمائم إسرائيل في خطر

 

كيفن بيراينو

 

 

الحرب عززت مواقع اليساريين الإسرائيليين، ولكنها تقضي على فرصهم في التوصل إلى صفقة سلام مع المعتدلين الفلسطينيين

 قبل بضعة أسابيع فقط، كانت احتمالات إيهود باراك [في الفوز في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة] احتمالات مثيرة للسخرية. وحين ظهر في أواخر ديسمبر في البرنامج التلفزيوني الإسرائيلي الذي يماثل برنامج Saturday Night Live الكوميدي في الولايات المتحدة، فإنه استدر أعلى القهقهات حين قال إنه قد يكسب انتخابات رئاسة الوزراء المقبلة. ولا بد أن رؤية مؤسسي الدولة اليهودية، الذين اعتبروا أن حزب العمل الذي ينتمي إليه باراك هو الصورة المصغرة للمثال الصهيوني العلماني، لخلفائهم وهم يتعرضون للتهكم كانت ستثير مشاعر الألم لديهم حتما. ولكن هذا الحزب، الذي تأثر ذات يوم بتعاليم كارل ماركس والذي لا يزال المرتكز السياسي لليسار السياسي في إسرائيل، يمر منذ فترة طويلة بحالة من الهبوط. ففي نوفمبر الماضي، أعلن الروائي الحمائمي آموس أوز، بنوع من الزخرفة اللغوية التي تميز لغة هيغل عادة، أن حزب العمل "أتم دوره التاريخي ولكن منذ أن بدأت القنابل بالسقوط على غزة، فإن حظوظ اليساريين الإسرائيليين بدأت بصورة غريبة في الارتقاء. فعلى مدى أشهر وزعيم المعارضة الإسرائيلية اليمينية بنيامين نتنياهو يتقدم في استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقرر إجراؤها في 10 فبراير. ولكن حرب غزة، التي تحظى بالشعبية في الداخل وإن لم تكن كذلك في الخارج، أدت إلى تدعيم مواقف منافسيه. فقد أظهر استطلاع للرأي صدر الأسبوع الماضي مضاعفة التأييد لحزب العمل الذي يقوده باراك، الذي يتوقع الآن أن يفوز بـ 15 مقعدا بدلا من سبعة مقاعد فقط كما كان يتوقع سابقا. وأظهر استطلاع ثان أن شعبية وزير الدفاع الشخصية قفزت بنسبة 19 نقطة. والأهم في سياسات التحالفات الإسرائيلية الداخلية هو أن خبراء استطلاعات الرأي في جامعة تل أبيب يقولون الآن إن تحالفا يساريا أوسع يتضمن حزب كاديما الذي تتزعمه وزيرة الخارجية تسيبي ليفني أصبح الآن مساويا في عدد المقاعد المتوقع له الحصول عليها مقابل نتنياهو وحلفائه، أي 60 مقعدا لكل من التحالفين في البرلمان الإسرائيلي المؤلف من 120 مقعدا. ما ستنتهي إليه عملية غزة ظل نتيجة غير محسومة في نهاية الأسبوع الماضي، والكثير من هذا الدعم يمكن أن يثبت في نهاية الأمر أنه زائل. ولكنه سيكون أمرا ينطوي على مفارقة هائلة لو أن الحرب، التي أثارت غضب ناشطي السلام في سائر أرجاء العالم، انتهت بإيصال حمائم إسرائيل إلى سدة السلطة ومع سقوط أكثر من 800 قتيل في غزة، بمن فيهم الكثير من المدنيين، فإن هناك شيئا أورويليا بصورة خفية هنا حين يشار إلى باراك وليفني بأنهما من "الحمائم". لقد كان الثمن الأخلاقي للحرب ثمنا باهظا: فقد أدت مهاجمة إحدى المدارس التابعة للأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من 40 شخصا، والصليب الأحمر اتهم إسرائيل بانتهاك القانون الدولي بإحجامها عن تقديم المساعدة للجرحى المدنيين الفلسطينيين. وبالمقارنة بنتنياهو، الذي هو عادة ما يندد بشدة بتقسيم القدس وإعادة الأراضي إلى الفلسطينيين، فإن باراك وليفني يعتبران أكثر مرونة حيال التنازلات المطلوبة لتحقيق السلام. ولكنهما الآن يستفيدان من اتخاذ موقف متسم بالتشدد بالنسبة إلى حماس. وقد كان نتنياهو أعلى الأصوات الداعية إلى القيام بتوجيه ضربة ساحقة ضد غزة. ويقول المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف إن باراك "يحسن في ما يقوم به ... لأنه يقوم بما طلب إليه نتنياهو القيام به. إنه باراك الجنرال [الذي يصطف خلفه الناس الآن]، وليس باراك القائد العمالي. وهذان الشخصان ليسا هما الشخص ذاته" فبوصفه زعيما لحزب العمل، يتقمص باراك أدوار بعض من أكثر الشخصيات الإسرائيلية أيقونية. شمعون بيريز، رئيس إسرائيل الحالي، هو أكثر أعضاء حركة حزب العمل شهرة من الأحياء من هؤلاء. (عام 2005 كان بيريز قد انشق وانضم إلى حزب كاديما). إن ثقافة الكيبوتس الصهيونية العلمانية التي أتى بها حزب العمل إلى إسرائيل، وهي الثقافة المشربة بالأفكار الاشتراكية والحماس الثوري، هي واحدة من أكثر سمات الدولة رومانسية دواما. ولكن هذه الثقافة كانت خرافة أكثر منها حقيقة في العادة. ومع ذلك فإن مؤسسي إسرائيل ترعرعوا في ما يشير إليه يارون إزراحي، العالم السياسي في الجامعة العبرية، بـ "عهد الإيديولوجيات" مع بداية القرن الـ 20. فالعالم حينئذ كان يعج بعدد من الحركات والاتجاهات التي تنتهي أسماؤها بالمقطع الإنجليزي ism دلالة على هذه الحركات والاتجاهات. ولكن الآن لم يتبق لأحفاد مؤسسي الدولة الكثير مما يستفيدون به من اليوتوبيات. ويقول إزراحي إن هبوط حزب العمل هو ــ جزئيا ــ "يمثل انتصار البراغماتية على الإيديولوجية".

