السياسة الخارجية لباراك أوباما

 

 

ألقى السيناتور الديمقراطي باراك أوباما وهو أحد المتنافسين للحصول على بطاقة الحزب الديمقراطي للترشح للانتخابات الرئاسية في نهاية العام القادم خطابا هاما أمام مجلس شيكاغو للشئون العالمية حول أهم معالم السياسة الخارجية الأمريكية كما يرها، ورؤيته لإستراتيجية الولايات المتحدة المستقبلية وسيطبقه حال وصوله إلى البيت الأبيض. وهذه ترجمة لخطابه:

تدهور سمعة الولايات المتحدة

نعلم جميعا مدى التدهور الذي وصلت إليه سمعة أمريكا في الوقت الحاضر، كما نعلم جيدا حجم خسائرنا المادية والبشرية، إضافة إلى ما خسرناه من نفوذ واحترام جراء حرب العراق.

ورأينا تبعات السياسة الخارجية القائمة على أيديولوجية خاطئة، وغياب الرؤية الحقيقية. فهناك الكثير في جميع أنحاء العالم غير راضين عن أفعالنا، وأصبح هناك العديد من أفراد شعبنا يشكون في حكمتنا وقدرتنا على تشكيل الأحداث خارج حدودنا، في حين يعتقد البعض أن زمن أمريكا قد ولى.

ورغم كل ذلك، فإنني رأيت كثير من الشواهد خلال جولاتي على مدار العامين السابقين التي تدل على حاجة العالم إلى أمريكا ففي أحد المباني الأوكرانية رأيت أنابيب اختبار غير محكمة مملئة بالأنثراكس، وقيل لنا أنه لن يمكن السيطرة على الأخطار والوباء دون مساعدة أمريكا.

وفي رحلة أخرى إلى الشرق الأوسط التقيت فلسطينيين وإسرائيليين قالوا لي إن السلام سيظل أملا بعيدا ما لم يتحقق وعد الإدارة الأمريكية. وفي معسكر على طول الحدود بين تشاد ودارفور، يتوسل اللاجئون إلى أمريكا للتدخل ووقف الإبادة الجماعية التي تحصد أرواحهم.

لذا فإنني أرفض فكرة أن زمن أمريكا قد مضى، وما زلت أعتقد أنها ما زالت الأمل الأخير والأفضل على الأرض. لكن على مدار الأعوام الستة الماضية ظل منصب قائد العالم الحر شاغرا، وقد حان الوقت للعب هذا الدور مرة أخرى.

وأعتقد أن أهم مهام أي رئيس هي حماية الشعب الأمريكي، وأنا شخصيا مقتنع بأن أداء تلك المهمة بفاعلية في القرن الواحد والعشرين يتطلب رؤية جديدة للقيادة الأمريكية، وفكر جديد لأمننا القومي.

ففي عالم اليوم يرتبط أمن الشعب الأمريكي بصورة معقدة بأمن جميع الشعوب. فعلى سبيل المثال عندما يهدد الفساد التجربة الديمقراطية في أمريكا اللاتينية، فإنها مشكلة الولايات المتحدة أيضا.

وعندما تقوم المدارس الدينية في باكستان بتعليم الكراهية لصغارها، فإن الخطر يهدد أطفالنا كذلك. فسواء كان إرهاب عالمي أو مرض وبائي، أو تغير حاد في المناخ أو منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، فالتهديدات التي نواجهها في مطلع هذا القرن لا يمكن أن تستمر عبر الحدود.

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي أيقظتنا، كان هناك الملايين في جميع أنحاء العالم مستعدين للوقوف بجانبنا، لأنهم كانوا يعرفون أنه إذا قادت أمريكا العالم نحو عصر جديد من التعاون العالمي، فسوف يصب ذلك في مصلحة أمن شعبنا والشعوب الأخرى.

ونعلم جميعا كيف أضاعت هذه الإدارة تلك الفرصة. ففي العام 2002 سجلت اعتراضي على حرب العراق، ليس فقط لأنها تحول غير ضروري في حربنا ضد الإرهابيين الذين هاجمونا، ولكن أيضا لأنها ترتكز على سوء فهم أساسي للأخطار التي أظهرتها هجمات سبتمبر.

ولا شك أن الأخطاء التي ارتكبت خلال الأعوام الستة الماضية جعلت مهمتنا الحالية أكثر صعوبة فوجهة النظر العالمية قد تحولت ضدنا، ومن ناحية أخرى قد تغير الخسائر الفادحة التي تكبدناها في الأرواح والأموال  وجهة نظر العديد من الأمريكيين، وتجعلهم يتخلون عن فكرة القيادة الأمريكية للشؤون العالمية، لذا فأنا أصر على أن العدول عن قيادتنا هو خطأ لا يجب أن نقع فيه. فصحيح أن الولايات المتحدة لا تستطيع مواجهة تهديدات القرن الحالي بمفردها، لكن العالم أيضا لا يمكنه مواجهتها دون أمريكا. فلا يجب أن نبتعد عن العالم أو نستأسد عليه، لكن يجب أن نقوده من خلال العمل والقدوة، من خلال بناء قوة القرن الواحد والعشرين العسكرية، ودعم الجهود لوقف انتشار أخطر الأسلحة في العالم، وبناء وتقوية الشراكات والتحالفات الضرورية لمواجهة تحدياتنا وأخطارنا المشتركة. كما يجب أن تكون القيادة الأمريكية من خلال الوصول إلى البقع المنسية في العالم، لهؤلاء الذين يرغبون في حياة أفضل.

صفحة أمريكية جديدة

تقدم لنا هذه الانتخابات فرصة جديدة لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من صفحات القيادة الأمريكية. فيجب أن نكون على مستوى ما يتوقعه منا كثيرون حول العالم وأن نحقق تلك التوقعات مرة أخرى، ليس فقط من أجل نيل الاحترام والتقدير ولكن أيضا لأن أمن أمريكا والعالم أجمع يتطلب ذلك وسيتطلب هذا الأمر روح جديدة من الثقة والرصانة، وقبل كل شيء سيتطلب قائدا جديدا. وكمرشح للرئاسة الأمريكية أطلب منكم أن تثقوا بي في تحمل هذه المسؤولية.

فمن وجهة نظري هناك خمسة طرق ستقود بها أمريكا عندما أصبح رئيسا، أولها وضع نهاية مسئولة لحرب العراق وإعادة التركيز على التحديات الحرجة في المنطقة الأوسع.

فقد ذكرت منذ خمسة أشهر أنه لن يكون هناك حلا عسكريا لما أصبح صراعا سياسيا بين السنة والشيعة ووضعت خطة ما زلت أعتقد أنها تقدم الفرصة الأفضل لدفع هذه الأطياف المتصارعة نحو تسوية سياسية، وهي انسحاب القوات الأمريكية على مراحل بحلول 31 مارس 2008.

ولمواجهة الأخطار المحتملة تقترح خطتي بقاء قوة لمنع الفوضى، وعدد محدود من القوات في العراق لمحاربة القاعدة وباقي الإرهابيين. وفي الوقت ذاته توضح هذه الخطة أن الالتزام الأمريكي المستمر تجاه العراق يتوقف على قدرة الحكومة العراقية على تحقيق سلسلة من الأهداف المحددة للوصول إلى تسوية سياسية.

وحتى الآن لم تحقق الحكومة العراقية سوى تقدم طفيف جدا في هذا الشأن. ورغم أن زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق قد تؤدي إلى الحد من العنف بشكل مؤقت في بغداد، إلا أنها ستأتي على حساب زيادة عدد الضحايا الأمريكيين. لذا فالانسحاب المرحلي من الممكن أن يغير الديناميكية السياسية في العراق.

وحتى يتغير مدخلنا في العراق، سيكون من الأصعب إعادة التركيز على التحديات التي تواجهنا في المنطقة. حيث أنه في صراع الشرق الأوسط باتت شوكة حماس وحزب الله أقوى، وبدا بحث إسرائيل عن سلام آمن غير مؤكد.

أما إيران فقد استفادت من حرب العراق، وفي أفغانستان هناك حاجة لمزيد من القوات الأمريكية لمحاربة القاعدة ومنع هذا البلد من الانزلاق نحو عدم الاستقرار. وسوف تقف أمريكا بجانب أصدقائها وستعمل بجد من أجل بناء شرق أوسط آمن.

أما الطريقة الثانية التي ستدعم القيادة الأمريكية فهي بناء قوة القرن الواحد والعشرين العسكرية الفعلية  فيجب أن نمتلك أقوى قوة عسكرية في العالم وأفضلها تسلحا لمواجهة أي تهديدات.

لكن في الوقت الذي سيظل فيه الحد التكنولوجي محورا مركزيا بالنسبة لأمننا القومي، ستبقى مهمة القوات على الأرض لمنع الشبكات الإرهابية التي نواجهها صعبة.

إذ يعد ثلثي الجيش الأمريكي حاليا "غير مستعد" للقتال، و88 بالمائة من الحرس القومي غير مستعد للذهاب عبر البحار، فضلا عن أن العديد من الوحدات لا يمكنها الاستجابة لحالات الطوارئ المحلية. وقد أظهرت الحرب في أفغانستان والعراق تبعات التقديرات المتدنية لعدد القوات اللازمة لحربين والدفاع عن وطننا.

لذا فإنني أدعم بشدة زيادة عدد قواتنا الأرضية بإضافة 65 ألف جندي للجيش، و27 ألف للبحرية. ويجب أن تأتي هذه الإضافة بتجنيد الأفضل والألمع، ومنحهم المعدات والتدريبات والحوافز التي يستحقونها.

كما يتطلب بناء هذه القوة الاستثمار في قدرات ومهارات رجالنا ونسائنا من أجل النصر في هذا الصراع المعقد. فقد حان الوقت لتجنيد مجندين مؤهلين ومدربين وعلى دراية باللغات المختلفة. فلكي نحقق الأمن القومي والأمن المشترك يجب أن نسعى لامتلاك ترسانة كاملة من كافة القوى الأمريكية، واستخدام الدبلوماسية الفعالة وتكوين تحالفات قوية. كذلك فإنه لاختراق الشبكات الإرهابية فنحن بحاجة لمجتمع مخابراتي نشط تحت قيادة قوية. وللحفاظ على نفوذنا في الاقتصاد العالمي يجب تنظيم بيتنا المالي، أما لإضعاف الدكتاتوريين فيجب أن نحرر أنفسنا من إدماننا للنفط.

الطريقة الثالثة هي قيادة الجهود العالمية لمواجهة التهديد الذي يفوق كل شيء، ألا وهو الحاجة إلى تأمين انتشار أسلحة الدمار الشامل وتدميرها ووقفها. فما زال هناك حوالي 50 طنا من اليورانيوم المخصب، بعضها غير مؤمن، في منشآت نووية مدنية في أكثر من 40 دولة.

وقد تم القبض بالفعل على أشخاص وهم يحاولون تهريب مواد نووية لبيعها في السوق السوداء. وإذا أصبحت رئيسا سأقود الجهود العالمية لتأمين الأسلحة والمواد النووية بالمناطق الحساسة.

وفي هذا الصدد علينا أن نطبق القانون الذي مررته مع السيناتور ديك لوغار الذي سيساعد الولايات المتحدة وحلفائها على منع تهريب أسلحة الدمار الشامل تطبيقا شاملا. كذلك فإنه من الأمور الرئيسية التي يجب أن نعمل عليها منع إيران من الحصول على أسلحة نووية، ووقف برنامج كوريا الشمالية النووي.

إضافة إلى كل ذلك يجب أن نمنع الدول الأخرى من الانضمام للنادي النووي، كسوريا والمملكة العربية السعودية اللتان أعلنتا عن اهتمامها بامتلاك قوة نووية ومن الأهمية بمكان إنشاء بنك وقود دولي لمراقبة إمدادات الوقود التجارية وضمان عدم حصول دول مثل إيران على كميات إضافية وأخيرا يجب أن تقدم أمريكا النموذج الأمثل، إذ أنه بإمكاننا الحفاظ على رادع نووي قوي دون الحاجة لإنتاج جيل جديد من الرؤوس النووية.

أما الطريقة الرابعة لقيادة أمريكا فتعني بإعادة بناء التحالفات والشراكات الضرورية لمواجهة التحديات والتهديدات المشتركة. فهناك حاجة ملحة لإصلاح المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي وغيرها لكي نقنع الآخرين بأنهم مشاركين معنا في التغيير، وأن مثل هذا التغيير سيجعل عالمهم وعالمنا أكثر أمنا.

وفي حال صرت رئيسا أنوي تكوين إطار عمل إقليمي أكثر فاعلية في آسيا يساعد على الاستقرار، ويساعدنا على مواجهة التحديات المشتركة والمشكلات الصحية العالمية كأنفلونزا الطيور كما أن التحالفات الأمنية يمكنها أن تساعدنا في القضايا العالمية الأخرى كالاحتباس الحراري.

وأخيرا فإن الطريقة الخامسة هي الاستثمار في إنسانيتنا المشتركة لضمان أن هؤلاء الذين يعيشون في خوف اليوم يمكن أن يعيشوا بكرامة غدا. فيجب العمل على بناء قادرات دول العالم الأضعف، وإمدادهم بما يحتاجونه لتخفيض حجم الفقر، وبناء مجتمعات صحية ومتعلمة، وتطوير الأسواق. وكرئيس سأضاعف مساعداتنا الخارجية السنوية إلى 50 مليار دولار لمواجهة تلك التحديات وضمان توجيه الموارد نحو هذه الأهداف الإستراتيجية. 

تلك هي الطرق التي سنواجه بها التحديات التي جاءت إلى بلادنا بعد هجمات سبتمبر، وقد حان الوقت لكي يقود البلاد رئيسا يستطيع القيام بذلك، ويستطيع توحيد العالم لتحقيق هذه الأهداف الطموحة والضرورية.

ولن يتحقق النجاح لأي سياسة خارجية إن لم يتفهما الشعب الأمريكي ويشعر بدوره في تحقيق هذا النجاح، وإن لم يثق في أن حكومته تستمع لمخاوفه بشكل أفضل. فإذا استطاع الرئيس المقبل أن يحتفظ بثقة الشعب فيه، أعتقد أن الشعب الأمريكي سيصبح مستعدا لرؤية قيادة أمريكا من جديد. فزمن أمريكا لم يولى، وكما فعلت الأجيال السابقة سنحافظ على هذا الزمن.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:تقرير واشنطن-العدد123