شبكة الأصدقـاء تقـود الصيـن

 

 

جوناثان آنسفيلد

 

 

النزاعات السياسية الداخلية في الحزب، والعلاقات عبر مضيق تايوان، والجشع القديم، مازالت لها اليد الطولى ضد كل شيء آخر في بكين

المواقف السياسية الصينية ليست غالبا كما تبدو عليه، والانقلاب الحديث الذي قام به مواطنو ميناء زيامين مثال واضح على هذا. ففي أواخر شهر مايو الماضي، أمر رئيس الوزراء وين جيابو مسؤولي المدينة بتجميد بناء منشأة صناعية كان من المقرر لها أن تنتج مادة بيه أكس، وهي مادة كيميائية سامة تستخدم في صناعة البلاستيك والبوليستر، بعد أن أثار الأكاديميون والصحافيون القلق بشأن سلامة إنشائها في المنطقة. وسرعان ما اندلعت مسيرات شعبية عارمة. وفي الأسبوع الماضي، أشارت المراجعة العلمية و"المستقلة" التي طال انتظارها إلى أنه ينبغي استئناف البناء في المنشأة فقط إذا ضمنت المدينة الحد من التلوث الناتج منها والتزمت بعدم إقامة المباني السكنية في المنطقة التي تقام فيها المنشأة.

وبدا أنه تم الإصغاء إلى دواعي قلق الناس العاديين. ولكن الحقيقة، وحسب مصادر إعلامية محلية، فإن الأوامر بمواصلة البناء في المنشأة التي كانت قد جاءت قبل ذلك بشهرين لم تأت إلا من رئيس الحزب الشيوعي نفسه هوو جنتاو. ولم تكن العوامل البيئية جزءا من المرسوم الذي وجهه بمواصلة البناء في المنشأة. وبدلا من ذلك، فإن العامل الرئيسي كان الشركة صاحبة المنشأة، وهي شركة "زيانغلو آند دراغون غروب" التايوانية، التي تترأسها شخصية منافسة للنظام ذي النزعة الاستقلالية في تايبيه (وهاربة منه). بكين، التي ما زالت تعتبر تايوان إقليميا صينيا مشاكسا، ترى في أي خصم للرئيس التايواني تشن شوي بيان صديقا لها وقد اتخذ هوو قراره من أجل تعزيز العلاقات "عبر المضيق" و"المصالح التجارية التايوانية"، كما قالت المصادر الإعلامية، التي استشهدت بتعليمات رسمية مكتوبة.

هذه القضية تبرز حال النزاع المتزايد الشيوع في الصين هذه الأيام. ففي أحد طرفيه تقف مجموعة من المثقفين الذين انتظموا في شبكة علاقات جديدة أخيرا وعدد من الناشطين الإعلاميين والمواطنين» وفي الجهة المقابلة يقف العالم المغلق الأبواب المتمثل في علاقات المستثمرين الحزبيين. ورغم كل الحديث عن تمكين المواطنين الصينيين العاديين، فإن القوة ما زالت في يد الغوانزي ـــ شبكات الأصدقاء القديمة ـــ ومصالح الحزب الخاصة التي تتحكم في كل شيء في العادة.

وهذا يصح بصورة خاصة على الشركات مثل زيانغلو آند دراغون غروب التي يعتبر رئيسها عدوا للرئيس التايواني. وفي مثل هذه الحالات فإن الصين تكون فرحة للمساعدة على كبت الانتقادات الخاصة بالبيئة وغيرها من الانتهاكات. وقال أحد صحافيي الدولة في زيامن إن "القادة القوميين يصغون جيدا لما يقوله الناس هنا. ولكن خلفية العمل التجاري التايواني كانت عاملا كبيرا جدا".

وقد كانت عاملا كبيرا جدا بحيث طمست حقيقة أن رئيس شركة زيانغلو آند دراغون غروب، تشن يو هاو، هو شخص هارب من العدالة في بلاده. وكان هاو قد بدأ ببناء أول مصانع شركته في الصين عام 1992. ولكن فيما شهدت تجارته في الصين الازدهار، انهارت أرصدته التجارية في تايوان، وفي عام 2003 وجهت إليه السلطات التايوانية تهم الحنث بالثقة لقيامه بابتزاز مبلغ 126 مليون دولار من شركاته التايوانية. وقد وضعته تايوان على قائمة أكثر المجرمين المطلوبين للعدالة» ولكن بكين ردت على ذلك بمنحه جواز سفرها. تشن ينفي هذه التهم وهو يعيش الآن متنقلا بين بكين ولوس أنجلوس.

