بلورة روسيا سياسة دولية مستقلة لم تلبث أن نزعت الى العداء

 

 

بينما كانت السياسية الأميركية الدولية، إجراء وتعليقاً وتحليلاً تحاول قلب صفحة نهج بالعراق، وجواره القريب، نشر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وهو ديبلوماسي فلاديمير بوتين في المرتبة الأولى، مقالاً برنامجياً في «موسكوفسكي نوفوستي». والى محاكمة السياسة الأميركية الدولية محاكمة قاسية، وتهمتها بتنصيب نفسها «زعيماً أحادياً» على العالم، واستخدام القوة في حل المنازعات، وتنحيتها الهيئات الدولية، وأولها مجلس الأمن، عن القيام بدورها في حل المنازعات، يعرف لافروف «سياسة روسيا المستقلة» منذ العام 2000، أي منذ خلافة فلاديمير بوتين سلفه يلتسين في أواخر 1999، وإقلاع السياسة الدولية الروسية عن «الانبطاح» أمام الغرب، على ما جرى القول لاحقاً. وتنوي السياسة الروسية، على ما يعلن وزير خارجيتها، الانحياز الى «مبادئ السياسة الجماعية والمرجعية القانونية»، رداً على تفاوت التنمية بين دول العالم، واندلاع المنازعات الاقتصادية والاجتماعية والعرقية والدينية، وتفاقم الخلل في نظام العلاقات الدولية. ويعزو لافروف دور روسيا الجديد (منذ العام 2000، على ما مر للتو) في السياسة الدولية الى «استقرارها ونموها»، أولاً، والى استخلاصها العبر من الحرب الباردة، ثانياً، وتحررها من قيود الماضي. وعلى هذا، فمعالجة أي مشكلة دولية كبيرة «تقتضي تعاون موسكو» منذ اليوم. وهي تؤدي «دوراً متوازناً حيال المشكلات الدولية»، و «تتوخى التزام المصالح الوطنية من دون الانزلاق الى المواجهة». وآية هذا التوازن إقدام روسيا على عقد شراكة استراتيجية مع كثير من البلدان، وخصوصاً جيرانها في مجموعة الدول المستقلة، والصين والهند والبرازيل ومصر ودول مجموعة الثماني الآخرين.

وفي ضوء المبادئ السابقة، والنهج العملي السليم وغير الأيديولوجي، تدعو موسكو «شركاءها الأميركيين» الى تسوية بالعراق تقوم على «الاستعانة بالأمم المتحدة وبجيران العراق، وفيهم إيران وسورية»، وبالمنظمات الإقليمية، وإنجاز «مصالحة وطنية حقيقية»، وتطبيع العلاقات الأميركية - الإيرانية، وتسوية مسألة برنامج إيران النووي. وأما العقوبات (على إيران)، فيدعو لافروف الى حصرها بيد مجلس الأمن الدولي، والمفاوضة عليها، وفصلها من استخدام القوة والتهديد به وينعطف وزير الخارجية الروسي الى حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي. وهما مسألتان شائكتان من مسائل علاقة روسيا بالغرب الأوروبي - الأميركي. فيتحفظ عن توسيعهما الى حدود روسيا وجوارها البلطيقي والقوقازي والأوروبي الشرقي والجنوبي (البلقان) ولكن يسوغ تحفظه بخسارة الهيئتين، على قوله، «مرونتهما وفعاليتهما» جراء التوسع المفرط هذا.

ويقول، على شيء من التعالي، ان مصلحة روسيا لا تقتضي زوال «الأطلسي» والاتحاد الأوروبي، ولا إضعافهما. «فالنظام (أي نظام) خير من الفوضى»، بحسب أصل أو مبدأ سياسي بوتيني راسخ ومجرب ولكن على الهيئتين التزام حدودهما وترسم الحدود هذه المحافظة على «أبعاد حضارية كثيرة في الحياة (الروسية)» وعليه، فالمصالح الوطنية الروسية، وهي انقلبت «أبعاداً حضارية»، قد تقود الى المواجهة. ويرد وزير الخارجية بـ «التنوع» الروسي «الثقافي والحضاري»، وبوقوع روسيا «على ملتقى حضارات»، على «العولمة»، الأوروبية - الأميركية ضمناً.

فهذه تنكر التنوع، على رأي لافروف. ودعوتها الى الديموقراطية والليبرالية وجه من وجوه إنكار التنوع هذا. وربما قادت «الشراكة الاستراتيجية» التي يتباهى وزير خارجية بوتين بعقدها مع بلدان «الجنوب» وحدها، ويغلب عليها الوجه الاقتصادي، الى تصدر روسيا حلفاً مناهضاً للعولمة «الثقافية والحضارية»، والسياسية، على غرار أحلاف سابقة مناهضة للامبريالية (الأميركية). فيتحصن أعضاء الحلف العتيد بـ «أبعاد» تسوغ الاستبداد والحكم «العمودي»، على كناية فلاديمير بوتين عن إدارته، بينما يتاجرون في عالم واحد.