باراك، وهو بطل حرب تحول إلى حمائمي في السياسة الإسرائيلية، هو رجل مناسب لمثل هذه الأوقات. فبوصفه ضابطا في وحدة الكوماندوز الإسرائيلية الخاصة سايريت متكال في مطلع السبعينات من القرن الماضي، تمكن باراك من الدخول سرا إلى بيروت متخفيا في لباس امرأة لاغتيال مسؤولين فلسطينيين كانوا مسؤولين عن مقتل رياضيين إسرائيليين في دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ في السنة التي سبقت ذلك التاريخ. ولكنه وبعد عقود لاحقة، أثار باراك غضب اليمينيين الإسرائيليين بسحب القوات الإسرائيلية من لبنان والتفاوض مع سوريا على هضبة الجولان والتلميح إلى أنه سيعيد الأحياء العربية من القدس والضفة الغربية إلى الفلسطينيين كجزء من صفقة سلام معهم. وكذلك فإن من الصعب وضع ليفني في بوتقة معينة. فبصفتها عميلة سابقة في الموساد، فإنها بدأت حياتها السياسية في الحزب الذي يتزعمه نتنياهو، الليكود، ثم انضمت إلى حزب كاديما الذي أسسه آرييل شارون بعد أن قررت أن حل الدولتين هو أمر لا بد منه. فقد كان التفكير السائد هو أنه في ضوء أن العرب سيزيد عددهم في غضون وقت قريب على عدد اليهود [في المنطقة بين نهر الأردن والمتوسط]، فإن إسرائيل لن تستطيع أن تبقى دولة يهودية وديموقراطية في الوقت نفسه من دون التخلي عن غزة وأجزاء من الضفة الغربية.

وليس من الواضح تماما مع ذلك ما إذا كانت الطفرة في أرقام استطلاعات الرأي بالنسبة إلى ليفني وباراك ستدوم بما يكفي لكي يسيطر أتباعهما على الانتخابات ومن ثم تمكينهما من التوقيع على اتفاق سلام. فإذا ما ارتفعت حصيلة الخسائر البشرية وتزايد الغضب الدولي، فإن من المرجح للإسرائيليين أن يتحولوا ضد الحرب كما فعلوا في صيف 2006 خلال حرب لبنان. وحتى إذا تمكن باراك وليفني من اجتذاب الناخبين الوسطيين من الأحزاب الأخرى، فإنهما يخاطران باستعداء قاعدتهما الشعبية كلما طال أمد الحرب. وقد بدأ باراك منذ الآن في تهيئة المشهد السياسي لإمكانية أن يتخذ طريق القتال الحالي في غزة انعطافة غير متوقعة. الأسبوع الماضي، وفي حين ناقش القادة الإسرائيليون ما إذا كان عليهم أن يوسعوا العملية وصولا إلى المراكز السكانية في غزة، فإن تسريبا أشار إلى أن وزير الدفاع عارض توسيع الحرب البرية حتى مع أن وزراء آخرين دفعوا باتجاه توسيعها. وقال أحد المصادر المقربة من باراك، مشترطا عدم ذكر اسمه لكي يتمكن من الحديث بحرية، إن باراك "لا يريد الدفع بهذا الاتجاه". ويقال إن ليفني اتخذت خطا مماثلا ولكن إذا تم التمكن من التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الوقت الذي تبقى فيه حماس مسيطرة على غزة، فإن نتنياهو يرجح أن يقول إن الحرب انتهت بصورة أسرع من اللازم وإن نتيجتها كانت ستكون أكثر حسما لو أنه كان هو الذي أدارها. وحسب يوسي بيلين وهو أحد أعمدة معسكر السلام في إسرائيل، فإن ما يعنيه ذلك هو أن الجيش الإسرائيلي كان "على حافة النصر، ثم توقفنا قبل ذلك بيوم واحد. من الصعب جدا دحض شيء كهذا". ومع ذلك، وفي تلك النقطة، فإن مفاوضات السلام الهادفة إلى تعزيز موقف المعتدلين الفلسطينيين على حساب حماس، ستصبح أهم. فالناخبون الإسرائيليون قد يفضلون مؤيدا متحمسا للمفاوضات في مقعد رئيس الوزراء بدلا من معطل لها مثل نتنياهو ولكن بتصويت القادة الإسرائيليين في وقت لاحق الأسبوع الماضي بمواصلة الحرب بصورة متحدية لمجلس الأمن الدولي، فإن الحمائم الفلسطينيين يجدون أنفسهم في أزمة. فرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس فقد المصداقية بسبب مفاوضاته غير المجدية مع إسرائيل. ويقول محمد المصري، وهو من مؤيدي عباس والمدير السابق للمخابرات الفلسطينية في غزة، إن الإسلاميين "لن يتم القضاء عليهم بالكامل. وحماس ستخرج أقوى على الأرض من ذي قبل". إن انبعاث الحمائم الإسرائيليين لن يؤدي إلى السلام إذا كان محاوروهم الفلسطينيون معطلين في هذه العملية.

*بمشاركة جوانا خن في القدس

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: Newsweek