اليهود في ألمانيا... وعلاقة الصهيونية بالنازية

 

 

إلى متى سيحلبون البقرة؟!

''إسرائيل تحلب البقرة الألمانية'' عبارة كثيرا ما تتردد بين الشعب الألماني، خاصة بين الطبقات العاملة والفقيرة وتيار النازيين الجدد. فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من مذابح ارتكبتها آلة الحرب الألمانية آنذاك ومنها مذابح ''الهولوكست'' ضد اليهود، فرضت التزامات عديدة على ألمانيا، كان على رأسها الاعتذار لدولة إسرائيل وتقديم تعويضات مالية ضخمة قدرت بمئات المليارات من الدولارات لأهالي ضحايا المجازر الذين تم المبالغة بعددهم بشكل كبير، كذلك لا تزال الحكومة الألمانية تدفع رواتب تقاعدية لقرابة 35 ألف يهودي غادروا المانيا أثناء الحرب لتعويضهم عما جرى لهم.

لم يتوقف الأمر فقط عند حلب البقرة الألمانية، بل أصبح اللوبي اليهودي في ألمانيا يمارس نفوذا قويا على وسائل الإعلام الألمانية، وكذلك مراكز صناعة القرار السياسي والاقتصادي لخدمة مصلحة دولة إسرائيل.

ومؤخرا مارس هذا اللوبي ضغوطات لإتمام صفقة أسلحة متطورة لإسرائيل بأسعار مخفضة، بالإضافة إلى قيادته حملة عنيفة ضد بعض المنظمات الألمانية التي حاولت الضغط على الحكومة لإيقاف التبادل التجاري مع إسرائيل في أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، نظرا للممارسات الدموية التي كانت ترتكب بحق الفلسطينيين، بل إن حتى هذا اللوبي أصبح يتدخل في صياغة الكتب المدرسية الجامعية فيما يتعلق بمذبحة ''الهولوكوست'' لتقوية وجهة النظر الإسرائيلية!

لقد تضاعفت - خلال العشر سنوات الماضية- أعداد اليهود في ألمانيا بمقدار ثلاثة أضعاف ليصل عددهم اليوم إلى 90 ألف يهودي وكانت الحكومة الألمانية قد وقعت مؤخرا اتفاقية تمنح لليهود صورة شرعية في ألمانيا، مما وضعهم في مرتبة مساوية مع طائفة اللوثريين والروم الكاثوليك، ما فتح الباب أمام الجماعات اليهودية للحصول على منح تبلغ 24 ،3 مليون دولار سنويا من الدعم الحكومي للمساعدة في البرامج المختلفة مثل تدريب الحاخامات وتسكين المهاجرين اليهود الروس القادمين حديثا.

وقد جاء إعادة إحياء الجالية اليهودية هناك نتيجة هجرة العديد من اليهود الذين يتحدثون الروسية إلى ألمانيا من مختلف دول الاتحاد السوفييتي السابق، ويصل في العام الواحد ما يقرب من عشرة آلاف يهودي، ليصل إجمالي اليهود الروس ما يقرب من سبعين ألف يهودي، وذلك بعدما تم الموافقة على قانون في أوائل التسعينيات يسهل هجرة اليهود إلى ألمانيا.

وبنظرة إلى الوراء لرصد العلاقة التاريخية بين الصهيونية وألمانيا النازية، نجد أن نشوء أول حركة يهودية في ألمانيا يدعو إلى الاستطيان في فلسطين كان عام 1864 م، وهناك أيضا تم الإعلان عن تأسيس المنظمة الصهيونية كجزء من الحركة الصهيونية العالمية في 31/10/1897 في ''فرانكفورت'' بزعامة ماكس بودنهايمر، ثم أسس ''هيرنخ لو'' المنظمة الصهيونية في برلين، وفيها صدرت عام 1902 نشرة بعنوان الأنباء اليهودية استمرت حتى عام ،1938 وفي أثناء الحرب العالمية الأولى أصبح للحركة الصهيونية مكتب في برلين، بالإضافة إلى مكتبها الرئيسي في ''كوبنهاجن'' المحايدة، ومكتبها الآخر في بريطانيا، وتلقى قنصل ألمانيا في فلسطين عام 1915 تعليمات تنص على ضرورة تأمين الحماية التامة للمصالح اليهودية في فلسطين، وقبل نهاية الحرب أحدثت الحكومة الألمانية دائرة خاصة للشؤون اليهودية في وزارة الخارجية الألمانية، وتطوع بعض اليهود في أوروبا الشرقية بالجيش الألماني.

لقد بقيت الحركة الصهيونية معزولة عن جماهير اليهود الألمان، ولم تخرج في ألمانيا من أزمتها إلا في العهد النازي، وكان أركان الحكم النازي في مقدمة المهتمين بإنجاح المشروع الصهيوني للاستيطان في فلسطين.

