أطوار الموت السريري والحياة الجديدة تطيل العمر وتكثر العلل

 

 

قبل قرنين، لم يكن متوسط العمر في البلدان المتقدمة أعلى من المستوى الذي بلغه اليوم. ويعود الفضل في ارتفاع متوسط عمر الفرد في عالمنا الى «خداع الموت». ففي كل عام، يرتفع هذا المتوسط سنتين وشهرين و12 ساعة. ويتمتع المرء كل يوم بنحو خمس ساعات إضافية من الحياة وهذا ما لم يعرفه البشر من قبل.

فالبشر نجحوا في تأجيل الوفاة، وفي إبعاد شبح الموت الداهم. وعلى رغم بقاء البشر على قيد الحياة وقتاً أطول، لا يخلو البقاء على قيد الحياة من المشكلات فزيادة متوسط العمر باطراد لم يترافق مع تحسن مستويات الصحة والعافية. فالعمر يطول، ومعه تطول الحياة المعتلّة. فالأمراض التي كانت نادرة عندما كان البشر يموتون في عمر مبكر، أصبحت من نصيب المعمّرين. فنصف الذين يبلغون الثمانين من العمر يعانون الألزهايمر (ضعف وظائف الدماغ وفقدان القدرة على التذكر) ويصاب ربع من يتخطون عتبة هذه السن المتقدمة ويفلتون من المرض الرهيب، بإحباط خطير. وثلاثة أرباع من يتجاوزون العقد التاسع يعانون إعاقات متفرقة.

وقد يأمل عموم الناس في اكتشاف العلم والطب وسائل مداواة الأمراض والمشكلات تلك ولكن شفاء المرضى لا يؤاتي شركات العقاقير والأدوية فهي تميل الى بيع أدوية تحسن عوارض الأمراض، من غير أن تشفي المرض. فعلى خلاف المريض مرضاً مزمناً ولا يمسك عن الإنفاق على الدواء، يفترض شفاء المريض الكف عن شراء الدواء. وفي أيار (مايو) المقبل، يعقد أطباء أعصاب من مختلف أنحاء العالم لقاء في كوبا، ويسعون الى تعريف الموت تعريفاً عصرياً. فإلى منتصف القرن المنصرم، كان توقف القلب عن الخفقان يستوفي تعريف الميت وإثر اختراع أجهزة التنفس الاصطناعي، توصل الطب الى إنقاذ من يعاني فشلاً في القلب. فاستدعى الأمر تعريفاً جديداً للموت وبعد مناقشات كثيرة، اتفق على إعلان الوفاة عند توقف معظم وظائف الدماغ.

ومذ ذاك، توالت الأبحاث والاكتشافات. وثبت أن تضرر جزء صغير من الدماغ، على رغم سلامة بقية أجزائه، يكفي ليقع المصاب في غيبوبة دائمة. وفي بعض الأحوال، يصنف دماغ المريض هامداً، في حين يستمر نشاطه «متخلّفاً».

وقد «يترمم» الدماغ، جزئياً، من تلقاء ذاته وخلصت أبحاث حديثة الى إمكان مساعدة الدماغ في عملية الترميم الذاتي. وفي هذه الظروف، يصعب تأكيد الوفاة، أو الموت السريري، مثلما يصعب إبقاء المرضى أحياء الى ما لا نهاية. فتكلفة هذه العملية تبلغ أضعاف متوسط دخل الأسرة في الغرب وأبرز مثال على هذه الحالة هو حال آرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، الذي دخل في غيبوبة، ولا يزال حياً، بوسائل اصطناعية، منذ نيف وعام. وفرص تعافي شارون ضئيلة. ولكن إعلان وفاته هو شأن سياسي وعائلي وطبي.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:الحياة اللدنية-نقلا عن «نيوسيانتيست» البريطانية-7-11-2007