لماذا أصبح عدد عناصر طالبان قليلا في السجون؟

 

سامي يوسفزاي - رون مورو

 

 

عبدالباري يتطلع بشوق إلى فصل الربيع، عندما يُستأنف القتال في إقليم غزني بشرق أفغانستان. من المتوقع أن يخلف هذا الضابط الميداني في حركة طالبان قائده الملا مؤمن أحمد، الذي قتل في المعارك العام الماضي. لكن إلى أن يذوب الثلج، يستمتع عبد الباري بحريته بهدوء. وقد قال لنيوزويك الأسبوع الماضي في مقره الشتوي على الحدود الباكستانية: "الحمد لله ولنسيبتي. لولاهما، لكنت ميتا أو أمضي سنوات طويلة في السجن".

تم توقيف عبد الباري بتهم إرهابية قبل أكثر من عام، عندما ضبطته الشرطة يزور أقاربه في كابول. فتخلص من هاتفه الخليوي، الممتلئ بأرقام هواتف أعضاء في حركة طالبان من خلال إعطائه لنسيبته وهي امرأة في العشرينات من عمرها، لكن الشرطة استولت على دفتر كتب فيه وصيته بخط اليد. في ذلك المساء، عرض نائب قائد الشرطة في المدينة صور عبد الباري مكبلا على المحطات التلفزيونية، واصفا إياه بأنه قائد مجموعة من الانتحاريين تسللت إلى العاصمة. فصرخ عبد الباري: "هذا غير صحيح!" لكن ضابط الشرطة كان يملك "دليلا" على أن عبد الباري في مهمة انتحارية: الوصية في دفتره. وفي اليوم التالي، تم تسليم عبد الباري إلى مديرية الأمن الوطني الصارمة التابعة للحكومة.

كان عبد الباري يواجه عقدا أو أكثر في السجن، إذا بقي على قيد الحياة. فمديرية الأمن الوطني التي تسيطر عليها مجموعة سياسية قوية تكاد تكون فوق القانون من وادي بانشير، تدير نظامها القضائي السري الخاص. وقد توقفت القوات الكندية في أفغانستان عن تسليم المعتقلين من حركة طالبان إلى المديرية قبل ثلاثة أشهر بسبب ادعاءات بأن المديرية فاسدة وتقوم بتعذيب السجناء. لكن نسيبة عبد الباري تحركت بسرعة. يقول عبدالباري إنها زارته في اليوم الثالث في سجن مديرية الأمن الوطني، وأحضرت له الطعام ودفعت رشاوى للضباط ليكفوا عن تعذيبه واستجوابه. وبدلا من أن تتم إحالته إلى محكمة سرية تابعة للمديرية، أطلق سراح عبد الباري بعد 52 يوما ليعود إلى الميدان مع قوات طالبان. يقول إنه دفع رشاوى بلغت 1100 دولار إلى ضباط مديرية الأمن الوطني، وإن موضوع النقاش الأساسي بين سجناء حركة طالبان كان كيفية تدبر رشاوى لإطلاق سراحهم.

إن رجال الشرطة والقضاة والسجانين الأفغان الفاسدين يقوضون الجهود الحربية في أفغانستان. وبالرغم من عدم توفر إحصاءات رسمية، يبدو أن مئات المقاتلين الذين يلقى القبض عليهم كل سنة يتمكنون من دفع الرشاوى لإطلاق سراحهم. لكن الناطق باسم مديرية الأمن الوطني ينفي أن تكون المديرية قد تقاضت أي أموال لإطلاق سراح السجناء. غير أن مصادر في الحكومتين الأمريكية والأفغانية وداخل حركة طالبان نفسها قالت لنيوزويك إنه يمكن دائما شراء الحرية في نظام السجون الأفغاني. يقول خبير أمريكي في مكافحة الإرهاب، رفض الكشف عن اسمه لمناقشته مسألة حساسة كهذه: "الأمر صحيح. وهو يحصل كثيرا، بشكل منتظم". ويسرد المسؤول أسماء مستعارة لعدد من المقاتلين الذين لفت إطلاق سراحهم السري انتباه القوات الأمريكية: "«العين الحمراء»... «العم»... «الملا المجنون»... الأمر لم يتوقف".

