المسلمون الأميركيون ينخرطون في الكيان الوطني العريض وينقسمون على تبني معاييره

 

 

قد يكون المسلمون الأميركيون الجالية المسلمة الأقوى اندماجاً في مجتمع غربي، وذلك في المقارنة بينهم وبين أقرانهم في الدول الأوروبية.

فهم على مستوى اقتصادي واجتماعي واحد مع من هم أمثالهم من الأميركيين الآخرين، ويتبنون بعض القيم الاجتماعية الأميركية الأساس مثل التعويل على العمل والجهد في سبيل التقدم الاجتماعي. وتخالف المساواة بين المسلمين الأميركيين وبين مواطنيهم الآخرين، تدني حال المسلمين الفرنسيين والألمان والبريطانيين، قياساً على مواطنيهم تباعاً، بما لا يقل عن 20 في المئة.

ولا ينجم عن المساواة هذه قبول سياسي. فالمسلمون الأميركيون لا يكتمون استياءهم من سياسات الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان والأراضي الفلسطينية ويقدمون على رأي الحكومة في المسائل، رأي «الجزيرة»، أو أحكام بعض مواقع الانترنت.

وتخلف موجة الاستياء هذه قلقاً واضطراباً يصيبان علاقات الشبان والمعمرين المسلمين أنفسهم، على نحو ما يصيبان المهاجرين الجدد والمولودين في الولايات المتحدة، والجيل الثاني والجيل الثالث.

ويبلغ عدد المسلمين الأميركيين، بحسب بعض الإحصاءات المتداولة، 2.35 مليون. ويرجح أن يكون عددهم أكثر بما لا يقل عن 20 الى 30 في المئة. وثلثا هؤلاء ولدوا خارج الولايات المتحدة، وحلوا بها في أعمار متفرقة قبل اكتساب جنسيتها أو تابعيتها.

وبدأ قدومهم الى البلاد الأميركية على نحو موجات هجرة في 1965، مع تيسير القانون الأميركي استقبال المهاجرين الجدد.

وفي أثناء العقود الأربعة المنقضية قدم معظم المهاجرين المسلمين من باكستان والهند، ثم من بنغلاديش وإيران، في المرتبة الأولى، ومن العالم العربي، الأراضي الفلسطينية ولبنان ومصر، في المرتبة الثانية. وبعضهم قدم من أوروبا وأفريقيا.

وهم هاجروا الى المهجر الأميركي طلباً للدراسة والارتقاء، وهرباً من الحرب والاضطهاد في بلادهم الأم. ويلاحظ كيث أليسون، النائب الديموقراطي والمسلم عن ولاية مينيسوتا (وهو أول نائب مسلم)، أن مصدر قوة «الحلم الأميركي» تعريف الرابطة الوطنية الأميركي بمنظومة أفكار ومبادئ، وليس برابطة عرقية دموية أو بآصرة نسبية وتاريخية وثقافية.

والمسلمون المتحدرون من أصول أفريقية هم معظم المسلمين المحليين المولودين على الأراضي الأميركية. وأولاد المهاجرين المسلمين تتعاظم نســــبتهم من جملة المسلمين الأميركيين. ويشترك هؤلاء في حداثة سنهم. ونصفهم أعمارهم بين 18 و29 سنة.

وعلى هذا، تكاد الجماعات التي يتألفون منها تستوي نفوذاً ومكانة، فلا يفوق نفوذ الجماعة منها نفوذ نظائرها. ويرعى هذا تنوع جماعة المسلمين الأميركيين، ويحول دون سيطرة جماعة، أو لون، على الجماعات أو الألوان الأخرى، على نحو ما يحول دون انفراد جماعة بمسار اجتماعي أو سياسي خاص يصم الجماعات الأخرى بوصمة عامة. فبعض اليمنيين حلّوا، منذ ثلاثينات القرن العشرين، لاكاوانا، بالقرب من نيويورك، وعملوا في مصانع فولاذ هناك. والمصانع هذه، في الأثناء، أغلقت أبوابها وسرحت عمالها. ولكن الجالية اليمنية تأمركت، وتنامت عدداً وذرية. وأصاب شبانها ما يصيب أمثالهم في أوروبا جراء البطالة، وتردي فرص العمل. فأدمنوا المخدرات، وخالطوا عصابات الإجرام، وأقام 35 في المئة دون خط الفقر.

ولعل إحدى المزايا البارزة التي تقرب المسلمين الأميركيين من المجتمع الأميركي العريض، وتدعوهم الى الانخراط فيه، هي تدين عامة الأميركيين. فهؤلاء، من وجه، يرتابون في الشعائر الدينية التي تخالف شعائرهم المعروفة والمعتادة.

ولكنهم، من وجه آخر، يحترمون المتدينين وشعائرهم، ويقدمونهم على من يجهرون التحلل من التدين، وينصرفون عنه. فـ69 في المئة من أميركيين استطلعوا رأيهم في الحجاب، ولباسه، قالوا بإجازة التحجب في المدارس والجامعات (وهذا ما حمل رجب طيب أردوغان، رئيس الحكومة التركي، على إرسال بناته الى الجامعات الأميركية للدراسة، وتركهن تركيا حيث يحظر القانون العلماني الحجاب).

ونعم المسلمون الأميركيون بسلام نسبي نجم معظمه عن عزلتهم، الى 11/9/2001، والهجمات الإرهابية. وخسر المسلمون الظل الذي كان يلفهم الى حينه.

فمذ ذاك اضطر المسلمون، ومن كان منهم لا يرى داعياً الى إشهار دينه أو دين آبائه وأهله، الى إشهار إسلامهم  ومسلمات شابات كثيرات، ولدن لأمهات تقليديات كن يدعونهن الى ترك الحجاب، لبسن الحجاب جواباً عن قيام المجتمع الأميركي على الإسلام، وتنديده به، وتحميله المسؤولية عن الهجمات الإرهابية. وقدرت دراسة أنجزتها جامعة هاملتون في 2002 أن ثلث المسلمات الأميركيات يرتدين الحجاب في هذا التاريخ يومياً.

ولكن المسلمين الأميركيين عمدوا الى الرد على التمييز العنصري الذي أصابهم، رداً أميركياً. فلجأت كثرة منهم الى القضاء  وأحصى مجلس العلاقات الأميركية - الإسلامية، وهو جمعية حقوقية ومدنية، 2500 دعوى مدنية رفعها مسلمون أميركيون في 2006 وحده.

ويتقدم بهذه الدعاوى نساء يدافعن عن وثائق شخصية، مثل الصور الفوتوغرافية على رخص القيادة، يبدون فيها محجبات. وهذا قرينة على اعتدال أصحاب القضايا المدنية، شأن أئمة مساجد ستة حالت شركة طيران في مينابوليس بينهم وبين الصلاة في ردهة مطار المدينة، فقاضوا شركة الطيران ومجلس المطار بدعوى انتهاك حق مدني أميركي هو حرية العبادة والحق في إشهارها وإعلانها.

وكسب الأئمة الستة الدعوى، وانتصرت لهم المحكمة. وعلل الشيخ ديدمار فاجا، أحد الستة، فعله بقوله: «السبب في رفع دعوانا القضائية هو اقتناعنا بعدالة القضاء (الأميركي)».

والمسلمون الأميركيون الشبان أو الفتيان، وهم الباعث على الخشية والحذر، حملهم الانتباه إليهم على اعتناق ديانتهم علناً وعلى رؤوس الأشهاد، من غير الخروج على أميركيتهم الى اليوم.

