العالم يتجه نحو إدماجها إقليمياً...العقوبات الجديدة والحكمة الإيرانية المطلوبة  في إدارة الأزمة

 

ضغوط بالقرارات الدولية على ايران مع استبعاد الخيار العسكري

تراوح العلاقات الأميركية – الايرانية في دائرة التجاذب الأمني والسياسي، وإن كانت المواجهة العسكرية مستبعدة خلال الفترة القصيرة المتبقية من عهد ادارة الرئيس جورج بوش.

صحيح ان قرار مجلس الأمن الجديد، الرقم 1803، لم يضف جديداً على القرارين السابقين: 1737 عام 2006، و 1747 عام 2007، سوى ايراد لائحة بالأفراد والمؤسسات في ايران الذين شملتهم العقوبات، وعددهم الاجمالي 24 فرداً ومؤسسة. وصحيح أن القرارات الثلاثة المذكورة صدرت استناداً الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أي لها صفة إلزامية للدول كافة.. بيد أن القرارات الدولية استندت تحديداً الى المادة 41 من الميثاق، أي جاءت في اطار العقوبات الاقتصادية والحصار الدولي المحدود، ولن تصل الى مرحلة استخدام القوة المسلحة ضد ايران.

هذا ما أكده مندوب روسيا في مجلس الأمن، الذي أشار الى أن القرار 1803 جاء حلاً وسطاً بين مواقف الخمس الكبار في مجلس الأمن وموقف ألمانيا، فضلاً عن موقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي أكد أن طهران استجابت فعلياً غالبية الأسئلة حول برنامجها النووي – كما صرّح المدير العام للوكالة الدكتور محمد البرادعي – لكنها لا تزال ترفض نهائياً الرد على اتهامها بإجراء أبحاث حول أسلحة نووية.

هذه الـ (ولكن) هي التي تسيطر على موقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ عام 2006. الا أن الولايات المتحدة تدفع الأمور الى التصعيد الإضافي عندما تتحدث ادارتها عن الخطر الايراني، وعن تهديد ايران أمن الخليج وأمن اسرائيل. بالطبع كان الموقف الاسرائيلي، ولا يزال، مصعّداً أكثر من الموقف الأميركي. إنه يتحدث عن ايران نووية، وعن تهديدها اسرائيل بالسلاح النووي، ويدعو المجتمع الدولي الى الحزم ضد نظام الحكم في طهران.

الإدارة الأميركية نفسها قامت، وتقوم، بمحادثات، ومفاوضات، مع ايران بدءاً من الأزمة العراقية. وبعد جولات ثلاث من المفاوضات في بغداد، ودمشق، واسطنبول، يجرى التحضير لجولة جديدة في بغداد على رغم التجاذب التكتيكي بين واشنطن وطهران حول تأجيل الموعد، ورمي كل طرف المسؤولية على الطرف الآخر!

قد تستغل الإدارة الأميركية القرار 1803 (الذي لم يصدر بالإجماع بعد امتناع اندونيسيا وتردد ليبيا وجنوب افريقيا وفيتنام)، والذي صدر كما أشرنا بعد مساومات دولية احدى مقوماتها تجنّب الخيار العسكري ضد ايران، علماً بأن هذا الخيار طرح بقوة خلال العام الماضي في أوساط الادارة الأميركية، وركز عليه خصوصاً نائب الرئيس ديك تشيني.

الاستغلال الأميركي قد يكون للفقرة التي تتيح للدول في مطاراتها وموانئها البحرية تفتيش الطائرات والبواخر المتجهة الى ايران أو الآتية منها، اذا كانت هناك مبررات معقولة للاعتقاد بأن البضائع المحمولة محظورة بموجب قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة... قد يحصل الاستغلال في مياه الخليج اذا توترت العلاقات الأميركية – الإيرانية، ما يعطي الإدارة الأميركية وسيلة ضغط دائمة على ايران.

في المقابل، نلاحظ أن الموقف الروسي ليس مع وقف تخصيب اليورانيوم نهائياً، بقدر ما هو مع تعليق التخصيب حتى تستعاد الثقة بين ايران والمجتمع الدولي حول الطابع السلمي للطاقة النووية. وقد أيدت موسكو توريد الوقود الى محطة بوشهر النووية في ايران لدفع حكومة طهران الى تبديل موقفها الراهن. وثمة تفاهم روسي – صيني على تجنّب الخيار العسكري ضد ايران، واعتماد الخيار التفاوضي السلمي وصولاً الى تسوية ما.

بعد القرار الدولي الجديد، أعلنت طهران تجميد الحوار مع الدول الست الكبرى (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا)، وحصره مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي كل مرة يعود فيها الحوار مع الوكالة يأتي تقريرها بأن طهران متجاوبة (ولكن).

في هذا المناخ التفاوضي الضاغط حصلت زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بغداد، واذا كانت العاصمة العراقية تحت الاحتلال الأميركي، فإن السؤال البديهي هو: هل تحصل هذه الزيارة التاريخية لرئيس ايران الى عاصمة بلاد الرافدين منذ تراجع الدولة الصفوية عن احتلال العراق من دون موافقة أميركية، ولو ضمنية، عليها؟

والأهم من ذلك، توصل الرئيس الايراني مع حكومة بغداد الى تعاون اقتصادي في مجالات الطاقة والصناعة والنقل، واستعداد ايران لتقديم منحة بقيمة بليون دولار على شكل مشاريع تنفذها شركاتها في العراق. ما يعطي العلاقات الإيرانية – العراقية أهمية اضافية، ويساعد حكومة نوري المالكي على الصمود، ويخفّف من سلبيات التدخل الإيراني في الشؤون العراقية.

وما يؤسف له أن تتخذ العلاقات الإيرانية – العراقية طابعاً مذهبياً، في مقابل انتقادات حادة من مقلب مذهبي آخر للدور الإيراني في العراق والشرق الأوسط. وبينما تخرج الضغوط والمفاوضات الدولية مع طهران عن هذا الإطار المذهبي نجدها في وضع مختلف داخل منطقة الخليج والشرق الأوسط.

في دوائر الغرب التي تبحث في الاستراتيجيات الدولية هناك بحث حول كيفية ادماج ايران في العلاقات الشرق أوسطية بدلاً من الوصول الى مواجهة عسكرية معها. وهناك رأي راجح في اتجاه استبعاد الخيار العسكري بعد تداعيات حربي افغانستان والعراق، وما نتج منهما داخل المجتمع الأميركي وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية الدولية، فتوسيع دائرة الحرب في الشرق الأوسط لا يحقق نتائج ايجابية مضمونة للدول الصناعية، فضلاً عن مصالحها المتضاربة أصلاً، ونقصد هنا بالتحديد المصالح الأميركية والأوروبية والصينية والروسية واليابانية.

حسناً فعلت دول مجلس التعاون الخليجي في رفض الخيار العسكري ضد طهران، ضناً بمصالحها وباستقرار المنطقة. بيد أن ادماج ايران في العلاقات الخليجية، الذي قد يصبح مطلباً دولياً، لماذا لا يتحقق بتخطيط عربي – ايراني مشترك؟ سؤال لا بد من طرحه بعدما مرّت العلاقات العربية – الخليجية في منعطفات ومراحل خطيرة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat-13-3-2008