السياسة الأميركية ومسارحها البارزة في مرايا الأسئلة والشكوك والمحاسبات وإعادة النظر

 

 

ترك عام 2006 المنصرم الى تاليه، 2007، في أيامه أو أسابيعه الأولى، إرثاً ثقيلاً بدا ان السياسات الأميركية، سواء الخارجية أو الداخلية، قد لا تقوى على النهوض به، فأخلت الغالبية الجمهورية الراجحة، في مجلسي الكونغرس، محلاً لغالبية ديموقراطية، في الانتخابات العامة النصفية واضطر الرئيس الجمهوري الى التخلي عن أقرب مساعديه، وأولهم وزير الدفاع السابق، دونالد رامسفيلد.

وحل مدير وكالة الاستخبارات المركزية، غيتس، محل هذا في وزارة الدفاع. وهي وزارة محورية في «الحرب (العامة) على الارهاب»، ومسارحها الكثيرة والمتفرقة. وبينما كانت حكومة نوري المالكي، العراقية، تعاني منذ نحو السنة مواجهات طائفية، سنية وشيعية، دامية وقاسية، قضت المحكمة الخاصة العراقية بإعدام صدام حسين، الديكتاتور والرئيس السابق، شنقاً في اليوم الأول من عيد الأضحى.

وأعلن الرئيس الأميركي، غداة تقرير بايكر- هاملتون الذي اتفق صدوره مع انحسار قوة الجمهوريين الانتخابية، ودعا (التقرير) الى تعجيل انسحاب شامل من العراق في موعد يضرب منذ اليوم (يومها). والى مفاوضة دول الجوار وأولها ايران وسورية، أعلن جورج بوش عزمه على «استجابة» طلب القيادة الميدانية، وإرسال 20 ألف جندي أميركي الى 30 ألفاً، الى الميدان، وسوغ اجراءه هذا بضرورة الحؤول دون اندلاع حرب مذهبية وقومية لن تبقى، اذا اندلعت وانتشرت، داخل الحدود العراقية الوطنية، وأدت ذيول السياسة الإيرانية النووية والإقليمية، على حسبان بوش ومعظم فريقه، الى انفجار حرب «حزب الله» (لبنان) واسرائيل في أوائل الصيف ودامت الحرب نحو خمسة أسابيع، وأحرجت الدولة والجيش الإسرائيليين، وزعزعت حكومة فؤاد السنيورة و14 آذار (مارس)، وآذنت بظهور حليف قوي «حماس» الفلسطينية والمستقلة، على الجبهة الإسرائيلية الشمالية. فزاد الأمر الحال العراقية تعقيداً وارباكاً. ولم تر واشنطن خيراً في مهاجمة القوات الأثيوبية، حليفتها، «المحاكم الإسلامية» بالصومال.

ولم يقتصر الأمر على الشرق الأوسط طبعاً. ففي الجوار الروسي استفز الإعلان الأميركي عن مفاوضات بين واشنطن، وبين تشيكيا وبولندا، على نصب الأولى عناصر من درع مضادة للصواريخ الإيرانية والكورية الشمالية البالستية، على بعد 50 - 250 كلم من حدود روسيا الاتحادية، حفيظة بوتين وفريقه فثارت، معاً، مشكلات سياسة موسكو النفطية والغازية بأوكرانيا وليتوانيا وبيلاروسيا والقوقاز وحوض بحر قزوين، الى أوروبا الغربية والوسطى والبلقان، وردت موسكو بالتنديد بتوسيع حلف شمال الأطلسي. وحملت على توسع الاتحاد الأوروبي وضمه جمهوريات البلطيق ورومانيا وطعنت في إحجام الهيئات الدستورية الأميركية عن إبرام معاهدات تنظم الإشراف على التسلح التقليدي والنووي. ولوحت بالدفاع عن وحدة الأراضي الصربية، على رغم توقع أهل كوسوفو الاستقلال، والانضمام الى أوروبا ونية اقدام بكين على تفجير قمر اصطناعي في سمائها، بعد تعميتها باللايزر قمراً أميركياً يجتاز فضاءها، الى عزم الصين، القوة الصناعية الناشئة والناهضة، على تقييد السياسة الأميركية بتايوان، وفي الشرق الأقصى (اليابان وكوريا).