فـ60 في المئة من المسلمين بين 18 و29 عاماً يعرفون أنفسهم مسلمين في المرتبة الأولى. وثمة 40 في المئة نظيرهم فيمن تخطوا الـ30 عاماً. وفئة 18 – 29 عاماً يميلون الى ارتياد المساجد أسبوعياً، وإقامة صلاة الجماعة.

ولكنهم لا يتقيدون بالتقاليد أو الفروض التي تميز النساء من الرجال، وقد يتمسك بها أهلهم. فإذا أنكر الوالدان زواجاً عرقياً مختلطاً بين مسلمة ومسلم، احتج الأولاد بالقول ان الإسلام لا ينهى عن مثل هذا الزواج بل يحبذه.

ووجه بارز من مشكلة المسلمين الأميركيين، وانخراط شبانهم في الحياة الأميركية، مصدره إعداد الأئمة وعلماء الدين. فقلة من هؤلاء درست في الولايات المتحدة، ونشأت فيها، وألفت عاداتها وسننها وثقافتها. ويشكو آباء مسلمون ولد أبناؤهم وبناتهم في أميركا بعد الشقة بين أولادهم وبين شيوخهم وعلمائهم.

والى هذا، فنحو 50 في المئة من المساجد في أميركا تموله مساعدات من خارج أميركا ومسلميها وجمعياتهم ومواردهم. ويأخذ مسلمون محليون على الهبات الأجنبية إنشاءها «نوعاً من التبعية»، وإلحاقها المساجد وأئمتها بميول أصحاب الهبات والمساعدات.

وفي مسجد الصفاة، بأحد أحياء ترنتون الفقيرة (من ولاية نيوجرزي)، انتبه مصلون أفغان ومصريون وصوماليون وفلسطينيون على إمام مسجدهم، وهو أمَّهم طوال 20 سنة، وقد ترك سيرته السابقة الى سيرة جديدة، متشددة ومنكفئة. فأغلق مدرسة المسجد بذريعة تهاونها في العمل بالفرائض ودعا الى أحكام وضوء وطهارة لم يعهدها المصلون من قبل.

فما كان من «رعية» إمام المسجد إلا أن قاضته، على نهج أميركي مشترك، وطلبت تنحيته ونزوله عن دفاتر المحاسبة ومدونات المسجد الى مجلس إدارة المسجد المنتخبة. وطرفا الخلاف هما مسلمون مولودون خارج الولايات المتحدة، وآخرون من أصول أفريقية ومولودون في أميركا.

والجماعة الثانية تميل الى التشدد بينما تميل الأولى الى الاعتدال. فالمسلمون السود يذهبون الى انهم لم يشعروا قط بالانتساب الى المجتمع الأميركي، على حين يرغب المسلمون المهاجرون في الاندماج في مجتمعهم الجديد.

ولعل أشد ما يصيب المسلمين الأميركيين الشبان هو إحساسهم بنبذهم من الكيان الأميركي. ويعتقد 39 في المئة من المسلمين المهاجرين ممن بلغوا 18 الى 29 سنة أن الانكفاء عن المجتمع الأميركي خير لهم من السعي الى الانخراط فيه، نظير 17 في المئة من الذين تجاوزت سنهم 55 سنة. فالأهل الذين ولدوا في بلاد مسلمة، وقدموا الولايات المتحدة فتياناً، وشقوا طريقاً فيها، معظمهم صرف النظر عن العودة الى مناشئهم ومسارح حياتهم الأولى.

وهم يعرفون أنفسهم بنسبتين، واحدة الى أميركا والثانية الى بلادهم الأولى. وبعض أولاد هؤلاء عانوا من لا مبالاة عامة الأميركيين، وخشونة بعضهم الآخر، وتمييز أولادهم وفظاظتهم، وقسوة السياسة الأميركية في بلاد آبائهم  وخسارة أميركا هؤلاء الأولاد نذير شر ينبغي تفاديه.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية- عن ليزا ميلر ومراسلين في ولايات أميركية، «نيوزويك» الأميركية-31/7/2007