في مصر: هل يحيا العدل؟

 

محمود الزهيري

 

 

عبارة من أجمل العبارات التي لم يتذوق طعمها سوي المقهورين والمستشعرين بالظلم، لايشعر بمدي الصوت والصدي إلا من كان ليس له واسطة أو ليست لديه مكنة تقديم رشوة للحصول علي حقوقه المسلوبة بإرادة سلطة الفساد، أو ممن هم ليسوا من أهل المحسوبية والمقربين من ذوي السلطة وأقرباء السلطان .

فحينما يتجبر عليهم بعض السفلة بالتلفيق والتخويف والترعيب، ويتم تقديمهم لمحاكمات، فيفطن ضمير المحكمة، ويستيقظ وجدان القاضي، ويكتب في حيثيات حكمه : وحيث أنه قد إستقر في وجدان المحكمة أن المتهم برئ من جملة الإتهامات المسندة إليه ومن ثم تقضي المحكمة ببراءة المتهم .

ولما كان النطق بالأحكام علنياً، فكانت عبارة يحيا العدل تكون تابعة للنطق بالحكم كدليل علي نزاهة القضاء وعدله بصوت علنياً جهورياً دليلاً علي أن هناك من يقف مع المظلوم، ويساند الضعيف، وأن هناك من يجبر الكسر، ويرمم الشرخ، وهذه العبارة رددها الشعب المصري طوال فترات تاريخه المتتالية كرمز لحالات الفساد المتتالية عبر التاريخ المصري الراصد لإنتهاك كرامة وحرمة وحرية الإنسان المصري منذ أيام الفراعين الأولي منذ بدايات التاريخ الأولي والتي تم تقسيم المجتمع تقسيمات طبقية تبدأ بطبقة الفراعنة الآلهة، ورجال الدين السدنة والخدام للفراعين، وطبقة النبلاء، والصناع والزُرَاع، الذين هم القائمين علي التخديم علي باقي الطبقات من رأس السلطة  الذي هو الفرعون الإله، مروراً برجال الدين والكهنة، ومعهم النبلاء .

وكان الشعب المصري طوال فترات تاريخه بإستثناء بعض الومضات التاريخية ذات الآثار الرائعة والتي كان يسرقها منه أيضاً لصوص الحكم والسلطة وينسبوا لأنفسهم إبداعات تلك الومضات التاريخية الرائعة .

ولكن المأسوف له علي مدار التاريخ المصري القديم وحتي الآن، أن الحاكم المصري هوالذي يمثل كافة السلطات وهو صاحبها ومالكها فهو الذي يسن القوانين والتشريعات، وهو الذي يحاكم من يخالفها بالعقوبات التي يراها، كما أنه هو الذي ينفذ تلك العقوبات علي المخالفين، ولامانع من سن التشريعات والقوانين التي تحرس وتحمي أهل الموالاة من عبيد الحاكم !!

ولكن كان علي مدار التاريخ العديد من العظماء الذين كانوا من أهل الرفض لفكرة الحاكم الإله، أو الحاكم الديكتاتور المستبد الظالم، المحتكر والمغتصب للحكم والسلطة وكان هدفهم إقامة دولة العدل وترسيخ أركان العدالة حتي يكون الجميع أمام القوانين والتشريعات سواء بلا إستثناءات من صناعة أرباب السلطة من أهل الظلم والفساد .

وهذا مايتم في مصر مبارك حسبما يحلو لأهل الموالاة من تسمية مصر، والذي نشرته صحيفة المصري اليوم العدد  1142 من تجاوز وزير عدل حكومة الحزب الوطني الديمقراطي رئاسة مبارك الأب، من توجيه السباب والإهانات لأعضاء الهيئة القضائية بصفة متوالية وكأن بينه وبينهم ثأر مبيت له حتي من قبل توليه سلطة وزارة العدل إحدي وزارات حكومة الحزب الحاكم لمصر منذ 1981 وحتي الأن في العام 2007، فما كان من وزير العدل الذي تدرج في السلك القضائي ليصل إلي درجة مستشار وهذا نص الخبر الوارد بالمصري اليوم : يتقدم المستشار يحيي راغب دكروري، رئيس نادي قضاة مجلس الدولة، نائب رئيس المجلس، اليوم، بدعوي سب وقذف ضد المستشار ممدوح مرعي، وزير العدل بشخصه، بسبب ما نسب إليه من إهانات، حيث وصفه بأنه «يبكي مثل أمينة رزق» أثناء أزمة علاج القاضي الشاب المنزلاوي.