ومهدت مقالات صحافية وقعها كبار المسؤولين السابقين أو الحاليين بواشنطن وموسكو والاتحاد الأوروبي، لمناقشة عريضة ومستفيضة مدارها على «قيادة» العالم، واحتياجاتها، وعلى أطوار الحرب الجديدة، والسلاح النووي، والإرهاب، والقضايا الاقليمية الكبيرة والمتشابكة فلخص دونالد رامسفيلد، ولما تنقضي أسابيع قليلة على تركه منصبه الراجح، مذهبه في الحرب على الإرهاب. فقال ان الولايات المتحدة غير مخيرة خسارة هذه الحرب، وعليها الانتصار فيها وذهب الى انها «حرب غير واضحة»، وتشبه الحرب الباردة التي دامت 50 عاماً، ولم تنجل عن انتصار الغرب إلا حين طويت، وآذنت بانهيار الخصم، فالإرهاب عدو خفي وغير معلن، ويتوسل بآخر التقنيات الإلكترونية والإعلامية، ولا ينفك يتغير ويتطور. ويضبط انتشار الجماعات الإرهابية «الجهادية» في بلدان غير منخرطة في الحرب، ولا شأن لها بها، بالقوات الأميركية الى محاربة الجماعات هذه في بلدان ليست مسرح حرب. وبدا هذا رداً على اقتراح لجنة بايكر – هاملتون مفاوضة طهران ودمشق، وانكارها ربما نشأة مسارح جانبية لا يسع القوات الأميركية، إهمالها، أو الاقتصار على معالجتها سياسياً، ولكن رامسفيلد، من وجه آخر، ينتقد مباشرة قرار رئيسه زيادة عدد القوات بالعراق، فيلاحظ ان زيادة مثل هذه تغذي مزاعم العدو في إرادة الولايات المتحدة مناوءة الإسلام، والسطو على النفط، واحتلال البلد، ويتوقع أن تؤدي الزيادة الى تكتل العراقيين تحت «لواء الأصوليين»، والى توكل الحكومة المحلية على القوات وتبعيتها، وربما نجم «تمرد عام» عن الزيادة، واضطراب «منزلي» أميركي، باكورته هي نتائج الانتخابات النصفية. ورأى مستشار الأمن القومي في ولاية جيمي كارتر (1977 – 1980)، زبيغنيو بريجينسكي، في الأسبوع الثاني من الشهر الأول، ان مبادرة جورج بوش الأخيرة «حيلة سياسية ترتب عليها نتائج تكتيكية محدودة». وتمهد المبادرة الى أحد أمرين: إما «لوم» الحكومة العراقية على تقصيرها و «الهرب»، وتهاوي قطع «الدومينو» الاقليمية، على ما توقع الرئيس نفسه، وإما توسيع رقعة الصراع، ومهاجمة ايران أو سورية، على ما يحض المحافظون الجدد جورج بوش (الابن). وكرر المستشار السابق نصائح تقرير اللجنة المختلطة، تنسيق أميركي – عراقي، وتحديد موعد الانسحاب الأميركي، اشراك جيران العراق في مفاوضة جدية على الأمن، أي ايران وسورية في المرتبة الأولى. وانتهى بريجينسكي الى ان السياسة الأميركية تحاكي السياسات الاستعمارية حين ولّى زمن الاستعمار وانصرم». وهذا «عيب قاتل».