ولم تلبث صحيفة «فريميا نوفوستي» الروسية ان نددت بسياسة الولايات المتحدة الدفاعية في شرق أوروبا، وبـ «استفزازات» تشيكيا وبولندا، حيث عزمت الولايات المتحدة على نصب عناصر من درع صاروخية مضادة للصواريخ الكورية الشمالية والإيرانية المفترضة وحذر محررا الصحيفة البلدين من ان علاقتهما بالجار الروسي القريب والضخم، وهو تسلط عليهما طوال نصف قرن تقريباً وكان الآمر والناهي في شؤونهما الداخلية والإقليمية، «على المحك»، ونبها حكومتيهما الى ان الصواريخ الجديدة، اذا نصبت، «تتمة للطوق الصاروخي الأميركي على روسيا»، وتخل بـ «ميزان القوى بأوروبا»، وتمكن الولايات المتحدة من مراقبة الأراضي الروسية كلها. ولن يسع روسيا إلا الرد على هذا رداً «متكافئاً» من طريق صواريخ عابرة للقارات، وصناعة جيل جديد من الصواريخ المتعددة الرؤوس، والدقيقة التصويب، والقادرة على اختراق أكثر شبكات الدفاع الجوي تحصيناً.

وكانت صحف روسية أخرى نددت، في الأسبوع الثاني من الشهر الأول، بتمهيد استراتيجية بوش العراقية الى انفجار حروب أهلية وإقليمية عامة ودامية. وسرعان ما نزلت الخلافات الروسية - الأميركية من علياء مناقشة أركان النظام الدولي، أو حتى أركان الردع «المتبادل» على قول الوزراء الأميركيين السابقين، الى مسائل إقليمية جزئية ليس للقوتين مصالح حيوية فيها. فانتهج الكرملين موقفاً صارماً في مسألة كوسوفو، الإقليم الصربي - الألباني، أخل بموازين استقراره على قول سفير أميركي سابق بالبلقان، ويليام مونتغومري. وربط السفير الموقف الروسي بالمفاوضات الدولية على العقوبات على إيران، وبمسألة أخرى أقل ظهوراً هي أن حسم مصير كوسوفو، أي استقلاله بناء على خطة ووعد أوروبيين يعودان الى غداة حرب الأطلسي على صربيا في 1999، يترتب عليه انسحاب معظم الجنود الأميركيين من البلقان تمهيداً لإعادة نشرهم حيث تمس الحاجة إليهم. فإذا أرجئ البت في المسألة، وهو ما تريده روسيا، اضطرت الولايات المتحدة الى إبقاء جنودها هناك.

وأرجأ هذا، من وجه آخر، ضم كوسوفو وصربيا معاً الى الاتحاد الأوروبي، وتوسيع الاتحاد الى بلدان هي منطقة نفوذ روسي، تقليداً وعرفاً. وتطعن صحيفة «بوليتيكا» الصربية في إقرار المنسق الدولي بكوسوفو، مارتي أهتيساري، للألبان بحقهم في الانفصال. وتذهب الصحيفة الى أن هذا «سابقة خطيرة في تعاطي المشكلات الدولية، تؤدي الى زعزعة الاستقرار في البلقان (...) ودول أوروبا». ومن الدول هذه، على قول الصحيفة، روسيا.

فهي كذلك تعاني مشكلة «نزعة الأقليات القومية الى الانفصال». وأنكرت مقالات سياسية كثيرة على الاعتبارات الروسية المكررة هذه صدقها. فقالت دورس باك، رئيسة الوكالة الأوروبية لشؤون جنوب شرقي أوروبا في البرلمان الأوروبي، في كانون الأول (ديسمبر) الجاري، ان الزعم الروسي هو من مخلفات منطق اقتسام مناطق النفوذ، وكوسوفو وصربيا هما في قلب أوروبا، وأوروبا تتولى رعايتهما. وتصف «نيوزويك» الأميركية سياسة روسيا في جوارها القريب، والملحق بها سابقاً، وصفاً قاسياً. فروسيا بوتين، على وصف الصحيفة، «تأخذ بخناق أوروبا بواسطة أنابيب الغاز والنفط»، على ما ظهر من إغلاقها الأنابيب الى أوكرانيا وبيلوروسيا قصاصاً لهما على التباطؤ في تسديد السعر الجديد الذي تريده روسيا منهما، وعلى السياسة الأوكرانية الجديدة غداة «الثورة البورتقالية»، ولم تكتم المستشارة الألمانية الجديدة انجيلا ميركل، رداً على الأزمة البيلوروسية، والأزمة الأوكرانية قبلها، تردي «الثقة» الأوروبية بسياسة بوتين. وانفجرت مشادة بولندية - روسية حادة على المنتجات الزراعية. وردت على انضمام ليتوانيا الى حلف شمال الأطلسي بقطع إمدادات النفط عن مصفاة «مازيكيو» الليتوانية البلطيقية بذريعة تقنية.

