التعاون النووي بين الهند وأميركا...على خطى إيباك اليهودية

 

ميرا كامدار

 

أشبه بانهيار حائط برلين وزيارة نيكسون للصين

ربما كان أكثر الكتب إثارة للجدل بين إصدارات هذا الخريف، كتاب ''اللوبي الصهيوني والسياسات الخارجية الأميركية'' لمؤلفيه أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو ''جون ميرشايمر'' بالاشتراك مع ''ستيفان والت'' أستاذ الإدارة في جامعة ''هارفرد''، اللذين حذرا من تمكن الجالية اليهودية الأميركية من بناء مجموعات ضغط قوية لها هناك، والتي تمكنت بالفعل من فرض نفوذها على صانعي السياسات والقرارات في واشنطن، بحيث تعلو مصالح إسرائيل على مصالح الولايات المتحدة الأميركية نفسها في السياسات الخارجية لواشنطن.

وبينما تبدو منظمة ''إيباك'' اليهودية الموالية لإسرائيل جهة متربصة بأميركا، فهي تبدو في نظر الجالية الهندية الأميركية مثالاً ملهماً لما يجب عليها القيام به؛ فبتزايد أعضاء هذه الجالية -مصحوباً بتنامي ثقة أعضائها بأنفسهم- نراها تحاول ترجمة إعجابها بنموذج الجالية اليهودية الأميركيـــة وما حققه من إنجـاز سياسي اقتصادي كبير، إلى تحولهــا هي نفسها -الجالية الهندية- إلى قوة اقتصادية اجتماعية سياسية كبرى داخل المجتمع الأميركي. وبالفعل فقد أفضى سيرها الحثيث على خطى ''إيباك'' إلى نتائج عملية ملموســـة لهــا في واشنطن؛ فقد تمكنت الجاليــة من ترك آثارها وبصماتها على رسم سياسات واشنطن الخاصة بالقارة الآسيوية، فضلاً عن تأثيرها على سياسات واشنطن المتعلقــة بمصير العالم بأسره.

لقد وصف ''رون سومرز'' -رئيس المجلس الاستثماري الأميركي الهندي هذا التأثير الذي تركته الجالية الهندية الأميركية على سياسات واشنطن بقوله: ''إنه لإنجاز كبير بحق، فهو أشبه بانهيار حائط برلين أو بزيارة نيكسون للصين''، والذي يشير إليه ''سومرز'' على وجه التحديد في تعليقه هذا، صفقة التعاون النووي بين الهند والولايات المتحدة الأميركية التي تعد معلماً تاريخياً فارقاَ في العلاقات الثنائية بين البلدين. وبموجب هذه الاتفاقية فإنه سوف يحق للهند الحصول على التكنولوجيا النووية الأميركية، بما فيها واردات الوقود النووي للمحطات النووية الهندية السلمية، في مقابل تعهد الهند بوضع هذه التكنولوجيا تحت الرقابة الدولية الدائمة.

بموجب نصوص الاتفاقية نفسها، فإنه سوف تستثنى الهند من تطبيق معاهدة حظر الانتشار النووي، وهي المعاهدة التي ظلت تعبر -على امتداد الحقب والعقود- عن تواصل الجهد الدولي المبذول في الحد من الانتشار النووي؛ تأتي هذه الخطوة بعد تسعة أعوام فحسب من العقوبات الأميركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأسبق ''بيل كلينتون'' على نيودلهي بسبب اختباراتها النووية الأولى التي أجرتها في عام 1998؛ بيد أن إدارة بوش وحرصاً منها على وضع رقيب إقليمي على تنامي التنين الصيني، فضلت إمالة كفـــة ميزان علاقاتها وتحالفاتها الإقليميـــة هنـــاك لصالح إقامة تحالــف جديد مع الهند، ورأت أن خير وسيلـــة لتوطيده هو إبرام صفقة التعاون النووي السلمي هذه معها.