وأجمعت تعليقات ايرانية وروسية على رأي واحد قريب من هذا الرأي، فلم يشك محرر «سياسة روز» (المحافظة) في اليوم الأول من العام (الميلادي) الجديد، في أن الشرق الأوسط هو «ساحة المعركة النهائية»: فأميركا تواجه «أزمات داخلية»، و «الوعي الإسلامي» في الشرق الأوسط «الكبير» ينتشر، وبلغ عداء أميركا 85 في المئة، وتنوي أميركا القضاء على الدول العربية المحافظة والمؤيدة لهما، حال استقرار العراق، ولا يشك المحرر في أن الهزيمة الوشيكة هي «فاتحة» هزائم آتية، وشخص محرر «كيهان»، في منتصف الشهر الأول من السنة الجديدة، في إيلاء بوش السياسة الأمنية محل الصدارة إقرار بـ «الهزيمة» أو بـ «بدايتها»: فزلماي خليل زاد نفى، على قول الصحيفة، «نقل أمن بغداد» الى القوات العراقية، وبعض دول الجوار عارضت الخطة الأمنية الجديدة (وما قد يترتب عليها من دور شيعي غالب)، والنفوذ الإيراني يطاول «90 في المئة على الأقل من الشعب العراقي». وكتب محرر «أر بي كاديللي» الروسية أن تعزيز واشنطن قواتها في العراق «خدعة بصرية»، الغرض منها الإيهام بأن العمليات «أرست الاستقرار». ويتوقع المحرر أن تنقل «فصائل المقاومة» العراقية عملياتها الى أماكن خارج بغداد. ويترتب على هذا اندلاع «حرب أهلية شاملة» لا يشك محرر الصحيفة في رغبة السياسة الأميركية في اندلاعها، وبلوغ الحرب هذه دول الجوار العراقي. ودليله أو برهانه هو إعدام صدام حسين «في حضور مقاتلين شيعة»، وزج الجيش العراقي الشيعي في الحرب على «الأهالي السنّة»، واستدراج دول المنطقة السنية الى مناصرة اخوانهم. ولن تقف ايران موقف المتفرج. وتوقع ان تحمل تركيا على التدخل. وعلى خلاف منزع بدا عاماً في أوائل 2007، الى توقع تداعيات عراقية ثقيلة على التعثر الأميركي بالعراق ليس أقلها الحرب الأهلية العامة، وانفجار الشرق الأوسط، ذهب معلق فرنسي بارز، الكسندر ادْلر، في صحيفة «لوفيغارو» الى ان في وسع واشنطن بعد الخروج من العراق مرفوعة الرأس. فالشيعة العراقيون قد يخسرون الحكم اذا رحلت القوات الأميركية، فجأة. وتفوقهم العددي ليس حاسماً، فالنخب العسكرية والبوليسية سنية، تقليدياً. وثمة دون انخراط ايران في العراق معوقات كثيرة أولها خسارتها التعاطف معها في الشارع المناوئ لأميركا، وثانيها ترجيح غرق القوات الإيرانية في رمال أهلية متحركة. ويتهدد سورية، اذا هي التزمت جانب الجماعات السنية «الجهادية»، نشوء «شبه دولة سنية وأصولية على حدودها الشرقية». ولا يرى معلق الصحيفة الفرنسية استحالة نشوء حلف اقليمي بين معتدلي السنّة ومعتدلي الشيعة في ايران نفسها. ورعاية مصالح القوتين المحليتين المشتركة ليست مقدمة للديموقراطية، على خلافات زعم بوش وارادته ورغبته، ولكنها تمهد الطريق الى جلاء أميركي مشرف، على رغم «أنصار السلم» الأميركيين و «المحترفين» من أمثال ناسي بيلوسي.

وفي إطار تقويم سياسة واشنطن الدولية تقويماً جديداً وعاماً، دعا يوشكا فيشر، وزير خارجية المانيا السابق ونائب المستشار (غيرهارد شرودر)، الأميركيين الى الاقرار «بأنهم خسروا الحرب في العراق». وقال ان هذه الخسارة هي «الحادثة البارزة» العام المنصرم. وعزا ذلك الى منزع القوة العظمى «الانفرادي والأحادي». والمشكلة، على ما يراها فيشر، هي ان «لا الصين ولا أوروبا، ولا الهند، ولا روسيا» تملك القوة والإقبال على تولي قيادة العالم على النحو الذي تولته الولايات المتحدة غداة 1945. «فالأمم المتحدة، وحلف شمال الأطلسي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والقانون (الحق) الدولي العام، والمحكمة الجزائية الدولية، وأوروبا الحرة والموحدة نفسها، انما هي ثمرات السياسة الخارجية الأميركية». وعلى هذا، ينبغي ألا تنفرد الولايات المتحدة، اليوم، بمعالجة مشكلات الشرق الأوسط وكوريا الشمالية ودارفور وأفريقيا الوسطى والشرقية والقوقاز، ويصدق هذا في النمو الشامل والطاقة واستغلال الموارد الطبيعية وتغير المناخ وانتشار السلاح النووي ومراقبة التسلح والإرهاب. فمن غير شراكة تثقل هذه القضايا على القوى الدولية الكبيرة. ومن غير دور راجح تضطلع به الولايات المتحدة لن يتصدى أحد للاضطلاع به، ولا طاقة لأحد على الاضطلاع به، على ما يحسب حليف شرودر «الأخضر» والسابق. وعلى وجه آخر، يقترح أحد معلقي «تايم» الأميركية، في مطلع الشهر الثاني من السنة، استلهام انجاز الولايات المتحدة هيئات مشتركة غداة الحرب الثانية، مثل البنك الدولي ومعاهدة حلف شمال الأطلسي وخطة مارشال، في الشرق الأوسط، ومواجهة خطر «الجهاديين» على نحو مواجهة انتشار الشيوعية السوفياتية. ويقتضي هذا، على قول الكاتب، «حلفاً عسكرياً واستخباراتياً وبوليسياً ودفاعياً مشتركاً بين الغرب والأنظمة العربية المعتدلة»، وشرط الحلف هذا بديهة «اتفاق سلام اسرائيلي – فلسطيني، وجلاء اسرائيل عن الضفة الغربية، وتطبيع العلاقات بين اسرائيل والدول العربية، على ما نصت مبادرة السلام العربية في 2002». ويندد سيرغي لافروف، وزير خارجية روسيا، بالـ «حلول الأحادية» (الأميركية)، واستخدام القوة في حل المشكلات الدولية، و «تفاقم الخلل في العلاقات الدولية» وهذه كلها أعراض يعزوها الوزير الروسي الى السياسة الأميركية.

