التحدي البيئي وتردّي حال الطبيعة في ضوء تقرير التنمية البشرية

 

عدنان السيد حسين

 

 

تحت عنوان: «مكافحة التغير المناخي: التعاضد الدولي في عالم منقسم»، جاء تقرير التنمية البشرية، الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي U.N.D.P، ليشير بوضوح الى خطورة الكوارث الطبيعية بالتزامن مع تفاقم ظاهرة التبدل المناخي، ومدى انعكاساتها المدمرة على الأرض والإنسان.

التقرير المذكور هو خلاصة جهود بحثية عالمية، غير منحازة الى هذه الكتلة الدولية او تلك. وهو مقاربة علمية لظاهرة الاحتباس الحراري، التي كانت محل بحث معمق في مؤتمر بالي الدولي في أندونيسيا في الآونة الأخيرة. إنه تشديد جديد على العلاقة الجدلية بين البيئة الطبيعية والتنمية البشرية، التي تكرست دولياً منذ مؤتمر ريو دي جينيرو في العام 1992 عن البيئة والتنمية. ومن المؤسف ان تظل هذه التقارير المتلاحقة، والصادرة عن الأمم المتحدة بعيدة من الأخذ بمضمونها، ما يُضعف الالتزام بالمسؤولية الدولية، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة الثورات الصناعية المتلاحقة بما تحمله من سلبيات وإيجابيات!

جاء في تقرير التنمية البشرية: «وجوب تحرك دولي من أجل التكثيف في الالتزامات السابقة، والقيم المشتركة، والالتزام العالمي بالحد من الفقر ومسؤولية الدول الغنية عن مشكلات تغير المناخ». إذاً، هناك حديث مباشر على: تكثيف الالتزامات السابقة، والمقصود هنا التزامات الدول، وخصوصاً الصناعية منها، بحماية البيئة الطبيعية من خلال تقليص كمية الغازات السامة المنبعثة من المصانع وتحديداً غاز ثاني أوكسيد الكربون وتحرك دولي لتأكيد القيم المشتركة، التي تعني قيم حماية البيئة، وتشجيع التنمية البشرية في كل مستوياتها وأنواعها، وصولاً الى الحد من الفقر، والكوارث الطبيعية (فيضانات، زلازل)، وتأكيد السلام العالمي والأمن الدولي.

أما الحد من الفقر، فإنه يتعرض لانتكاسات متلاحقة جرّاء تهديد البيئة، أي تآكل المساحات الزراعية، وتدمير الغابات، وتلويث المياه، والفضاء، ما يؤدي الى مزيد من تهديد طبقة الأوزون، أي ارتفاع تدريجي لحرارة الأرض. وكيف اذا أضفنا الى كل ذلك، تمركز الصناعات الأساسية في دول الشمال في مواجهة عالم الجنوب الفقير. وهنا يشير التقرير الى وجود 2.6 بليون نسمة من فقراء العالم، معظمهم يعيش في دول الجنوب وعند حديث التقرير عن مسؤوليات الدول الغنية عن مشكلات التغير المناخي، يبرز دور الدول الصناعية الكبرى، والمجموعة الدولية بصورة عامة، حيث تصبح كل الدول مسؤولة لا تمييز بين غنيها وفقيرها على أن التلوث المناخي، وتالياً ظاهرة الاحتباس الحراري، هما من مسؤولية الدول الصناعية أولاً نظراً لما تنتجه من غازات ونفايات صناعية وبصرف النظر عن تحديد المسؤولية الدولية، فإن هذه المسؤولية لا تتجزأ. فالمعالجة تكون جماعية، أو لا تكون والمجتمع الدولي مترابط عضوياً في هذا المضمار، انها مسؤولية الأمم المتحدة كمنظمة دولية جامعة، إضافة الى الكتل الإقلــيمية المنتشرة من (آسيان) شرقاً الى (نافتا) غرباً.

أظهر تقرير التنمية البشرية ارتباط تغير المناخ بظاهرة الفقر الآخذة بالتوسع. أين إذاً مقررات مؤتمر كوبنهاغن لمكافحة الفقر، وتحقيق التنمية الاجتماعية قبل اكثر من عشر سنوات؟ ما الذي تحقق؟ وما الذي لم يتحقق؟ قدمت مساعدات غذائية، وطبية، لعدد من الدول الفقيرة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بيد انها لم تقض على الفقر، حيث تحتاج هذه العملية الى إطلاق عملية التنمية بعيداً من شروط منظمة التجارة العالمية، التي قيدت الدول النامية في الانتاج والتصدير، وأطلقت مصالح الدول الصناعية. بيد ان المفاوضات لا تزال جارية على هذا الصعيد، ويصعب التكهن بنتائجها.

يبدو مضمون تقرير التنمية البشرية متقارباً مع نتائج مؤتمر بالي في أندونيسيا، الذي أشار بوضوح الى ظواهر مقلقة: ذوبان الجليد وارتفاع مستوى المحيطات، وتركز الاحتباس الحراري مع تدهور البيئة الطبيعية، وتراجع مخزون مياه الشرب مع احتمال نشوب نزاعات مسلحة على مصادر المياه العذبة، وقلة انتاج الغذاء في موازاة احتكار عدد من البلدان المنتجة للسلع الغذائية، وزيادة قوة الأعاصير والكوارث الطبيعية...

أمام هذا التحدي البيئي العالمي، تجدر العودة الى قمة الألفية التي عقدتها الأمم المتحدة في مطلع القرن الحالي. كانت التوصيات تتركز على علاقة البيئة بالتنمية، وعلى ضرورة حماية البيئة الطبيعية، في إطار المسؤولية الدولية الجامعة، أي دول الشمال والجنوب معاً. ولم يفت تلك القمة الاشارة الى تحدي الحروب الأهلية المتنقلة، وتهديدها المباشر للسلم والأمن. اليوم، يشير مؤتمر بالي الى أن الاحتباس الحراري وما ينتج منه سيزيد من تفاقم النزاعات الأهلية، داخل الدول الواحدة.

ما العمل الدولي المطلوب لحماية البيئة وتحقيق التنمية؟ يدعو تقرير التنمية البشرية الى توفير مبلغ 86 بليون دولار حتى سنة 2015، لحماية البيئة ومعالجة الآثار السيئة للاحتباس الحراري، والمضي في الحد من الفقر - علماً ان ظاهرة الفقر تتسع عالمياً - هذا إضافة الى معالجة آثار الكوارث الطبيعية... على أهمية هذه التوصية، فإن معالجة الأسباب تبقى أهم من معالجة نتائج تدهور البيئة.

أقصى ما يتمناه التقرير هو خفض انبعاث الغازات بنسبة خمسين في المئة حتى سنة 2050. هذا هدف يحتاج تحقيقه الى تعاون دولي بعيداً من النفعية المادية المسيطرة على العلاقات الدولية، ولو ان الإقرار بمصالح الدول أمر متعارف عليه. ومن هو الذي يضمن الاستمرار بمتابعة آلية التنفيذ حتى سنة 2050؟

لعل التحدي البيئي العالمي، يسوّغ وجود الأمم المتحدة مرجعية دولية وعالمية، ويؤكد دورها في الرقابة على التنفيذ من خلال مجلس الأمن. لقد أطلقت الأمم المتحدة تياراً عالمياً لحماية البيئة والتنمية، وأشاعت ثقافة بيئية وتنموية على غير صعيد. بقي ان تضطلع بالمسؤولية الدولية بحكم ميثاقها، وتكوينها. على ان هذه المهمة الانسانية تحتاج الى تعديل الميثاق، وإضافة مؤسسات جديدة الى فروع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. هل هذا ممكن في ظل الواقع الراهن للسياسة الدولية؟

وكل لك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat-30-12-2007