والأمر منتشر في كل الأنحاء. ففي جنوب أفغانستان، لاحظ السكان الغربيون طوال سنوات أن عدد الموقوفين من حركة طالبان لدى الشرطة المحلية ضئيل جدا بالرغم من إلقاء القبض على مئات المتمردين هناك كل عام. وفي إقليم غزني، يتباهى عبد الباري بأن 60 إلى 70 بالمائة من مقاتلي طالبان المعتقلين لدى الشرطة المحلية يتم إطلاق سراحهم حالما يتم توفير الرشاوى. ويقول مسؤول حكومي رفيع المستوى في إقليم آخر في شرق أفغانستان تحدث إلى نيوزويك شرط إبقاء هويته سرية بسبب حساسية الموضوع: إن سجون كابول ليست أفضل لجهة إبقاء الرجال الخطرين خلف القضبان. وقد ألقت قواته القبض على "عدد كبير" من رجال طالبان وأرسلتهم إلى كابول مع "أدلة دامغة" ضدهم. يقول إنه توقع أن يبقوا في السجن مدة طويلة لكن بسبب رجال الشرطة المخادعين والنظام القضائي الفاسد، عاد الكثير من السجناء للانضمام إلى صفوف المتمردين في إقليمه. يقول: "إنها مسألة خطرة" مضيفا أن النظام برمته بحاجة ماسة إلى تنظيف.

ويقول عبدالباري ومصادر أخرى في حركة طالبان إن لمجموعتهم شبكة من العملاء عبر شرق أفغانستان وجنوبه تقضي مهمتهم بشراء حرية المتمردين المسجونين. ويعتمد حجم الرشوة ــ الذي يتراوح بين بضع مئات من الدولارات وأكثر من 10000 دولار ــ على عوامل مختلفة: أهمية الموقوف، ومهمته، ونوع الأسلحة التي كانت بحوزته. كما أن السعر والتعقيدات تزداد إلى حد كبير مع إحالة الموقوف إلى مرجعيات قضائية أعلى. إذا شعر الأعضاء المحليون في الشرطة الوطنية الأفغانية الذين يتقاضون رواتب متدنية جدا بتأنيب الضمير، ربما يقولون لأنفسهم إنهم إذا لم يقبلوا الرشوة فسيقبل بها الأعلى منهم رتبة وغالبا ما يكونون محقين.

تصعب مقاومة المال السهل في بلد يعيش فيه المواطن العادي ببضع مئات من الدولارات سنويا. يقول المقاتلان في حركة طالبان الملا عبيد والملا حسن الله إنه تم توقيفهما في مناطق مختلفة من غزني في أواخر العام الماضي وتم اقتيادهما إلى مقر الشرطة في العاصمة الإقليمية في الوقت نفسه وقد سمح لهما رجال الشركة بالتحدث هاتفيا إلى أقربائهما بشرط واحد: أن يحثا أقرباءهما على جمع المال وإحضاره بأسرع وقت ممكن. خرج حسن الله من السجن بعد يومين، وعبيد بعد أربعة أيام. وبلغت كلفة إطلاق سراح كليهما 3000 دولار، إضافة إلى الأسلحة التي كانا يحملانها والدراجتين الناريتين اللتين كانا يقودانهما عندما ألقي القبض عليهما.