ومن الجانب الأميركي فإن هذه الصفقة لم تعد بحاجة أكثر من مجرد تصويت الكونجرس النهائي عليها؛ أما في الجانب الهندي، فإن الوضع لهو أكثر تعقيداً بكثير، فهناك الأحزاب السياسية اليسارية، المعروفة بحساسيتها البالغة إزاء أي انكسار وطني أمام الإرادة الإمبريالية. ولذلك فليس من عجب أن اتهمت هذه الأحزاب رئيس الوزراء ''مانموهان سينج'' بالمساومة بسيادة الهند الوطنية. أما في قبة الكونجرس الأميركي، فقد توحدت آراء الأعضاء الجمهوريين والديمقراطيين حول الصفقة، وذلك رغم الخلافات الكبيرة والعميقة القائمة بينهم بشأن الحرب على العراق وقوانين الهجرة وتهجير الوظائف الأميركية إلى الهند وغيرها من القضايا الخلافية. ومن المتوقع أن يدلي أعضاء الكونجرس بتصويتهم النهائي على هذه الصفقة في شهر ديسمبر المقبل بأغلبية ثنائية حزبية كبيرة لصالحها.

الملاحظ أن هناك من أعضاء الكونجرس من شاكلة السناتور ''رتشارد لوجـــار'' - جمهــــوري من ولايـــة إنديانـــا- قد مال سريعاً إلى تأييـــد صفقة بوش هــــذه، على الرغم من أنـــه أحد أعضاء الكونجرس البارزين الذين جعلـوا من قضية حظر الانتشار النووي محوراً لعملهم السياسي على امتداد الحقب والسنين. فلماذا هذا التحول يا ترى؟ والإجابة المباشرة عن هذا السؤال هي أن للجالية الهندية-الأميركية تأثيراً واضحاً اليـــوم على الكونجرس، والإجابـــة أيضاً أن هــذه الصفقـــة النوويــــة بين البلديــــن، قد جمعت في كفة واحدة حكومة هندية تبدي استعداداً غير مسبوق للعب الدور الأميركي في المنطقة الآسيوية، وجالية هندية أميركية شديدة الحرص على استثماراتها ومصالحها الاقتصادية، وترى في الهند الدجاجة الوحيدة التي تبيض ذهباً في قرننا الحالي، أو الفرصة الاستثمارية الأكبر بلغة المال والاقتصاد.

الشاهد أن هذه الصفقة النووية قد حظيت بدفع كبير مشترك بين الجماعات المالية النافذة الممثلــــة للقطاع الصناعي والتكنولوجي في كلا البلدين؛ وفي محور هذه الضغوط وقيادتها، ''روبرت بلاكويل'' -السفير الأميركي السابق في الهند، ونائب مستشار الرئيس للأمـــن الوطني، الذي تربطه صـــلات قويــــة الآن بشركـــة ''باربور جريفيــث آند روجرز إل إل سي''، التي يشير موقعها الإلكتروني إلى اسم ''بلاكويل'' باعتباره عموداً فقرياً لممارساتها وأنشطتها الخاصة بالهند ثم هناك أيضاً ''فليب زليكاو'' المستشار السابق لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، وأحد أكبر مهندسي سياســـات بوش الخاصـــة بالتحول نحـــو إقامة تحالف مع الهند.

ووفقـــاً للمعلومات والتقارير الإخبارية التي نشرتها صحيفة ''بوسطون جلوب'' فقد تلقى ''بلاكويل'' مبالغ مالية معتبرة من ''اتحاد الصناعات الهندية'' مقابل ضغطه على هيئـــات حكومية أميركية عديـــدة؛ كما ورد عن الهنــد دفعهــــا مبالــغ ماليــة لـ''فينابـــل إل إل بي'' المحامــي بشركــة ''بيلتواي'' القانونيـــة.

إلى ذلك ذكر أن مجلس الاستثمارات الأميركي-الهندي، أنفق أموالاً طائلة على عدد من ممارسي الضغوط على صناع القرارات والسياسات في واشنطن. ومع تحفز نيودلهي لإنفاق نحو 60 مليار دولار على قدراتها الدفاعية والعسكرية خلال السنوات الست المقبلة، تتزايد آمال كبرى الشركات الأميركية في أن تفتح صفقة التعاون النووي بين واشنطن والهند نافذة جديدة لفرص استثمارية مربحة ومجزية هناك، بما فيها إبرام العقود والصفقات العسكرية، التي سيتم بموجبها بناء محطات الوقود النووي الهندية المرتقبة.

زميلة بمعهد السياسات الدولية وعضوة الجمعية الآسيوية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست