لماذا تختلف أراء المواطن الأمريكي عن أراء المثقف الأمريكي بخصوص سياسات الشرق الأوسط ?  

 

 

 

لا ينبغي لمعارضي سياسة الإدارة الأمريكية الحالية تجاه الشرق الأوسط المبالغة في تضخيم تأثير معارضة الرأي العام الأمريكي لحرب العراق على سياسة أمريكا الخارجية. هذه هي خلاصة نتائج بعض أحدث استطلاعات موقف الرأي العام الأمريكي تجاه السياسة الخارجية الأمريكية في الوقت الراهن، التي اصدرها مركز بيو لاستطلاعات الرأي Pew Research Center بالتعاون مع مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations في السابع عشر من شهر نوفمبر تشرين الثاني الحالي، إضافة إلى استطلاع أخر أصدرته منظمة الأجندة العامة Public Agenda في يونيو تموز الماضي ونشرت مجلة فورين أفاريز Foreign Affairs العريقة - الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية - نتائجه في عدد سبتمبر ايلول/ أكتوبرتشرين الاول 2005، وتناولت هذه الاستطلاعات بالدرجة الأولى سياسات الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط.

 اختلاف أراء الأمريكي العادي عن الأمريكي المثقف

إحصاء منظمة بيو يشير في مقدمته إلى أن النخب الأمريكية المهيمنة على صناعة القرار والرأي العام أصحبت أقل مساندة لفكرة أن تلعب أمريكا دور "الأول بين متساويين" على المستوى الدولي، وهو ما يعني أن قادة الرأي العام الأمريكي يريدون من الإدارة الأمريكية أن تمارس سياسة خارجية أكثر تواضعا.

وهنا يجب الإشارة إلى أن استطلاع منظمة بيو قام باستطلاع أراء جماعتين رئيسيين، الجماعة الأولى تكونت من مواطنين عاديين، أما الجماعة الثانية فتكونت من قادة رأي وصناع قرار في مجالات الإعلام، والسياسة الخارجية، والأمن، والجيش، والحكومات المحلية، والأكاديميين والباحثين، والقادة الدينيين، والعلماء والمهندسين، والجيش.

• يوضح الاستطلاع أن 42% من الأمريكيين يرون أنه ينبغي على أمريكا أن تهتم بشئونها الداخلية وأن تترك لدول العالم حرية إدارة شئونهم الداخلية والدولية، وهي النسبة الأكبر من الأمريكيين التي توافق على هذه الفكرة منذ منتصف السبعينات والفترة التالية لحرب فيتنام.

• يرى 66% من الأمريكيين أن العالم أصبح أقل احتراما لأمريكا اليوم مقارنة بالماضي، وعندما سأل الاستطلاع المشاركين فيه عن الأسباب التي قادت لتراجع احترام العالم لأمريكا، قال 71% من قادة الرأي المشاركين في الاستطلاع أن حرب العراق هي سبب رئيسي في ذلك، وهي فكرة أيدها 87% من الجماهير التي شاركت في الاستطلاع. 

• تراجع رضا الشعب الأمريكي (جماهير وقادة رأي) على سياسات إدارة الرئيس جورج بوش خلال السنوات الأربعة الأخيرة بنسب تتراوح بين 5-24%. فعندما سئل الاستطلاع الجماهير التي شاركت فيه عن مستوى رضاهم عن سياسات الرئيس جورج بوش عبر النسبة الأكبر منهم عن عدم رضاهم على سياسات بوش تجاه العراق (57%)، وتجاه السياسة الخارجية بصفة عامة (51%)، ونحو الاقتصاد (56%)، وبخصوص الهجرة (54%). في المقابل عبر 52% من الجماهير التي شاركت في الاستطلاع عن رضاهم على سياسة الرئيس جورج بوش تجاه الإرهاب. كما عبر المشاركون في الاستطلاع (خاصة قادة الرأي منهم) بصفة عامة عن تشاؤمهم بخصوص نجاح سياسة الإدارة الأمريكية تجاه العراق أو تجاه العالم بشكل عام.

استطلاع منظمة الأجندة العامة عبر عن نتائج مشابهة إذ اشار إلى عدم ثقة 65% من المشاركين في قدرة سياسات الرئيس الأمريكي على بناء علاقات إيجابية مع العالم الإسلامي، كما عبر 56% من المشاركين فيه عن اعتقادهم بالا تتمكن الإدارة الأمريكية من تحقيق أهدافها في العراق.

لذا تنبأ الاستطلاع السابق بأن تضطر إدارة الرئيس جورج بوش إلى إدخال تعديلات على سياساتها تجاه العراق خلال عام على الأكثر استجابة لمعارضة الرأي العام الأمريكي المتزايدة لسياسة إدارته في العراق.

كما تنبأت دراسة ثالثة نشرتها مجلة فورين أفاريز في عددها الصادر في أكتوبر/ نوفمبر 2005 لأستاذ علوم سياسية بجامعة ولاية أوهايو الأمريكية يدعى جون مولر بأن تصيب حرب العراق السياسة الخارجية الأمريكية بعقدة أشبه بعقدة فيتنام، وقد استند مولر في توقعه هذه على مقارنة موقف الرأي العام الأمريكي تجاه حرب العراق مع موقف الرأي العام الأمريكي تجاه حربي فيتنام وكوريا،وتوصل من هذه المقارنة إلى أن عقدة العراق تسير على نفس مسار عقدة فيتنام بشكل يصعب تفاديه.  

دلالات أرقام هذه الاستطلاعات

أولا: غياب الإجماع الأمريكي

احتوت الاستطلاعات لسابقة على مؤشرات عديدة هامة منها غياب الإجماع في هذه الاستطلاعات الثلاث. وتشير إلى أن إجماع الرأي العام الأمريكي على أمر ما بنسبة تفوق الثلثين أو أكثر هو أمر موجود وقائم في مجالات عديدة، ولكنه للأسف ليس قائما فيما يتعلق بسياسات الإدارة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.

فاستطلاع مركز بيو يشير إلى أن 84% من الجماهير الأمريكية ترى أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تحافظ على تقاربها مع أوربا الغربية، كما يرى 86% من الجماهير أنه يجب أن تضع الإدارة الأمريكية جهود الدفاع عن أمريكا ضد الإرهاب على قمة أولويتها، ويرى 84% من الشعب الأمريكي أن الحفاظ على الوظائف يجب أن يكون من أولويات الإدارة الرئيسية.

وهذا يعني أن هناك إجماعا واضحا وقويا في أوساط الشعب الأمريكي على أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، ولكن هذا الإجماع القوي غير قائم عند الحديث عن سياسات بعينها.

فعند الحديث عن قدرة الإدارة الأمريكية على بناء ديمقراطية في العراق نجد أن 56% من الجماهير يوافق و37% لا يعتقدون ذلك، كما ينقسم الرأي العام الأمريكي على نفسه عند سؤاله حول ما إذا كانت الحرب على العراق ساعدت الحرب على الإرهاب، حيث يوافق ويعارض الرأي السابق نسبة 44% من الشعب الأمريكي.

ثانيا: تأثير الانتماء الحزبي على الرأي العام

دارسة منظمة الأجندة العامة تشير إلى أن 77% من الأمريكيين ذوي التوجه الديمقراطي يشعرون بالقلق من ارتفاع عدد القتلى الأمريكيين في العراق، في حين تنخفض هذه النسبة إلى 33% فقط في أوساط المساندين للحزب الجمهوري، وبفارق يصل إلى 44%

نفس الحقيقة يؤكد عليها تقرير مركز بيو الذي يقول أن "الخلافات الحزبية أكبر من الفارق بين الجماهير وصناع الرأي عندما يتعلق الأمر ببوش وسياساته"، ويشير الاستطلاع إلى أن 81% من الجمهوريين الذي شاركوا فيه عبروا عن رضاهم العام على سياسات الرئيس بوش في مقابل 15% فقط من الديمقراطيين الذي عبروا عن رضاهم على سياسات بوش بفارق يصل إلى 66%.

ويعني ذلك أن الإدارة الأمريكية يمكنها أن تجد كثير من المساندة لمواقفها في أوساط الجمهوريين، كما أن يجد القادة الديمقراطيون المعارضين لسياسات الإدارة الأمريكية أنفسهم في موقف بالغ الصعوبة لصعوبة بناء الجسور مع القواعد الجماهيرية الجمهورية بسبب حالة الاحتقان الأيدلوجي البالغة الراهنة.

ثالثا: عاطفية الرأي العام الأمريكي

الرأي العام الأمريكي مثله كشعوب أخرى عديدة يتميز بدرجة كبيرة من العاطفة والوطنية والرغبة في الوحدة عند الشعور بالخطر، وهو أمر يجب فهمه والتعامل معه دون لوم المواطن الأمريكي العادي عليه. فالشعب الأمريكي بدا أكثر تفاؤلا وعاطفية مقارنة بالنخب وصناع القرار المشاركين في استطلاع مركز بيو، وعندما سأل الاستطلاع المشاركين فيه عن مدى تفاؤلهم بخصوص قدرة أمريكا على بناء دولة ديمقراطية بالعراق عبر 56% من الجماهير عن تفاؤلهم وهي نسبة فاقت بكثير نسبة الفئات النخبوية التي شاركت في الاستطلاع كالإعلاميين والأكاديميين فيما عدا أفراد الجيش الأمريكي (64%).

كما أن عموم الشعب الأمريكي تساند أداء بوش بصفة عامة بنسبة (51%) تفوق مساندة أي فئة نخبوية أخرى للرئيس فيما عدا القادة الدينيين (55%). 

كما يبدو الشعب الأمريكي مقارنة بصناع القرار والسياسة أكثر تأييدا لتشديد قوانين الهجرة مقارنة بقادة الرأي والسياسة، وأكثر خوفا من المعاهدات الاقتصادية الدولية، وأكثر إيمانا بأن قرار الحرب على العراق كان قرارا صحيحا وبأن الحرب على العراق ساعدت الحرب على الإرهاب.  

رابعا: الإعلام الأمريكي لا يعبر عن الرأي العام

كشفت نتائج الاستطلاعات السابقة عن حقيقة هامة وهي موقف الإعلام الأمريكي بين نخب صناعة القرار والرأي العام بالولايات المتحدة، حيث يشير استطلاع مركز بيو على وجه الخصوص إلى أن الإعلاميين والأكاديميين والعلماء بشكل خاص يمثلون جزءا من المعسكر الليبرالي بالولايات المتحدة، وذلك في مقابل نخب أخرى كالجيش والقادة الدينيين والسياسيين الذين يميلون نحو التيار اليمين المحافظ بشكل أوضح.

وهذا يعني أن قراءة موقف الإعلام الأمريكي الذي يغلب عليه التوجه الليبرالي لا يكفي لمعرفة موقف الرأي العام الأمريكي بشكل عام تجاه السياسية الخارجية أو موقف النخب الحاكمة في الولايات المتحدة.

فالإعلام الأمريكي ليبرالي التوجه، لذا يصعب على المتابع المهتم أن يتخذ من الإحصاءات والأخبار السلبية التي تنشرها وسائل الإعلام الليبرالية عن سياسة الإدارة الأمريكية الخارجية بصفة يومية مؤشرا على موقف الرأي العام الأمريكي من تلك السياسات.

 المصدر: تقرير واشنطن - العدد 34