وبوصوله بقيادة هتلر إلى السلطة في ألمانيا في 1933 بدأ تطبيق سياسة مضايقة اليهود المعارضين للصهيونية من الذين يعتبرون ألمانيا وطناً لهم. وقد رأت الصهيونية في صعود الحزب النازي واستلامه السلطة فرصة ذهبية لإجبار اليهود على الرحيل إلى فلسطين، وتحقيق فكرتها القائلة إن اليهود يجب ألا يكونوا جزءاً من مجتمع غير يهودي. لقد اتخذت العلاقة بين الحركة الصهيونية والنازية شكلها الرسمي بتوقيع الرايخ الألماني والوكالة اليهودية اتفاقية (هعفراء) وتعني بالعبرية (النقل والتحويل) التي سمحت بنقل رؤوس أموال اليهود الألمان المهاجرين إلى فلسطين مقابل إلغاء الصهيونية للحصار الاقتصادي الذي فرضه اليهود على البضائع الألمانية بسبب القوانين التي فرضتها ألمانيا النازية على اليهود الألمان، فقد منحت هذه الاتفاقية التي وقعت عام 1938 الحركة الصهيونية سلاحاً قوياً لأنها سمحت بهجرة اليهود الألمان وحدهم إلى فلسطين وتعويضهم، وأما سائر اليهود فقد كانت أموالهم تصادر من دون أي تعويض وكان منظمو الهجرة الصهيونيون ينالون بالتعاون مع النازيين حصتهم من الفوائد المادية على حساب الأفراد اليهود. وعقب بدء الغزو النازي للاتحاد السوفييتي صيف 1941 وجد هتلر أنه لم يعد من الممكن تخليص أوروبا من اليهود بالهجرة وتبنى ما سمي بالحل النهائي للمشكلة اليهودية، فأقيمت معسكرات الإبادة الجماعية لتنفيذ هذا الحل. وبعودة مرة أخرى إلى العصر الحديث، والدعم المادي اللامحدود التي تتلقاه الحكومة الإسرائيلية من ألمانيا ، نجد أن هناك أسماء ألمانية كثيرة ساهمت في بناء إسرائيل التي تعتاش على خبز الخارج، مثل المستشار ''فيلي برانت'' وخليفته ''هيلموت شميت'' اللذان سجل في عهدهما أكبر معدل للمساعدات العسكرية التي حصلت عليها إسرائيل من ألمانيا، وكذلك المستشار ''هيلموت كول''، و''جيرهارد شرودر''، والآن ''أنجيلا ميركل'' التي تنتهج سياسة تقارب قوية مع إسرائيل جعلتها ثالث أهم شخصية سياسية أجنبية مقبولة عند الإسرائيليين بعد بوش وبلير.

وتتحدث الأرقام عن الدعم الذي قدمته ألمانيا لإسرائيل: ما يزيد عن 120 مليار يورو، لكن إسرائيل التي تعتمد في البقاء على دعم كلي من الخارج، لا تستطيع الثبات من دون هذا الدعم الذي تتلقاه من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، بغض النظر عن الدعم المادي، تحصل إسرائيل على دعم عسكري جعلها تملك أكبر ترسانة حربية في الشرق الأوسط، وتحصل إسرائيل على دعم سياسي فألمانيا التي ترأس حاليا الاتحاد الأوروبي لن تقوم بأي مبادرة لا تتفق مع الخيار الإسرائيلي، وتبدو عقدة الذنب أعمق بكثير، إذا أنه بعيدا عن الدعم الرسمي وغير الرسمي الذي تحصل عليه إسرائيل من ألمانيا، فإن اللوبي اليهودي وأصدقاء إسرائيل من الألمان، يقومون بجمع الأموال لتمويل مشاريع في إسرائيل خاصة في مجال التعليم. وفي ظل تزايد عدد المنظمات التي تجمع التبرعات نشأت منافسة شديدة بينها، فباتت جمعيات التأييد الألمانية تتطلع لتنافس منظمات إسرائيلية مثل منظمة (كيرين حيسود).

وحول موقف الشعب الألماني من الهولوكست واستغلال اليهود المتواصل لهذه المحرقة، أصبح من الواضح بأنه - في أغلبه - يرفض الانصياع إلى خطيئة مزعومة، وذلك على الرغم من انصياع معظم المسؤولين الألمان إلى المطالب اليهوديّة بهذا الصدد.

ومن دلائل ذلك، رفض العديد من النواب الألمان في المجالس الإقليميّة (بصورة خاصة في مقاطعات ألمانيا الشرقية) المشاركة في تذكارات ''ضحايا المجازر النازية من اليهود''، ومطالبتهم بوجوب تكريم ضحايا القصف البربري الذي تعرضت له مدينة ''دريسدن'' الأثرية خلال الحرب من قبل الأميركيين والقوات الحليفة.

كذلك، فإن المعارض التي تم تنظيمها في ألمانيا لعرض ''البربرية النازية'' لم تلق أي إقبال على الرغم من الحملات الترويجية المكثفة لها.

ومن الناحية السياسية، فإن الأحزاب السياسية الوحيدة التي تجرؤ على الإعراب عن لسان حال الرأي العام الألماني بهذا الشأن، هي أحزاب اليمين المتطرف المصنفة بـ''النازية الجديدة''، وهي أحزاب قد تتعرض للحل قريباً انصياعا من الحكومة الألمانية لمشيئة اللوبيات اليهودية.

ويبقى أن نشير في النهاية إلى أن البطالة في ألمانيا قد بلغت اليوم أرقاماً قياسية، الأمر الذي سيزيد من شعبية تيار اليمين المتطرف الألماني، وما قد يحمل الشعب الألماني على رفض استمرار تسديد ألمانيا لتعويضات طائلة وجائرة لليهود تشكل اليوم إحدى الدعائم الرئيسية للاقتصاد اليهودي في العالم.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-12-9-2007