ورأى وزراء خارجية ودفاع أميركيون سابقون وبارزون، جورج شولتز ووليم بيري وهنري كيسينجر وسام نان، في الأسبوع الأول من السنة الجديدة (في «وول ستريت جورنال»)، أن قواعد الردع النووي التي سادت الحرب الباردة بطلت، ولم تبق صالحة. فالأسلحة النووية، في ضوء تجارب كوريا الشمالية وتخصيب طهران اليورانيوم، قرينة على ان الردع الأميركي – السوفياتي المتبادل راح الى غير رجعة. وذلك أن «الدول النووية الطارئة»، على قول الوزراء الأميركيين، «لا تملك الخبرة المتراكمة التي اتاحتها الحرب الباردة، ومكنت أطرافها من تفادي الحوادث النووية أو إساءة التقدير أو ابتداء التجارب من غير إخطار سابق». ولعل معاهدة الحد من الانتشار (النووي) هي أكثر المعاهدات والاتفاقيات تعرضاً للامتحان والانتهاك. ويقترح الوزراء السابقون، في ضوء المشكلتين الكورية الشمالية والإيرانية، اجراءات ترمي الى ارساء ثقة الدول غير النووية بالدول النووية على ركن قوي، يعدد الوزراء السابقون منها: ترك استعراض الأسلحة النووية وتعظيم التخويف منها، وتقليل حجم القوة النووية في حوزة الدول، ونزع السلاح النووي القصير المدى والمصمم للاستعمال السريع، تأمين اليورانيوم المخصب والمستعمل من مفاعلات الطاقة بأسعار معقولة من مجموعة التزويد والوكالة الدولية، تشجيع انتاج المواد الأحفورية، حل المنازعات الاقليمية التي تخلف قوى نووية جديدة.

وقد يكون مثال المنازعات الاقليمية التي تخلف قوى تنزع الى دخول نادي الدول النووية «الطارئة»، النزاع الفلسطيني والنزاع العراقي. ويأخذ معلقون كثر على الإدارة الأميركية انصرافها عن معالجة النزاع الأول واهماله، ويعزو بعضهم، مثل روبرت مالي (مستشار سابق للرئيس كلينتون) وهنري سيغمان (معلق صحافي معروف ومسموع الكلمة)، الى الانصراف والاهمال هذين استيلاء «حماس» على السلطة بغزة، وضعف محمود عباس في الضفة الغربية. وينسب المعلقان الى «حماس» الرغبة في بسط سيادتها على غزة، وادارة دفة الحكم من غير حصار دولي ولا عمليات اسرائيلية، ومعالجة الشؤون اليومية، الإدارية والاقتصادية والأمنية، مع اسرائيل. ولا ترى «حماس»، على قول مالي وسيغمان، ضيراً في مفاوضة محمود عباس، ومنظمة التحرير، الدولة العبرية، وعرض الاتفاق على استفتاء شعبي فلسطيني، وهذا برنامج رئيس السلطة الفلسطينية. ويشك الكاتبان في نهوض الإدارة الأميركية، في السنتين الأخيرتين من ولاية بوش الثانية، الى ما لم تنهض إليه في الأعوام الستة الخالية. ويذهب معلقون اسرائيليون مثل دوري غولد (سفير اسرائيل الدائم سابقاً الى الأمم المتحدة) وموشي يعالون (رئيس أركان قيادة الجيش الإسرائيلي سابقاً)، الى فك علاقة «الموجة الإسلامية المتطرفة» بالنزاع العربي - الإسرائيلي. فيذهب الأول الى ان تعاظم ثقل «الإسلام السياسي» مرده الى حادثتين: الثورة الخمينية بإيران في (1979) وهزيمة الاتحاد السوفياتي بأفغانستان (في 1989)، والى علاقتهما الواحدة بالأخرى. فإصرار ايران على الهيمنة على الشرق الأوسط من طريق جماعات شيعية، وأخرى سنية (السودان سابقاً و «حماس» اليوم)، هو السبب العميق في الاضطراب الاقليمي، وفي خوف بعضهم من «هلال شيعي». ويكتب الثاني أن تجنب «مجابهة النظام الإيراني» لن يؤدي الى الاستقرار لا في العراق، ولا في لبنان، ولا بأراضي السلطة الفلسطينية. والمنازعة السنية – الشيعية في الشرق الأوسط أظهرت «مصالح مشتركة وجامعة بين اسرائيل والغرب، وبين المعتدلين في مواجهة الإسلام السياسي المتشدد». وهذا «قد يشق الطريق الى فرص سياسية جديدة، ويقتضي تنسيقاً بين الدول التي يقلقها الخطر الإيراني»، على قول يعالون، «وعلى الغرب الاضطلاع بمساعدة المعتدلين وبلورة قوتهم السياسية».