وقد نمت هذه الخصومة خلال انتخابات عام 2004 الرئاسية في تايوان حين اتهم تشن شوي بيان وزوجته ومساعديهما بتلقي الرشاوى خلال حملات انتخابية سابقة، وهي رشاوى يقول رجل الأعمال التايواني إنه قدمها بنفسه للزوجين (سجلات الحزب تصفه بأنه متبرع قانوني). مكتب الرئيس التايواني، الذي أعيد انتخابه بفارق بسيط في الأصوات، يلوم بكين على هذه التهم. وفي الشهر نفسه حصل تشن يو هاو على رخصته لبناء مصنع البي أكس في زيامن، وهي أول رخصة من نوعها لشركة أجنبية بالكامل.

وقد حصل هذا بالرغم من أن مصانع تشن الأخرى في زيامن فرضت عليها غرامات بسبب انتهاكات متكررة لناحية الانبعاثات، وهي نقطة تمت الإشارة إليها في التقييم الجديد. ويقول سكان يونكو إنهم اشتكوا لسنوات طويلة للمسؤولين من الأبخرة العادمة والتسربات والرائحة الكريهة المنبعثة من مادة الخل الصادرة عن مصنع قريب تابع لشركة زيانغلو. وبدأ الخلاف حول مصنع بيه أكس حين نظم زاو يوفين من جامعة زيامن عريضة احتجاج وجهها لبكين وحذر فيها من طائفة من الأخطار المحتملة من بناء مثل هذا المصنع، بما في ذلك التسربات والانفجارات وتزايد مخاطر حصول حالات السرطان والتشوهات الخلقية لدى المواليد الجدد. لكن المسؤولين عن مشروع المنشأة الكيميائية ردوا بأن المنشأة آمنة ونفوا أن يكون هناك أي استعمال للواسطة من قبل تشن، وهو الذي يعتبر من الناحية الرسمية "مستشارا" للشركة لا أكثر. وقاموا أخيرا برفع قضية تشهير ضد زهاو وزميل له واتهموها بالمبالغة في الأضرار التي يمكن أن تحصل. وقال أحد مسؤولي الشركة: "نأمل أن يؤدي هذا إلى توضيح الأمر".

هناك أسباب مالية جيدة تدفع السلطات الصينية إلى الموافقة على المشروع يتفاخر المسؤولون المحليون بأن المشروع سيؤدي إلى مضاعفة الناتج القومي الإجمالي لزيامن. وفي ضوء أن موعد الانتخابات الرئاسية في تايبيه بات قريبا، وهو مارس المقبل، فإن دواعي القلق السياسية ربما كانت هي العوامل الأهم. فبكين تعامل كل شيء يتعلق بتايوان بمنتهى الحذر، كما يقول زانغ وينشنغ من جامعة زيامن. بل إنها مدت يدها إلى حزب المعارضة في تايوان، حزب الكومنتانغ، الذي كان تشن متبرعا رئيسيا له.

القرار النهائي بشأن البدء في بناء مشروع مصنع بيه أكس يمكن أن يأتي خلال أسابيع، هذا إذا لم يحصل أي رد فعل شعبي كبير. ومع ذلك، فإن المدينة لا تريد ترك أي شيء للحظ والمصادفة. فقد قامت باعتقال نحو 10 محتجين وفرضت القيود على عدد من منابر الإنترنت التي تقوم بتناول الموضوع. ليان يو، وهو مدون بارز، تساءل أخيرا عن كيف يمكن لتشن أن "يرد الخير بالشر" بعد أن "منحه شعب زيامن فرصة إعادة بناء ثروته". والجواب هو أن بكين، وليس السكان المحليون أو الناشطون البيئيون، هي التي ستقرر فرص تشن في الصين.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newsweek