كيف يدعم الآخرون التعليم العالمي؟..."إتاحة النجاح" لفقراء أميركا

 

سنايسي تيتشر كادرو

 

 

لم تعد المشاكل المرتبطة بالتعليم العالي في أميركا مجهولة لدى الأكاديميين، أو المسؤولين عن تطوير القطاع التعليمي، فهي تتركز جلها تقريباً على ارتفاع رسوم الدراسة الجامعية، وعدم قدرة محدودي الدخل على مواصلة دراستهم العليا، فضلا عن فشل العديد من الطلبة في التخرج والحصول على الشهادة النهائية. وفي محاولة للخروج بحلول فعالة يبذل رؤساء 19 جامعة حكومية في أميركا جهوداً مشتركة لضمان انسجام الخطاب حول التنوع وتطوير التعليم مع واقع السياسات التعليمية في الولايات المتحدة التي مازالت -حسب المراقبين- تعاني من اختلالات عميقة.

وتكتسي الجهود التي انخرطت فيها الجامعات الأميركية التسعة عشر، أهمية قصوى بالنظر إلى متطلبات التنافسية في السوق الدولية والتعامل مع التكاليف المتزايدة لشريحة كبيرة من المسنين. وفي هذا الإطار أعلنت الجمعية الوطنية لرؤساء الجامعات في أميركا إطلاق مبادرة جديدة تدعى "إتاحة النجاح" في 31 أكتوبر الماضي، تهدف إلى تحسين ظروف التعليم الجامعي، وفتح المنافسة في وجه الطلبة ذوي الدخل المحدود، أو المنحدرين من الأقليات العرقية. ويبقى الهدف النهائي من المبادرة هو ردم الهوة بين تلك الشريحة من الطلبة وبين غيرهم الأكثر حظاً إلى النصف، أو أكثر في أفق 2015.

وستشرع الجامعات التسعة العشر المشاركة في المبادرة بجمع البيانات لقياس التقدم المحرز، وفي هذا الصدد يقول "روس فينر"، نائب رئيس إحدى المؤسسات غير الربحية المهتمة بالتعليم العالي، حول المبادرة التي أطلقتها الجامعات الأميركية "إنهم سينشرون المعلومات حتى يتسنى فتح نقاش حول مشاكل التعليم العالي والالتزام بالشفافية"؛ ويشار إلى أن المبادرة تساندها مؤسسات خيرية، ويعكس هذا الاهتمام المتزايد في الولايات المتحدة بتوفير فرص أكثر للطبقات الفقيرة لولوج التعليم العالي والحصول على شهادات جامعية، ليس فقط الرغبة في إطلاق إمكانات الأفراد، بل أيضا تعزيز التنافسية الأميركية على الصعيد العالمي، وتكشف الدراسات الديموجرافية عن وجود ارتفاع ملحوظ في عدد الطلبة الملتحقين بالجامعات من ذوي الدخل المنخفض، أو المنتمين إلى الأقليات.

ويؤكد هذا التوجه الجديد لدى الجامعات الأميركية "ويليام دويل" -الأستاذ المساعد بجامعة "فاندربيلت" بناشفيل- قائلا: "لقد أصبح التركيز اليوم في الجامعات الأميركية على الطلبة الأقل حظاً، الذين كانوا في الماضي محط تهميش ولا مبالاة". وبالإضافة إلى الرغبة في تعزيز القدرات الأميركية على الصعيد الدولي، بتمكين شرائح مهمة من الطلبة من خلال فتح أبواب الجامعات أمامهم، تبرز مسألة العدالة الاجتماعية التي يعبر عنها "توم ميريديث" - رئيس الجمعية الوطنية لرؤساء الجامعات في أميركا- بقوله: "لا يتعين حرمان الطلبة الموهوبين من فرصة التعليم العالي فقط، لأن دخلهم لا يسمح لهم بذلك". وتشير الإحصاءات التي أوردها تقرير صادر عن لجنة التعليم العالي بأميركا إلى أنه فقط 36 بالمائة من الطلبة المؤهلين في الجامعات من ذوي الدخل المحدود يستكملون الدراسة، ويحصلون على درجة البكالوريوس خلال ثماني سنوات ونصف السنة، مقارنة مع 81 بالمائة من الطلبة ذوي الدخل المرتفع.

وفيما ارتفعت نسبة التمويل الحكومي للمنح الجامعية على أساس الاستحقاق الأكاديمي إلى 300 بالمائة خلال الثلاثين سنة الأخيرة، لم ترتفع المساعدات المالية على أساس الاحتياج إلا بنسبة 70 بالمائة خلال الفترة ذاتها. ويشكل إعادة توجيه المساعدات المالية في مجال التعليم العالي أولوية ملحة ضمن مبادرة "إتاحة النجاح"، لا سيما بعدما أكد المنخرطون في المبادرة رغبتهم في السيطرة على أسعار الرسوم الجامعية ولأن الجامعات الحكومية لا تستطيع بمفردها إصلاح النظام التعليمي، يخطط العديد منها إلى التواصل مع جهات تربوية خاصة لتطوير قدرات المدرسين، وتعزيز جودة البرامج التعليمية التي يتلقاها الطلبة؛ ويعاني الطلبة أشد ما يعانون عندما يضطرون لإجراء اختبارات التقييم، أو القبول لتظهر الفجوة الشاسعة أحياناً بين التعليم الثانوي ومستوى التعليم الجامعي؛ وفيما يتمكن بعض الطلبة من مواكبة متطلبات التعليم الجامعي، واللحاق بالمستوى المطلوب، يعجز الآخرون عن المواكبة ما يضطرهم إلى مغادرة الجامعة.

ويقترح التربيون لمعالجة هذه الاختلالات تكثيف حصص التقوية داخل الجامعات، وتعزيز الإرشاد الأكاديمي في أفق الحد من التسرب الجامعي، ومن بين الجامعات التي تسعى إلى إصلاح نظامها التعليمي لإدماج أعداد أكبر من محدودي الدخل والطلبة المنتمين إلى الأقليات، تبرز جامعة "لويزيانا" التي تقول رئيستها "سالي كلوسون" إنها تريد تغيير الثقافة التعليمية في الجامعة. وقد شكلت كارثة "كاترينا" نقطة تحول بالنسبة لرئيسة جامعة "لويزيانا" بعدما لمست الصعوبات التي واجهتها الشرائح المجتمعية الهشة للوصول إلى المساعدات. وبدلا من اعتبار مسألة التسرب الجامعي مشكلة الطلبة لوحدهم، بدأت الأطر الأكاديمية تستشعر ضرورة تحمل جزء من المسؤولية والحرص على مساعدة الطلبة الذين يواجهون تلك المصاعب.

تستشهد "كلوسون" بتقرير يعود إلى 2006 يفيد بأنه لو حصلت الأقليات العرقية على نفس فرص التحصيل العلمي في الجامعات، وتقلصت فوارق الدخل مع البيض، لارتفع إجمالي الدخل الفردي في ولاية لويزيانا إلى 4.6 مليار دولار، وتضيف "كلوسون" أن الأمر أكثر من ذلك، لأنه يرتبط "بالديمقراطية في أميركا التي تدعي تمثيل المواطنين، لكنها تنسى الطلبة ذوي الدخل المحدود".

*عضو هيئة تحرير "كريستيان ساينس مونيتور"

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aletehad-14-11-2007