يعبر عنه الأطباء بالقاتل الصامت...مكافحة ضغط الدم بواسطة "تطعيم"

 

د.اكمل عبد الحكيم

"تطعيم" لمكافحة "القاتل الصامت"

في عالم الطب، القتلة كثر، وأهمهم ما يعرف بقائمة القتلة الكبار، أو قائمة الأمراض التي تتسبب في أكبر عدد من الوفيات بين أفراد الجنس البشري. ومن بين هؤلاء، يحتل ارتفاع ضغط الدم مكانة مرموقة على صعيد عدد الضحايا. وهو الوضع الذي يتوقع له أن يزداد سوءاً بمرور الوقت، حسب دراسة شهيرة صدرت عن جامعة "تيولين" (Tulane University) بالولايات المتحدة، ونشرت قبل عامين في واحدة من أشهر الدوريات الطبية في العالم. حيث توقعت الدراسة أنه بحلول عام 2025، سيرتفع عدد المصابين بضغط الدم إلى 1.5 مليار شخص، أو ما يعادل ربع سكان العالم حالياً. وخلصت الدراسة إلى أنه إذا لم يتم تطبيق استراتيجيات فعالة، على صعيد الوقاية والعلاج، فسيلقى الملايين حتفهم سنوياً، إما بسبب الذبحات الصدرية أو السكتات الدماغية، التي يعتبر ارتفاع ضغط الدم أحد أهم عوامل الخطر المسببة لها. ولكن، لماذا يلقى هذا العدد الضخم من البشر حتفهم بسبب ارتفاع ضغط الدم، في ظل توفر أدوية وعقاقير فعالة في التحكم في ضغط الدم وقادرة على العودة به إلى المستويات الطبيعية؟ إجابة هذا السؤال تقع في شقين. الشق الأول، هو أن ارتفاع ضغط الدم لا يترافق دائماً بأعراض واضحة، إلا في الحالات المتأخرة، ولذا يطلق عليه أحياناً القاتل الصامت. أما الشق الثاني، فيتمثل في أن ارتفاع ضغط الدم يتطلب علاجاً يومياً، وأحياناً عدة أدوية أكثر من مرة في اليوم، وهو ما يجعل فعالية العلاج عرضة بشكل كبير لمدى التزام المرضى بتعاطي أدويتهم.

هذه المشكلة الأخيرة، تحاول شركة سويسرية وضع حل نهائي لها، من خلال تطعيم يمكنه الحفاظ على ضغط الدم عند المستويات الطبيعية لفترة تمتد إلى أربعة شهور. فحسب ما نشر هذا الأسبوع في الدورية الطبية البريطانية "اللانست" (The Lancet)، نجح علماء الشركة السويسرية المتخصصة في التقنيات الحيوية، في تطوير تطعيم مضاد لهرمون "الآنجيوتنسين" (Angiotensin). وهو هرمون ينتجه الجسم بشكل طبيعي، ويعتبر مسؤولاً عن انقباض جدران الأوعية الدموية، وبالتالي ارتفاع الضغط بداخلها. وبالفعل، عند تجربة التطعيم الجديد على 72 مريضاً، وعلى مدار أربعة عشر أسبوعاً، اكتشف علماء الشركة قدرته على خفض الدم، دون أن يتسبب في أية أعراض جانبية خطيرة. وتعتمد فكرة هذا التطعيم، مثله مثل التطعيمات المضادة للبكتيريا والفيروسات، على تخليق مناعة داخلية في الجسم، تجعله أكثر مقاومة لهرمون "الآنجيوتنسين". مما يبطل مفعول الهرمون، ويؤدي لاسترخاء جدران الأوعية الدموية، وبالتالي خفض الضغط بداخلها. ويتم تعاطي التطعيم الجديد عن طريق الحقن، في شكل جرعة أولية، ثم جرعات منشطة، تضمن الحفاظ على مقاومة الجسم للهرمون لفترة تمتد إلى أربعة أشهر متواصلة.

ويتم تقسيم ارتفاع ضغط الدم حسب السبب إلى نوعين، الأولي والثانوي. في النوع الأولي، لا يوجد سبب واضح أو محدد خلف ارتفاع ضغط دم الشخص. أما النوع الثانوي، فدائماً ما يكون نتيجة مرض آخر، مثل أمراض الكِلى، أو بعض الأورام السرطانية. ويتم تشخيص إصابة المريض بارتفاع ضغط الدم، إذا ما كان الضغط الانقباضي -أثناء انقباض القلب- أعلى من 140 مليمتر زئبق، أو إذا ما كان الضغط الانبساطي -أثناء استرخاء القلب- أعلى من 90 مليمتر زئبق، وبشكل دائم. وتعتمد هذه الأرقام على اتفاق عام بأن مستوى ضغط الدم الطبيعي داخل أوعية الشخص السليم، لا ينبغي أن يزيد عن 120/ 80 مليمتر زئبق. ومؤخراً أصبح الأشخاص ذوو ضغط الدم الواقع بين 120/80 أو الحد الطبيعي الأعلى، وبين 140/90 أو بداية الحد المرَضي، يوصفون بأنهم مصابون بحالة "ما قبل ارتفاع ضغط الدم" (prehypertension). وهذه الحالة لا تعتبر حالة مرضية في حد ذاتها، وإنما مجرد وصف، يُبتغى منه تحديد الأشخاص الذين أصبحوا على عتبة الدخول في الحالة المرضية. وهو الوصف الذي يحتل أهمية خاصة، لدى الأشخاص المصابين بداء السكري أو بمرض في الكِلية، حيث يتطلب ترافق هذه الأمراض مع حالة "ما قبل ارتفاع ضغط الدم" ضرورة التدخل العلاجي المبكر.

وللأسف لا يتلازم ارتفاع ضغط الدم بأعراض واضحة أو محددة، وإن كان يظهر لدى بعض الأشخاص في شكل صداع، أو إرهاق غير مبرر، مع دوخة، واضطراب في الرؤية، أو طنين الأذنين واحمرار الوجه. وعلى عكس الأعراض، دائماً ما تكون مضاعفات ارتفاع ضغط الدم خطيرة إلى درجة أن المصابين بارتفاع في ضغط الدم، يساوي أو يزيد عن 50% من معدلات الضغط الطبيعي، غالباً ما يلقون حتفهم خلال سنوات قليلة، ما لم يتم علاجهم بالشكل المناسب. وحتى الحالات المصابة بارتفاع بسيط في ضغط الدم، يقل متوسط العمر المتوقع لها بشكل واضح، خصوصاً في ظل وجود أمراض أخرى مثل داء السكري، أو إذا ما ترافق مع التدخين. وتعتبر السكتة الدماغية، والذبحة الصدرية، وهبوط القلب، والفشل الكلوي المزمن، أهم مضاعفات ضغط الدم، وخصوصاً في الحالات المزمنة التي لا تتلقى العلاج الكافي. ويمكن تجنب هذه المضاعفات إلى حد كبير، إذا ما تم الكشف عن ارتفاع ضغط الدم في مرحلة مبكرة، من خلال قياس ضغط الدم العادي. ولغرض تحقيق هذا الهدف، تجري العديد من الدول والمنظمات الصحية فحوصات طبية على العامة (Health screening)، والتي تنجح بالفعل في الكشف عن الكثير من الحالات الخافية من ارتفاع ضغط الدم بين أفراد المجتمع.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alittihad-10-3-2008