سياسة وزير الدفاع الأميركي إطار وثيقة الاستخبارات ومرجعها

 

 

دان ايفرون , مايكل هيرش ,  إيفان توماس

 

 

في نهاية أيلول (سبتمبر) المنصرم اجتمع وزير الدفاع الأميركي منذ سنة تقريباً، روبرت غيتس، الى لجنة السياسة الخارجية في مجلس الشيوخ، وهذا ما كان سلفه، دونالد رامسفيلد، يتحاشاه. وسأله أحد الشيوخ عن سعي الإدارة الجمهورية في ذريعة تخولها قصف إيران فردّ الوزير ان مهاجمة ايران في الوقت الحالي هي «كارثة استراتيجية» فاطمأن الشيوخ الحاضرون، وأيقنوا بأن غيتس، على خلاف رامسفيلد وأصدقائه، لا يريد «فرض الأمور» على طريقة الحزب الجمهوري، ولا «الاستعلاء» على الهيئات المنتخبة. وقياساً على نهج الإدارة في السياسة الخارجية، بدا غيتس أقرب الى المدرسة القديمة والمعتادة، وهي معتدلة وغير ايديولوجية، ولا تقدم الولاء الحزبي على معايير السياسة الوطنية المشتركة بين الحزبين.

وغيتس موظف قديم ومجرب، عمل بواشنطن في عهد سبعة رؤساء، وخدم في وكالة الاستخبارات المركزية، وأوكلت إليه مهمات قربته من مرغريت ثاتشر وأنور السادات وميخائيل غورباتشوف. ولعل الرجل خير ضمانة تعصم البيت الأبيض، أي نائب الرئيس تشيني في المرتبة الاولى، من ترك إرث من الرماد بإيران. فوزير الدفاع ينتهج سياسة تقضي بالحؤول بين ايران وبين امتلاك سلاح نووي، ولا تستبعد اللجوء الى القوة في سبيل ذلك ولكنه يدعو الى تقديم العقوبات الاقتصادية اولاً فهو على يقين من ان قصف ايران يؤدي لا محالة الى نشر الفوضى في الخليج، ويطلق الإرهاب على غاربه بأوروبا والولايات المتحدة، ويعزز مكانة النظام الهش ويقويه عوض إضعافه. وقصارى ما يبلغه القصف هو إرجاء إنجاز البرنامج النووي سنة أو سنتين.

وأمر الوزير مرؤوسيه من القادة العسكريين الميدانيين تفادي ما قد يجر القوات الأميركية الى الحرب في الخليج خلسة أو مواربة، مثل اسر طيار او اشتباك بحري مفاجئ. وتعمد قادة ميدانيون بالعراق امتداح طهران على تعاونها، وحجب بعض انواع السلاح، مثل العبوات المحلية، عن أنصارها وأعدائها وقيد غيتس، من ناحية أخرى، أهداف القصف الأميركي لإيران إذا اضطرت واشنطن إليه، وقصرها على المنشآت النووية وحدها فالأهداف المنتخبة تتغير على الدوام بحسب الظرف وأباح الوزير لبعض كبار القادة العسكريين الجهر علناً بآرائهم المتحفظة عن مهاجمة ايران، وبتقديراتهم لما يترتب على مهاجمتها فلم يعمد خلف رامسفيلد الى تحدي تشيني، نائب الرئيس المتصلب، بل حث من طرق مواربة، أو جانبية، على تفادي النار.

ويقر جون بولتون، المندوب الأميركي الدائم الى الأمم المتحدة والمحافظ المتشدد، بأن حظوظ قصف ايران قبل سنة كانت أوفر منها اليوم وأقوى. وينسب المندوب السابق الانعطاف هذا الى غيتس ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، ويلاحظ المراقبون ان وزير الدفاع لا يحاول تطويق زميلته بنفوذه، ولا إعلاء كلمته على كلمتها، على خلاف نهج وزير الدفاع السابق. وهو كان رئيسها يوم كان نائب مستشار الأمن القومي، برينت سكوكروفت، وكانت هي في فريق المستشار. وتدرك رايس ان مهاجمة ايران من غير مماشاة رأس البنتاغون وموافقته وتأييده، امر عسير. وهو مستحيل في حال معارضة الوزير ورئيس هيئة الأركان معاً، على ما هي الحال.

وخبرة الرجل بإيران تعود الى فضيحة «ايران - كونترا» في 1985 – 1986، وتحويل سلاح اميركي الى ايران من طريق منظمة معارضة ومسلحة بنيكاراغوا (الشيوعية يومذاك) سعياً في إطلاق الرهائن الأميركيين، وكان يومها مسؤولاً عالياً في الاستخبارات المركزية والفصل الثاني من تعاطيه الموضوع الإيراني هو إسهامه في تقرير صدر عن مجلس العلاقات الخارجية. وفي كلتا الحالين، دعا غيتس الى الاعتدال في معالجة التطرف الإيراني، والتعويل على المعتدلين الإيرانيين. ولكن السبب في اختياره على رأس البنتاغون ليس ايران، بل تصويب السياسة الأميركية بالعراق وحماية الجيش. وعلى خلاف رامسفيلد، يقيد خلفه قراراته بمدد قصيرة، ويحرص على مراقبة تنفيذها تباعاً، ويقدم «القوة الناعمة» على الترويع، ولا يزدري سياسة «بناء الأمم»، ويخلص من تجربتي افغانستان والعراق الى أن التفوق العسكري وحده لا يضمن الانتصار. فهذا لا يبلغ إلا اذا تضافرت عليه، مع القوة، التنمية الاقتصادية، وبناء المؤسسات، وسيادة القانون، وتوافر الخدمات الأساسية، وإنشاء سلك شرطة محترف. وهو طلب زيادة مخصصات وزارة الخارجية، ودعاها الى النهوض ببعض مهماتها هذه.

ويلاحظ سياسيو واشنطن ان مسؤولي البنتاغون لا يرغبون في خوض حروب غير تقليدية لا تميز الخطوط الأمامية من الخطوط الخلفية، ولا المقاتلين من المدنيين، ولا الدولة (الوطنية) من الأهالي. وينبه بعضهم الى ان الجيش الأميركي أراد نسيان حروب العصابات، والحرب النظامية، غداة خروجه من فيتنام خائباً.ولكن الحروب، اليوم، معظمها حركات تمرد، وعلى هذا، دعا غيتس الجنرال ديفيد بترايوس، قائد قوات التحالف بالعراق، الى رئاسة لجنة الترقيات العسكرية. وأوكل إليه تقديم الضباط الشبان واللامعين، أي الذين أظهروا مهارة في خوض الحرب الجديدة، على الضباط التقليديين وعقيدة الوزير العسكرية حصّلها من خبرته القتالية والاستخبارية منذ 1966 فهو يقدم الاحتواء على الاشتباك، ولا يستعجل المنازلة، ويؤثر الردع والتهديد، ويرمي الى سن سياسة طويلة الأمد في العراق على ان يجمع عليها الديموقراطيون والجمهوريون معاً ويرضى بها الكونغرس، ويتوقع تقليل عدد الجنود بالعراق تدريجاً.

وكل ذلك بحسب رأي الكتاب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newsweek