لوقايـة الجسـم والعقل من الشيخوخة

 

العلماء يشدّدون على ثلاثية «الأكل والرياضة والعمل الذهني» ... وقاية الجسم والعقل من شيخوختهما تعتمد على التنبّه للعيش اليومي

 

قبيل ختام عام 2007، تمكن علماء أميركيون من عزل نوع «غريب» من البكتيريا، عثروا عليها في أعماق ثلوج القطب الشمالي حيث يفترض بالبرودة الشديدة أن تقضي على أشكال الحياة كافة. ولكن هذه البكتيريا قاومت وتمكنت من مواصلة العيش لأكثر من نصف مليون سنة !

وتنبّه العلماء الى أن البقاء على قيد الحياة لتلك الحقب المديدة يعني أن تلك البكتيريا تخفي «سراً ما» مكّنها من العيش لأجال مديدة، فيما الأنواع المماثلة لها لا تعيش طبيعياً سوى أشهر قليلة. هل يكمن السر في تركيبتها الجينية مثلاً أم أن ثمة عنصراً آخر مكنّ لها من تلك «الشيخوخة» المديدة، على رغم برودتها الفائقة؟ وهل يستطيع البشر الاستفادة من ذلك «السر» لكي يعيشوا شيخوخة معافاة ومديدة؟ ربما يبدو ذلك سراباًَ، خصوصاً أن خيال البشر طالما راوده هذا الحلم، وربما منذ الملحمة البابلية الشهيرة «كلكامش»، التي تظهر أيضاً أن الانسان كائن مصيره الفناء، وأن من العبث محاولة مقاومة هذا المصير، وأن الأجدى هو أن يترك البشر وراءهم من الأفعال التي تفيد الانسانية بحيث تتناقل الألسنة ذكرهم جيلاً بعد جيل. فهل من وصفة علمية لكي نواصل الشباب خلال سني الشيخوخة بانتظار المصير المحتوم؟

من المهم التنبيه الى أن الطريق الى الشيخوخة المعافاة يبتدئ من سني الشباب، وخصوصاً من زمن الكهولة.

والمفارقة أن الشيء الأكثر أهمية يتمثّل في ضرورة التنبه المستمر لأبسط الأشياء، والبدء من المكوّنات الأساسية للعيش اليومي، مثل الأكل والنوم والحركة والنشاط الذهني وغيرها.

أهمية النوم والأكل

يعتبر النوم أمراً مهماً لكل الكائنات الحية. ومن أهم ما يُنصح به هو النوم لوقت كاف. وتختلف المدة مع العمر. ويجدر الذهاب الى الفراش بعد ساعات من الوجبة الأخيرة يومياً، وأن تنتظم مواقيت النوم.

واذا تعذّر النوم، لنتذكّر أن المطالعة من أقوى الوصفات المنومة، وهي مفيدة للدماغ أيضاً. ولا يجب الاستمرار في التقلّب في الفراش، بل تجدر مغادرته والعودة إليه بعد الاحساس بالنعاس مجدداً. اننا نقضي ثلث عمرنا في النوم، فكلما كان عميقاً كلما أهّلنا لنهار حافل بالعمل.

يجدر ألا نغفل أهمية القيلولة، خصوصاً في البلدان العربية ذات الطقس الحار. ويفضل أن تدوم لدقائق وليس لساعات. والمعلوم أن بعض الشركات الغربية اصبحت تسمح لمستخدميها بهنيهة من الاسترخاء بعد الغذاء، لأنها كفيلة بتجديد نشاط الجسد والذهن معاً.

نقول إننا نخرج «للبحث عن لقمة العيش» أو «نجري وراء الخبز». ونسمع كثيراً عبارة «نحن ما نأكل». ويعني ذلك ضرورة احترام عدد الوجبات واوقاتها، وكذلك ان تكون متوازنة في مكوّناتها بحيث تحتوي بروتينات ودهنيات وسكريات ونشويات وفيتامينات؛ مع مراعاة الاعتدال في تناول اللحوم، مع التنويع فيها، واعطاء مساحة كافية لتناول الأسماك. ويعزو بعض الأبحاث احتواء اليابان على أكبر عدد من المعمرين، لأعتماد الطعام الياباني على المأكولات البحرية.

كما يجب شرب اكبر كمية ممكنة من السوائل، وخصوصاً الماء. ولا يجب أن نتصرف مثل الأطفال الذين لا يشربون الا عند العطش الشديد.

وهناك أهمية قصوى للتنويع في تناول الخضر والفواكه والتقليل من السكر السريع والدهنيات، خصوصاً تلك التي تأتي من أصل حيواني. ويكثر العنصران الأخيران في الشوكولا والكاتو والحلويات.

وفي نظام غذائي متوازن، يجدر الربط بين عدد السعرات والمجهود البدني المبذول. فمثلاً، يجب أن يختلف النظام الغذائي لممارسي الرياضة العنيفة عن ذلك المخصص لمــن يتمشى أحياناً. كما يجب التنبّه إلى غســـل الاسنان بطريقة صحيحة بعد كل وجبة. ويستحسن أن نعطي لوقت الأكل الأهمية التي يستحقها. وفي المجتمعات العربية، تشكل الوجبات الرئيسة وقتاً للقاء العائلي؛ فيستحسن أن لا يستولي عليه التلفزيون مثلاً. ومن الأحسن ان نستمع الى «موسيقى» الملاعق والصحون، مع التركيز على ما نأكل وعلى ما نسمعه ممن يشاركوننا المائدة.

اذا كنا نأكل ونشاهد التلفزيون، فإن كثيراً من مُتَع تذوّق الطعام تتلاشى. وليست هذه النصيحة مجرد معلومات يثبتها العلم الغربي. فمن المعلوم أن أهل موريتانيا مثلاً يحرصون على تخصيص أوقات طويلة للوجبة الرئيسة.

تجدّد خلايا الجسد

استخلص العلم ان كل خلايا الجسم البشري تتجدد تقريباً بعض مضي سبع سنوات، أي انت وانا بعد مضي هذا الحيز الزمني لم نعد الشخص نفسه او على الأقل لم نعد نملك الجسد نفسه وبالتالي الذي نوَّع في اكله ليس مثل الذي لم ينوَّع والذي يقضي وقتا «محترماً» في الهواء الطلق يجدد هواء رئتيه ليس مثل الذي يقضي وقتاً «غير محترم» في مكان مغلق ومشبع بدخان السجائر. وأصبح أكيداً علمياً أنه كلما أكلنا أقل كان ذلك افضل.

اذا كنا نقضي ثلث اليوم في النوم والباقي في الأكل والجلوس، فماذا عن الرياضة؟ لنتذكر أن بعض العلماء يعتبر أن وقوف الكائن البشري منتصباً على رجليه ساهم في تسييده الكائنات جميعاً. وهكذا كلما تحركنا نكون قد قدمنا خدمة كبيرة لجسدنا.

وتأكـــد علمياً أن الحياة الهانئة تعتمد على «ثلاثية» بسيطة: أكل اقل، حركة أكثر، وعمل ذهني». ويشدّد العلماء راهناً على أن تنشيط الدماغ بالأنشطة الذهنية المتنوعة يحميه من الخرف الذي يتهدده دوماً في خريف العمر.

الدار البيضاء - مصطفى العروي – 29-2-2008

daralhayat.com