لربما كانت عائلاتهما أعفيت من هذه التكاليف لو تحلى رجال الشرطة ببعض الصبر. وفقا لمولفي أسد الله، وهو عميل استخباراتي من حركة طالبان في غزني أمضى أربع سنوات في سجن لمديرية الأمن الوطني ــ يقول إن الحاكم كان يكن له الضغينة ــ فإن المبلغ الذي تخصصه طالبان لدفع الرشاوى في الأقاليم الجنوبية الأربعة يصل إلى 500000 دولار. (لا يمكن التحقق من هذا الرقم وقد يكون مبالغا به). فضلا عن إعطاء أموال لضباط الشرطة ومديرية الأمن الوطني من أجل إطلاق سراح السجناء، فإن الشبكة تعوض عائلات الموقوفين ــ جزئيا أو بالكامل في بعض الأحيان ــ عن الرشاوى التي دفعها الأقارب. يقول أسد الله إن عملاء طالبان يعرفون من هم الأشخاص الذين يجب الاتصال بهم في الشرطة والمديرية، كما أن رجال الأمن الفاسدين يعرفون طريقة سير الأمور، وغالبا ما يبعثون رسائل إلى حركة طالبان عندما يلقون القبض على مقاتل قيّم حتى حركة طالبان تتعجب أحيانا من درجة الود السائدة في تعاملها مع رجال الأمن. يقول الملا جمعة خان، وهو قائد متمرد ذو لحية حمراء يعتمر عمامة سوداء في الثلاثينات من عمره، إنه وخمسة من رجاله أوقفوا في صيف عام 2006 خلال كمين فاشل في إقليم هلمند. بعد مصادرة أسلحتهم، وألغامهم الأرضية وأجهزة التفجير عن بعد، اقتادهم رجال الشرطة إلى مركز الشرطة الإقليمي وسمحوا لهم بالاتصال بعائلاتهم. عندما وصل القادة القبليون في الصباح التالي، يقول خان إن قائد الشرطة وافق على مساعدتهم إذا تعهد السجناء بالتخلي عن المجموعة المتمردة ــ وهو شرط روتيني لكن لا معنى له - وبدفع مبلغ كبير من المال، فوافقوا.

لإتمام الصفقة، انتقل رجال الشرطة والسجناء والقادة بالسيارات إلى مقر الشرطة في العاصمة الإقليمية لاشكار غاه ولم يوضع خان ورجاله في زنزانة بل في غرفة منفصلة، حيث قُدم إليهم الطعام وعوملوا جيدا فيما كانت تجري المفاوضات لتحديد سعر حريتهم. بعد الكثير من المساومات، اتفق رجال الشرطة والقادة القبليون على مبلغ 10000 دولار لإطلاق سراح الرجال الستة، كما يقول خان. واحتفظ رجال الشرطة بشاحنتي القادة القبليين كضمانة إضافية إلى أن يحصلوا على المال، لكن في غضون بضعة أيام، أطلق سراح الرجال الستة. يقول خان: "الأمر مضحك. نحن نتقاتل في ساحة المعركة، لكن عندما يلقى القبض على أحد المجاهدين، يعاملنا رجال الشرطة بلطف إن كان السعر ملائما". وهو لايزال يقود عمليات لمصلحة طالبان في هلمند.

مع ذلك، فإن النفاق الفاضح لبعض رجال الشرطة الأفغانيين لا يحتمل حتى بالنسبة إلى معتقلين سابقين مثل خان. ويتذمر سكان القرى في الجنوب من أنه غالبا ما يتم اعتقال مدنيين أبرياء مع مشتبه فيهم من حركة طالبان فقط لكي تدفع الرشاوى لإطلاق سراحهم. ويذكر خان مسؤولا في الشرطة الإقليمية معروفا بفساده في إقليم هلمند يتباهى علنا بأنه يقوم بـ 20 عملية توقيف على الأقل كل يوم، ملقيا القبض على من يشاء، سواء كانوا من طالبان أو لا. السعر المعتاد الذي يتقاضاه هذا الشرطي الفاسد هو ألف دولار لكل شخص، بحسب خان، الذي يقول إن النظرية الكامنة وراء ذلك هي أن الجميع في الإقليم يستطيعون دفع هذا المبلغ لأن هلمند مشبعة بأموال المخدرات. فنحو نصف محصول العالم السنوي من الأفيون يأتي من هذا الإقليم وحده.

لكن الكثير من رجال الشرطة الأفغانيين يبقون نزيهين بالرغم من الفساد المستشري حولهم. هذا هو السبب الذي يودي ببعض المساجين غير المحظوظين إلى مديرية الأمن الوطني. إذا حصل ذلك، تصبح عملية شراء حريتهم أطول وأكثر تعقيدا لكنها ممكنة، بحسب مقاتلي طالبان. حضرة محمد، صاحب اللحية السوداء البالغ من العمر 38 عاما والسجين السابق لدى مديرية الأمن الوطني، روى لنيوزويك قصته، متدثرا بسترة سميكة وواقفا قرب مدفأة تعمل بالغاز في منزله المبنى من الطين والآجر على الحدود الباكستانية. في أواخر عام 2006، أرسله كبار قادة طالبان لإرساء موطئ قدم في أقصى شمال مدينة شيبرغان الأفغانية. وسرعان ما تنبه رجال الشرطة في البلدة ذات الغالبية الأوزبكية لوجود الدخلاء البشتون وألقوا القبض على خان مع ثلاثة من مقاتليه ونقلوهم إلى المكتب الإقليمي لمديرية الأمن الوطني في مدينة مزار الشريف. وحذر السجانون محمد من أنه ما لم يشتر أقرباؤه حريته قريبا، فقد يسجن لسنوات بتهمة الإرهاب.