وهذه الأفكار المختلفة، وتراها جماعات «الضغط» وفرق كبار الموظفين في الوزارات المعنية متناقضة، شقت طريقها معاً على رغم اختلافها أو تناقضها. وإذا لم تعمل الإدارة الأميركية، أو السياسات الأوروبية بمقترحات مالي وسيغمان والعنصر البارز فيها هو ترك إقصاء «حماس» وحصارها، والإقرار برغبة الحركة الإسلامية (المفترضة) في حكم غزة على نحو يزكي جدارتها بقيادة بناء دولة فلسطينية – فهي عادت، في أواخر 2007، الى إيلاء المسألة الفلسطينية اهتماماً بارزاً، كان انعقاد مؤتمر أنابوليس القرينة القوية عليه. ولكن الخارجية الأميركية لم تذهب، على خلاف دعوات اسرائيلية بارزة مثل دعوتي دوري غولد وموشي يعالون، الى أن التصدي لإرادة إيران الخمينية المسيطرة على «هلال» مختلط، شيعي وسنّي، تتغلغل بعض شطوره في بعض أكثر ضواحي الخليج غنى بالنفط، يضمن وحده لحمة عربية وغربية قوية. فمثل هذا التصدي عامل من عوامل التقريب بين الكتلتين والمصلحتين، وقد يعضد مفاوضات هادفة وغير متشنجة، ولكنه لا يحل محل معالجة مستقلة لانضواء الفلسطينيين في كيان سياسي وطني. وجاء «اتفاق مكة» بين رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، ورئيس الحكومة، اسماعيل هنية، خطوة على طريق البحث عن تسوية فلسطينية داخلية. والمقدمة التي يبني عليها المراقبون والمعلقون توقعها ثم تكاد تكون واحدة: «فكلا (حماس) و (فتح) يحتاج الى هدنة، وترسيخ سلطتيهما، والحصول على المساعدات، وتنظيم صفوفها»، على ما كتب رون بن يشاي. والحق انه ليس بين «الاحتياجات» هذه، تثبيت هوية القوة السياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية، وتسويغ الفرق بينها وبين القوة (أو القوى) الأخرى. وهذا العامل غالباً ما يقود، في إطار صراع أهلي وأيديولوجي حاد، الى إضعاف الاعتبارات المصلحية وطيها. وتنبيه المعلقين وبعض السياسيين الى البعد الداخلي للأزمات الأهلية والوطنية الحادة، و «دعوتهم» الى معالجته، مثل دعوة صحيفة «دون» الباكستانية الى إنصاف الباشتون جواباً عن تردي أحوال أفغانستان أو دعوة «دايلي نايشن» الكينية الى معالجة النزاع الصومالي من غير طريق التدخل الأثيوبي، لا غبار عليها، ولكن مساكلها العملية ضيقة، وحين أيد هنري كيسينجر، في تشرين الأول (اكتوبر) انعقاد اجتماع أنابوليس، لم يغفل المصالح الداخلية من الحساب، ولكنه ربطها ربطاً محكماً بمسألة الهويات: فشأن تفشي الجماعات «الجهادية»، ونشأة بيئة أمنية مضطربة، وتفاقم التحدي السكاني، والانتشار النووي في الشرق الأوسط، أن تهدد كيان إسرائيل وليس مصالحها الجزئية وحدها. وأما الخوف من إيران، فقد يؤدي، وهو أدى فعلاً، الى ترتيب الأولويات الاستراتيجية على نحو مختلف، والى تلاقي القلق الأميركي والعربي والأوروبي والاسرائيلي. ولكن انجاز اتفاق تحت وطأة القلق هذا قد يضعف السياسات المعتدلة التي أنجزته. وينصح وزير الخارجية سابقاً بـ «مراعاة هوية الأطراف (...) وطاقتها في الظروف الدقيقة التي تحف أفعالها».

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat