ذكور الصين··· قنبلة ديموغرافية موقوتة

 

 

مايكل فراجوسو

 

ظاهرة عرفتها روما القديمة

باتت الألعاب الأولمبية المقبلة قريبة جدا، ومثلما يستعد الرياضيون المؤهلون لهذا الحدث الرياضي الكبير بجدية، تسعى الصين جاهدة أيضا للرد على انتقادات معارضيها في الداخل مثلما في الخارج. من بين هذه الانتقادات الارتفاع غير الطبيعي في عدد الرجال الصينيين مقارنة مع النساء، وهو ما يستوجب تحركا من قبل بكين على وجه السرعة لتصحيح الضغوط الاجتماعية والقانونية التي تضافرت فأفضت إلى المشكلة الحالية.

الواقع أن تفضيل الأبناء الذكور مشكلة مترسخة ومنتشرة في الكثير من الثقافات، ففي مناطق كثيرة من العالم، يعد الابن الذكر أمرا مهما وأساسيا من أجل الرخاء المالي والاجتماعي للأسر في المستقبل، وقد سعت مقالات نشرت مؤخرا إلى تسليط الضوء على هذه المشكلة في الهند، محملة الجزء الأكبر من المسؤولية للأجهزة الطبية التي تستعمل للتعرف على جنس الطفل، ومن ثم اختيار الإجهاض في حال كان الجنين أنثى. غير أن المشكلة في الصين تكتسي نطاقا يبعث على القلق والخوف عندما يتضافر ''تفضيل الابن'' مع سياسة ''الطفل الوحيد'' الشهيرة؛ ذلك أنه حينما لا تسمح الحكومة سوى بطفل واحد، فإنها بذلك تمارس ضغوطا كبيرة على الآباء الصينيين لتحديد جنس أطفالهم في الرحم، وإنهاء الحمل حين يتبين أن الجنين أنثى.

بيد أن العواقب غير المقصودة لهذه السياسة الحكومية خطيرة جدا، ذلك أن نسبة ولادات الذكور مقارنة مع نسبة ولادات الإناث، أو نسبة النوع، ليست غير عادية فحسب، وإنما خطيرة وتبعث على القلق أيضا، فحسب الدورية الطبية المتخصصة الإنجليزية ''ذا لانسيت''، هناك 100 مليون فتاة ''ناقصة'' على صعيد العالم بسبب الإجهاض الذي يختاره الوالدان حين يكون الجنين أنثى، ويُعتقد أن خمسين مليونا من هؤلاء الفتيات من الصين. في الكثير من الأقاليم، تتراوح نسبة النوع خلال الولادة ما بين 120 و130 ذكرا لكل 100 أنثى؛ علما بأن العدد الطبيعي يقارب .104 وهو ما يثير السؤال التالي: ماذا سيحدث في العقود المقبلة عندما يكبر هؤلاء الأولاد ويبدؤون في البحث عن زوجات؟

من بين أمور أخرى، من شأن هذا الوضع أن يفاقم مشكلة التجارة في الجنس التي ما انفكت تتنامى، وهو ما سيؤثر من دون شك على الفقراء والمغلوبين على أمرهم في بلدان العالم النامي، في وقت تزداد فيه الصين غنى. أما التهديد الخطير الآخر، فيطال الاستقرار الإقليمي، والأمن الدولي بصفة عامة.

فمثلما كتبت ''فاليري هادسون'' و''أندريا دين بوار'' مؤخرا في كتابهما المشترك حول الديموغرافيا والأمن "Bare Branches" (أو الغصون المجردة)، فإن الفائض من السكان الذكور في منطقة ما يؤدي في كثير من الحالات إلى أعمال عنف -من خلال تشكيل العصابات أو القيام بأعمال الشغب وغيرها وعلاوة على ذلك، فإن التفاوت الكبير بين أعداد الإناث والذكور في الصين يعني أن ثمة الكثير من الرجال الذين لن يستطيعوا الزواج وبناء أسر.

وتأسيسا على ما سلف، يتعين على الصين أن تعمل على تجنب عمليات الإجهاض على أساس جنس المولود والإسراع بإصلاح التوازن بين الجنسين، ليس من أجل تلافي زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي فحسب، وإنما أيضا لأن النساء والرجال متساوون، فالحق الأساسي في الحياة موجود وينبغي أن يكون محفوظا بغض النظر عما إن كان المرء ذكرا أو أنثى. نأمل أن تكون وسائل تصحيح التوازن النوعي في الصين هادئة وفعالة، على غرار تلك التي تبنتها كوريا، التي عملت حكومتها وزعماؤها الثقافيون والدينيون معا على مدى سنوات على الإعلاء من شأن المرأة في ثقافتهم والتخلص من ثقافة ''تفضيل الابن''.

ولئن كانت الصين منخرطة حاليا في المراحل الأولى من جهود مماثلة، فإنها تستطيع دعم هذه الجهود من خلال تغيير سياستها؛ ولعل أفضل خطوة في هذا الاتجاه تتمثل في سن وفرض احترام قوانين تحظر الإجهاض استنادا إلى جنس المولود، وذلك عبر استهداف استعمال الأجهزة التي تكشف عن جنس الجنين.

وإضافة إلى ذلك، يمكن معالجة بعض مما يُعتقد أنها أسباب اقتصادية وراء تفضيل الآباء للابن في الصين عبر إدخال تعديلات على نظام الرفاه الاجتماعي؛ ولعل أهم طريقة لتحقيق التوازن في نسبة النوع والتأكيد على حقوق الفتيات الصينيات إنما تتمثل في التخلي عن قاعدة الطفل الوحيد المبغوضة.

تبين إحدى حكايات الماضي الغابر التأثير الكارثي لاختلال التوازن بين الذكور والإناث في المجتمع، فقد بدأت روما القديمة كملاذ للهاربين، فكانت تغص بالشباب وتفتقر إلى النساء، ومرة نظم ''روميلوس''، مؤسس روما، مهرجانا رياضيا وشجع ضيوفه على إحضار زوجاتهم وبناتهم. غير أن الرومان أقوياء البنية احتجزوا النساء الحاضرات في حدث عُرف بـ''اغتصاب نساء إيطاليا القديمة''.

وفي وقت تستعد فيه الصين لاستضافة العالم، ينبغي على هذا الأخير أن يوضح للحكومة الصينية مدى العواقب الكارثية لسياسة الابن الوحيد التي تعتمدها، وعواقب عمليات الإجهاض الناتجة عنها التي تتم استنادا إلى جنس المولود. دعونا نغتنم هذه الفرصة ونساعد الصينيين على التعلم من الماضي من أجل استقرار سياسي وتفادي كارثة ديموغرافية في المستقبل.

*محلل في مجلس بحوث الأسرة الأميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور-23-10-2007