تمكن أحد أشقائه من الوصول إلى هناك بعد يومين، لكن ضباط المديرية قالوا له إن الأوان قد فات. لم يكن بمقدورهم إطلاق سراح محمد لأن الإذاعة الأفغانية كانت قد أعلنت نبأ توقيفه. يقول محمد إنهم عذبوه واستجوبوه طوال أسبوعين قبل نقله إلى المقر العام للمديرية في كابول. في النهاية، تمكن شقيق محمد من التوصل إلى اتفاقية لدفع فديته: تعهد بدفع 8000 دولار لأحد صرّافي كابول الذي سيعطي بدوره المال لضباط المديرية حالما يطلق سراح السجين. بعد شهرين، أطلق سراح محمد من سجن المديرية واتصل هاتفيا بالصراف، قائلا له إن بإمكان رجال المديرية الحصول على الـ8000 دولار. حتى الآن، أعاد عملاء طالبان نصف المبلغ للعائلة.

محمد سعيد لأنه لم ينته به المطاف في قبضة الأمريكيين. فعندما يصبح السجين في مركز توقيف تديره قوات أمريكية، من غير المرجح أن يتمكن من الفرار. أحد الاستثناءات النادرة هو فرار الرجل الثالث في تنظيم القاعدة، وهو ليبي يعرف باسم أبويحيى الليبي تمكن من الفرار من السجن الأمريكي المشدد الحراسة في قاعدة بغرام الجوية مع ثلاثة سجناء آخرين من تنظيم القاعدة عام 2005. لا يبدو أن هناك أمريكيين متورطين في المؤامرة، لكن المحققين الحكوميين الأمريكيين يعتقدون أن حراسا أفغانا فاسدين ربما ساعدوا في عملية الفرار. وقال معتقلون عدة سابقون لنيوزويك إن رجال الشرطة الأفغانية وضباط المديرية كانوا قد هددوا بتسليمهم إلى القوات الأمريكية، كي يحصلوا على مزيد من الرشاوى بسرعة أكبر. كما أن الاعتقال على يد الجيش الوطني الأفغاني يدعو إلى الخوف لأسباب مماثلة، فالجيش يعمل بشكل وثيق مع القوات الأمريكية وهو مراقب بدقة من قبلهم، وهذا يجعل الرشوة صعبة.

بعض المعتقلين السابقين الذين تحدثوا إلى نيوزويك خلال إعداد هذا المقال ترددوا في البداية في مناقشة تجاربهم. وكانت لديهم خشية من أن يلفت مدى انتشار الفساد انتباه السلطات، مما يصعب عملية دفع الرشاوى لإطلاق سراح غيرهم من المتمردين المعتقلين. لكن لا يبدو أن هذا الاحتمال يزعج بعض السجناء السابقين، أمثال القائد في حركة طالبان الملا سورخ نقيب الله المعروف أيضا بالملا الأحمر، الذي تباهى أخيرا لهيئة الإذاعة البريطانية بأنه اشترى حريته من سجن المديرية لقاء 15000 دولار. يقول إنها المرة الثالثة التي يطلق فيها رجال الأمن الفاسدون سراحه لقاء المال منذ عام 2004. الآن عاد إلى موطنه في إقليم هلمند، ويقود مجددا مجموعة من المتمردين. إن حركة طالبان مدينة للشرطيين الفاسدين إلى حد كبير. ما كانوا ليصلوا إلى الحكم في المرة الأولى لولا اشمئزاز الشعب من الفساد المتفشي وإساءة استعمال النفوذ في النظام الذي سبق طالبان. أكبر أمنية للمتمردين هي أن يحدث ذلك مجددا.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newweek