وحاصرت جورجيا. ولا تنفك سياسة الطاقة الروسية تجني من آبار تركمانستان وأنابيبها أرباحاً كبيرة. فتصف الـ150 بليون متر مكعب من صادرات روسيا السنوية من الطاقة مصدرها الجمهورية الآسيوية الوسطى. وهي تشتري المتر المكعب بمئة دولار، وتبيعه في أوروبا بـ230 دولاراً، أي انها تصنع ما تنكر صنيعه على أوكرانيا وبيلوروسيا، وهو إفادتهما من أسعار سابقة بخسة تعود الى العهد السوفياتي.

وقصدت المقالات الصحافية الروسية التمهيد لخطاب فلاديمير بوتين بميونيخ، أم كان تمهيدها عفو الخاطر ومن وحي الحوادث والوقائع، فالحق ان نبرة التعليقات على الحوادث المتفرقة، بعد خطاب ميونيخ، لم تكتم بعض التشفي والتهديد. فتوقعت محررة «نيزافيسمايا غازيتا»، في منتصف الشهر الثاني، غداة ميونيخ، تجدد الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو، 17 عاماً على نهايتها على الشكل المعروف. وتعزو الصحيفة شطراً من المسؤولية عن تجدد الحرب الباردة الى «شن الغرب حرباً إعلامية ساخنة على روسيا». فوسائل الإعلام الغربية، على رأي الصحافية الروسية، «تبرز مساعدة موسكو طهران على تطوير تقنياتها النووية، ومشكلات روسيا مع جاراتها من دول الرابطة بسبب ملف الطاقة، وموضوع استقلال كوسوفو، انتهاء بملف اغتيالات الشخصيات المعارضة، من الصحافية أنابوليتكو فسكايا الى الجاسوس السابق ألكسندر ليتفيننكو. وتزعم وسائل الإعلام هذه ان السلطات الروسية تضيق على المستثمرين الأجانب».

ووصف تعقب الأخبار والوقائع المحرجة، والمخالفة المزاعم الرسمية، بـ «حرب إعلامية ساخنة، هو من مخلفات الحرب الباردة الصريحة النسب». وتبجحت «نوفوستي»، في الأسبوع الأخير من شباط، بضعف أثر معاهدتي «سالت-1» و «سالت –2» في القوة النووية والصاروخية الروسية، وفي تعاظمها وتوقعت ان تحمّل صواريخ «توبول»، حال انتهاء مفعول «سالت-1»، رؤؤساً متعددة ومستقلة الأهداف. وتطمئن قراءها الى ان حيازة روسيا، في السنوات الآتية، صواريخ أقل، «فنوعها أرقى، وتتمتع بالقوة على اختراق منظومات الدفاع المضاد للصواريخ، اليوم وغداً» وفي الأسبوع نفسه، كان الجنرال هنري اوبرينغ، مدير الوكالة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ، يقول ان روسيا تملك مئات الصواريخ وآلاف الرؤوس النووية، «وعليه، فنظام الاعتراض الأميركي (بتشيكيا وبولند) ليس مصمماً للجم تهديد روسي. فهذا يفوق طاقة النظام الأميركي على الاستيعاب».

وتناول يفغيني بريماكوف، رئيس الوزراء وزير الخارجية سابقاً، المسألة على وجه الديبلوماسية والعلاقات الدولية. فنبه الأوروبيين الى ان نشر عناصر الجهاز المضاد للصواريخ هو فعل الولايات المتحدة الأميركية، ولا يد للأطلسي فيه، ولا تملك دولة «حق المشاركة في اتخاذ قرار السلم والحرب، إذا تردت الأحوال» والتحريض على الانفراد الأميركي رفد التذرع بالإخلال بموازين القوى، وبحصار روسيا، بحجة سياسية عانت من أسلحة الحرب الباردة الراجحة وهي تأليب قوى الخصم (أو «العدو») المتحالفة بعضها على بعض وطوال 2007، لم تنفك الآراء السياسية الروسية تترجح بين التحريض والتعاون المتحفظ.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat