العالم الرسالي من خلال شخصية آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سرّه)

 

السيد محمود الموسوي

 

 

القلم يقف عاجزاً أمام شخصية عظيمة كشخصية الفقيد الفقيه آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره)، تلك الشخصية التي آلمتنا برحيلها المبكّر، والمبكّر جداً.. فلقد كان في موسم عطائه وأوجّه، فاجأنا برحيله فحتار القلم فيما يمكن أن يخطّه بهذه المناسبة الأليمة..أتوكل على الله بذكر بعض النقاط التي وجدتها مهمة في شخصية السيد الراحل، أذكّر بها نفسي والعلماء والمؤمنين، فيما يرتبط بمييزات العالم الرسالي، وهي مميزات أجدها منسجمة تمام الإنسجام مع توجيهات القرآن الكريم ووصايا النبي (ص) وأهل بيته (ع) حول العلماء..ولأن التذكير مهم في هذا الجانب، لحساسية دور العلماء في قيادة الأمّة وبناء شخصيتها، والدفاع عن هويتها، فلابد أن يعاد التذكير بها بين الفينة والأخرى، فيكون العالم متذكّراً، ويكون المجتمع متبصّراً بذلك الدور، ليقف مع العلماء العاملين ويستنهض المتقاعسين منهم ..فمن مميزات السيد الراحل (قدس سره):

- كان متفانياً في خدمة الدين وملتزماً بدوره كعالم من العلماء في البحث والخطابة والكتابة والتأسيس والتشجيع على العمل ولقاء الناس يومياً وتوجيههم وبحث المستجدات والإحتياجات معهم، لم يجد مكاناً للإنزواء في حياته برغم مرضه بظهره، ولم يجد الكسل أي مبرر ليقنعه بأن يفتر عن العطاء، ولم تهزمه التبريرات المادية بأن ينعزل عن العمل الرسالي ويتفرغ لجمع المال والترفل في الرفاهية.

- أن يكون عاملاً ومبادراً لا يعني ذلك أن يحجر على غيره العمل والنجاح في العمل، بل كان مبالغاً في تشجيع العاملين، وتحفيز العلماء، واستنهاض الطاقات لكي تسير في خط العمل الرسالي، لأن همّه وتطلعه منحصراً في الغايات، ومنبثقاً من المبادئ والقيم، وليس متمحوراً حول ذاته وشخصه.

- رأي الآخرين لا يشكل بالنسبة إليه جبهة حرب ضدهم، فما كان محله الرأي تبقى ساحته المحاورة وقوّة الحجة، بعيداً عن القسوة والتكفير والغلظة المنفّرة، كان يؤمن بذلك إيماناً علمياً خصوصاً فيما يرتبط بالإختلافات والإجتهادات داخل المجتمع العلمي الإسلامي، ويمارسه ممارسة عملية، حيث كان يطرح الرأي المخالف بكل أدب، ويناقشه ويقيم الحجّة عليه، دون اللجوء إلى القسوة ودون الإحتماء بضوضاء الصوت والإنفعال، في عملية امتزاج بين قوّة الحجّة، ولين المعاملة، ليبقى طريق العودة مفتوحاً أمام الآخر.

- لم يحبس نفسه عن التعاطي مع المشكلات المعاصرة للمسلمين بحجة الإشتغال ببعض القضايا العلمية، فكان يؤمن إيماناً قاطعاً بأن العلماء أصحاب الرؤى يجب عليهم إظهار علومهم في مواقع الفتن، وعليهم أن يقدّموا رؤية الدين فيما يستجد من إشكاليات، فقد طرح على سبيل المثال مسألة التكفير، والتعددية، والذوبان الثقافي، وعالج مسائل تفكك الأسرة وبناء الأسرة الفاضلة في الزمن الحاضر، وماشابه ذلك.. ففي الوقت الذي كان يطرح القضايا العقيدية لأهميتها، فإنه يطرح المشكلات المعاصرة لأهميتها أيضاً، وإن كان يغلّب في بعض الأحيان جانباً على آخر فيما يراه أكثر أهمية.

- قد يكون الإشتغال العلمي بالدراسات العليا، سدّاً لدى البعض أمام التعاطي مع المجتمع في خطاب يحاكي فهمهم، هذا السدّ الذي خلقته بعض الأعراف، لا وجود له في مسيرة سماحة السيد الراحل، فلقاءه المباشر بالناس كان ميسّراً في كل يوم، ومحاضراته التربوية كانت متواصلة ومتنوعة، فالعلماء إنما يشتغلون بالعلم ليضيء للناس دربهم لأن العلم نور، لا أن يشغلهم العلم عن الناس وعن توجيه الناس.

خاتمة:لاشك ان هنالك مميزات كثيرة للسيد الفقيد غير ما ذكرته هنا، وقد ذكرها الكثيرون في مجالس التعزية والمواساة، إلا أنني أضع هذه النقاط التي أعتبرها مهمة لتقويم دور العلماء وضمان استمرارية العطاء والفاعلية، وحتى لا توقفنا الخلافات الإجتماعية عن أداء الدور الرسالي، ولا يستبد بنا الرأي عن التعاطي مع الآخرين، ولكي لا يحبسنا الفقر عن المواصلة، ولكي لا يخلدنا التعب إلى الكسل والتبرير..نسأل الله التوفيق والسداد للعلماء والمؤمنين..