وقال دكروري لـ«المصري اليوم: سأتوجه صباح اليوم إلي المستشار عبدالمجيد محمود النائب العام لتقديم الدعوي القضائية ضد مرعي بشخصه، مضيفاً أنه يقيم هذه الدعوي بصفته الشخصية كنائب لرئيس مجلس الدولة وليس كرئيس للنادي، وتابع: «نحن ندرس حالياً مسألة رفع دعوي أخري ضد الوزير باسم النادي، والذي أمثله كرئيس منتخب من جموع القضاة».

وكشف المستشار سمير البهي، نائب رئيس مجلس الدولة، عضو مجلس إدارة النادي، أن هناك اقتراحاً باتخاذ الإجراءات القضائية لتوقيع الكشف الطبي علي المستشار ممدوح مرعي، والكشف عن مدي سلامة قواه العقلية ومدي مسؤوليته عن أفعاله.

وقال البهي في تصريحات لـ«المصري اليوم»: «إن صاحب الاقتراح الذي تمت مناقشته في مجلس الإدارة قدم أسباباً لطلبه، أهمها أن الوزير دائم العدوان بالسب والقذف علي القضاة عامة، وقضاة مجلس الدولة وناديهم خاصة، دون أي سبب محدد، ودون أي مناسبة، كما أنه يناصبهم العداء الشديد، رغم عدم صدور ثمة ما يبرر ذلك مطلقاً».

كما لفت الاقتراح إلي أن مرعي «تنتابه حالة عدائية تظهر في الاجتماعات العامة بصفة دائمة سواء مع القضاة أو الصحفيين أو في مجلسي الشعب والشوري، فيصاب بحالة من الانفلات في أعصابه وقسمات وجهه، التي يظهر عليها العداء الشديد، وفي كلماته العدوانية وحركات يديه وأصابعه»، ودلل القاضي بما نشرته «المصري اليوم» من صور لمرعي بهذا الشأن».

وأضاف البهي: «بعد المناقشة انتهي مجلس الإدارة إلي رفض هذا الاقتراح، حيث أكد المجلس أن وزير العدل مسؤول مسؤولية كاملة عن جميع أفعاله وتصرفاته».

وهذا هو ماوصل إليه حال القضاء في مصر والذي يرأس مجلسه الأعلي مبارك الأب، إذ هو رئيس المجلس الأعلي للهيئات القضائية، بجانب رئاسته للحزب الوطني ورئاسته للجمهورية علي مدار ربع قرن ويزيد، فمن المسؤل عن تردي القضاء المصري ووصوله إلي هذه الدرجة المتدنية في العلاقة بين وزير العدل، وبين أعضاء الهيئات القضائية ؟

أعتقد أن المسؤل الأوحد هو مبارك الأب الذي إستأثر بكافة السلطات ومنها السلطة القضائية ليكون القضاء المصري مؤمماً لصالح حكومة الحزب الوطني الديمقراطي رئاسة مبارك الأب والذي يرأس مبارك الإبن لجنة سياساته، الأمر الذي يؤكد علي أن مبدأ الفصل بين السلطات وأن إستقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتفيذية أمراً مخالفاً لحقيقة الواقع، وببساطة لأن مبارك الأب هو الرئيس الفعلي لكافة السلطات، ومادامت السلطة القضائية غير متمتعة بضمانة الإستقلال فلابد من طغيان السلطة التنفيذية التي يشغلها وزير العدل علي السلطة القضائية التي يرأسها كذلك وزير العدل بحكم منصبه التنفيذي، فهل من الممكن أن يكون هناك عدلاً في مصر والحال كذلك وسلطة القضاء منتقصة بوجود المحاكم العسكرية الذي يصدق علي أحكامها رئيس الجمهورية، ورئيس الحزب الوطني الحاكم، ورئيس المجلس الأعلي للهيئات القضائية، والمفترض فيه أن يكون رئيس الدولة المصرية فقط، أي رئيس لكل المصريين، وليس رئيساً لأعضاء الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم ؟!!

وبالفعل صدق المستشار كروري وذهب إلي النائب العام  حسبما ورد بصحيفة المصري اليوم في العدد 1143: وسلم المستشار عبدالمجيد محمود، النائب العام، أمس بلاغاً من المستشار يحيي راغب دكروري، رئيس نادي قضاة مجلس الدولة، نائب رئيس مجلس الدولة، يتهم فيه المستشار ممدوح مرعي، وزير العدل بشخصه بالسب والقذف، بسبب ما نسب إليه من إهانات، حيث وصفه بأنه كان يبكي مثل أمينة رزق أثناء أزمة علاج القاضي الشاب محمد جاد المنزلاوي، الذي تدخل الرئيس مبارك لعلاجه في ألمانيا بعد رفض الوزير تحمل جميع نفقات علاجه، واتهم مرعي في التصريحات نفسها قضاة المجلس بأنهم فصلوا في النزاع القضائي الخاص بالمنزلاوي «بعدما قعدوا مع بعض».

واستقبل النائب العام المستشار دكروري في مكتبه ظهر أمس، حيث اجتمع به لمدة نصف ساعة تقريباً، وتسلم البلاغ المقدم منه ضد الوزير، وقدم المستشار عبدالمجيد محمود لـ«دكروري «كوباً» من الليمون، ثم استمع منه إلي الأزمة من بدايتها وتفاصيلها والألفاظ المهينة المنسوبة إلي الوزير مؤخراً ومدي تأكده مما قيل، حيث أكد دكروري أنه متأكد تماماً من الألفاظ التي قالها مرعي،  حيث استمد معلوماته من القضاة الذين حضروا اجتماع مركز الدراسات القضائية يوم الثلاثاء الماضي وليس مما نشر في الصحف. وقال دكروري، في تصريحاته لـ «المصري اليوم»، عقب تقديمه البلاغ: «إن النائب العام أكد له أنه سيتخذ الإجراءات اللازمة للتحقيق في البلاغ، مشيراً إلي حساسية هذا البلاغ لأنه يخص وزير العدل شخصياً، وأضاف دكروري: «إنها سابقة في تاريخ القضاء المصري أن يتقدم أحد كبار رجال القضاء، وهو في الخدمة بطلب لتحريك الدعوي الجنائية ضد وزير العدل وهو أيضاً في الخدمة، وهناك دعاوي مدنية وإدارية كثيرة ضد الوزير»، مشيراً إلي أن الدكتور يحيي الجمل، الفقيه الدستوري، اتصل به، معلناً استعداده الدفاع عنه وعن نادي القضاة، كما اتصل به عدد كبير من أساتذة القانون وكبار المحامين يطلبون منه الدفاع عنه وعن النادي. ونفي دكروري، ما تردد عن رفض النادي أو رئيسه وساطة كل من الدكتور زكريا عزمي أو المستشار محمد الدكروري في الأزمة المثارة حالياً وهذا هو خبر المصري اليوم .

فهل سيتم تفعيل الشكوي التي تقدم بها المستشار دكروري ضد وزير العدل ويتم تفعيل إجراءات السير فيها وتتم محاكمة وزير العدل محاكمة عادلة، أم أم مبارك الأب سيتدخل شخصياً لحل الأزمة بقرار شفاهي أو بإيعاز من أهل الموالاة ليتدخلوا لحل الأزمة، ويتم التنازل عن الشكوي أو البلاغ من قبل أحد أعضاء الهيئة القضائية، أم أن إجراءات رفع الحصانة عن وزير العدل ستتم في مدي أربع وعشرين ساعة وستتم المحاكمة بسرعة، أم أن هناك مذبحة معدة لوزير العدل بعد أن أخذ من الإجراءات الزائدة عن المطلوب منه في تزوير الإستفتاء علي التعديلات الدستورية، وبعد الإجراءات التي إتخذها ضد مكي وبسطويصي بعد براءة أحدهما ولوم الآخر في وقفتهما الوطنية الجريئة ومعهم رئيس نادي القضاة المستشار زكريا عبد العزيز وأعضاء الهيئة القضائية، وبعد سحل القضاة وضرب أحد المستشارين بالجزمة أمام نادي القضاة، وتهديد القضاة بالقتل والسحل، والتعدي علي العديد منهم أثناء إنتخابات مجلس شعب 2005، الذي سادت أحداث إنتخاباته بالبلطجة الأمنية والقتل والسحل والضرب والسجن والإعتقال ؟!!

من الغريب أن هتافات حركة كفاية ضد ممدوح مرعي  مازالت تتردد أصداؤها في أذني، وحينما يذكر إسم ممدوح مرعي أشعر وكأنني في مظاهرة من مظاهرات حركة كفاية !!

ولكن نعود إلي السؤال الأزمة :

من المسؤل أولاً وأخيراً ؟

هل هو ممدوح مرعي وزير العدل ؟!!

أم أن المسؤل هو رئيس ممدوح مرعي في الحزب الوطني الديمقراطي الذي يحمل مرعي حقيبة وزارية من حقائبة تحت رئاسة مبارك الأب، الذي هو رئيس المجلس الأعلي للهيئات القضائية ؟!!

وماهو الدور الذي يمكن أن يناط بالنائب العام بعد هذه التساؤلات حتي يمكن أن يقال : يحيا العدل  ؟!!

فهل سنردد هذه المقولة ؟!!

أعتقد أنه لاعدل، ولاعدالة بغير الفصل بين السلطات، وبغير إستقلال السلطة القضائية إستقلالاً تاماً مطلقاً.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:المثقف السياسي-31-7-2007