الأسرة المالكة السعودية تدعم التطرّف السلفي

 

 

تقرير صحافي يسرد تفاصيل صفقة سعودية ـ أميركية

الأسرة المالكة السعودية على رغم أنها المموّل والصانع والداعم للإسلاميين المتطرّفين، تحوّلت الى أحد أهم أهداف تنظيم «القاعدة»

نشرت مجلة «نيويوركر» الأميركية مقالاً بقلم الصحافي الشهير سيمور هيرش، نقل فيه عن ديبلوماسي سعودي قوله، أن السفير السعودي السابق لدى واشنطن الأمير تركي الفيصل كان على علم باللقاءات السرّيّة التي عقدت بين مسؤولين سعوديين كبار ونظراء لهم أميركيين، من بينهم نائب الرئيس ديك تشيني ونائب مستشار الأمن القومي إليوت أبرامز وغيرهما.

وأكّد المصدر نفسه أن الأمير تركي لم يكن سعيداً بعقد هذه اللقاءات من دون علمه أو مشاورته، مستبعداً أن يكون الأمير بندر وحده بدأ بهذه المشاورات السرّيّة من تلقاء نفسه، إذ وعلى رغم العداء المعروف بين الأمير تركي وبين الأمير بندر، إلاّ أن الرجلين يلتقيان على كره الشيعة والخوف من مشروع إيران لبسط سلطتها في الشرق الأوسط كاملاً.

ويرى كثيرون من المحلّلين الأميركيين أن السبيل الوحيد للحدّ من تنامي النفوذ الإيراني في الخليج والشرق الأوسط، يكون عبر اعتماد الخطط التي وضعها السفير السعودي السابق في واشنطن الأمير بندر بن سلطان والذي خدم في الولايات المتحدة لأكثر من اثنتين وعشرين سنة، والذي يشغل منذ العام ٢٠٠٥ منصب مستشار الأمن القومي في السعودية.

وثمّة عامل ثقة يربط الأمير بندر بالرئيس الأميركي جورج بوش ونائبه ديك تشيني، وهو استثمر مكانته في السلطة لخدمة هذه العلاقة، بما يسمح له بعقد لقاءات منفردة مع كل منهما أو كليهما.

وشهدت المدة الأخيرة حركة ديبلوماسية ناشطة من البيت الأبيض باتجاه السعودية، بعضها لم يتم الاعلان عنه أصلاً، في ظلّ التصعيد في اللهجة السعودية تجاه واشنطن، والمخاوف السعودية من تنامي النمو الإيراني الشيعي في العراق، وكذلك خسارة مكانتها كمرجع للسنّة في المنطقة.

وزار تشيني في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي الرياض في شكل مفاجئ، حيث التقى الملك عبد الله بن عبد العزيز والأمير بندر.

ونقلت صحيفة «ذي تايمز» البريطانية في حينها عن مصادر موثوقة، أن الملك عبد الله حذّر الولايات المتحدة من أن بلاده لن تتردّد في دعم السنّة العرب الذين تخوض واشنطن قتالاً ضدهم في العراق، في حال سحبت واشنطن قوّاتها بسرعة من هذا البلد.

ولا تزال السعودية تتمتّع بنفوذ وعلاقات وثيقة مع مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة، ويعتبر ذلك من أهم إنجازات الأمير بندر خلال فترة عمله الطويلة في واشنطن وقبل أن يخلفه الأمير تركي الفيصل، والذي اضطر الى الاستقالة من منصبه بعد ثمانية عشر شهراً فقط، ليخلفه عادل الجبير الذي سبق أن عمل مع الأمير بندر.

وتاريخ التناحر السنّي ـ الشيعي ليس جديداً. تعود جذوره الى القرن السابع عشر، واستقوى حينها السنّة بالدولة العثمانية السنّيّة التي كانت تحكم العالم الإسلامي، فتقلّص النفوذ الشيعي واضطر بعض ممثّليه الى الخروج من المنطقة التي بلغت نسبة السنّة فيها نحو ٩٠ في المئة من المسلمين.

وعلى رغم ذلك، ظل الشيعة يشكّلون الغالبية في إيران والعراق والبحرين، وباتوا يشكّلون اليوم الطائفة الأكبر في لبنان.

واليوم، ما زال السعوديون ينظرون الى العالم على أنه امتداد للدولة العثمانية السنّيّة، وإن باتت تركيا بحد ذاتها علمانية، وتعيش العائلة المالكة السعودية على أمجاد الأمبراطورية السابقة.

ويرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط الضابط المتقاعد فريدريك هوف، أن أي نجاح للأمير بندر بن سلطان في تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة، لن يكون إلا عبر زيادة التوتّر بين واشنطن وطهران وحلفائها في المنطقة، كما أن ذلك سيقوّي مكانته شخصياً في أوساط آل سعود.

هدف مشروع

لكن السحر انقلب على الساحر، والأسرة المالكة السعودية على رغم أنها المموّل والصانع والداعم للإسلاميين المتطرّفين، تحوّلت الى أحد أهم أهداف تنظيم «القاعدة»، ومردّ ذلك سخط التنظيم الأصولي السلفي من فساد الأمراء ودورهم السيّئ في الحياة العامة، واستئثارهم بالسلطة ومقوّمات الدولة ومع ذلك، يغامر أمراء سعوديون باللعب بورقة استمرارهم في دعم المدارس والتنظيمات الإسلامية السنّيّة المتطرّفة، لضمان بقائهم في السلطة وتقوم الاستراتيجية الجديدة للادارة على الحفاظ على هذه المعادلة.

وقارن ناصر بين الأيام الحالية والأيام التي شهدت بزوغ نجم «القاعدة» وأول دمج لفصائل إسلامية مسلّحة تحت لوائها ففي عام ١٩٨٩ مطلع التسعينيات، عرضت الحكومة السعودية على الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. إي) المساعدة في الحرب ضد الوجود السوفياتي في أفغانستان.

وشهدت تلك الفترة تطوّع مئات الشبان السعوديين اليافعين الذين أرسلوا الى أفغانستان عبر الحدود الباكستانية، بعد أن تمّ إدخالهم في مدارس دينية مزوّدة بمعسكرات تدريب على حمل السلاح، والمقاومة الجبلية وحرب الشوارع والعمليات الانتحارية وبعد انتهاء حرب أفغانستان، تحوّل المحاربون الإسلاميون السعوديون الذين أنفقت عليهم أموال حكومية طائلة الى المعسكر السلفي وبين هؤلاء بالطبع أسامة بن لادن ومعاونوه الذين أسّسوا تنظيم القاعدة في العام ١٩٨٨.

وفي تلك الفترة، وبناء على شهادات مقرّبين من البيت الأبيض، فإن الأمير بندر بن سلطان ومسؤولين سعوديين كباراً تعهّدوا لإدارة الرئيس الأميركي بوش بإبقاء عيونهم على التنظيم الإسلامي المسلّح وإبقائه تحت المراقبة الدائمة وقال مسؤولون أميركيون أن نصّ التعهّد السعودي كان على النحو التالي: «نحن صنعناهم ونحن قادرون على السيطرة عليهم».

وجاء في النص الحرفي السعودي المقدّم إلى البيت الأبيض: «لا نعارض شنّ «القاعدة» هجمات مدمّرة ضد مقتدى الصدر وحزب الله وإيران والسوريين في حال استمرار تعاونهم».

ويعلم أفراد العائلة المالكة السعودية المغامرة التي يكتنفها التعاون مع الولايات المتحدة في أي تصدٍّ لإيران، وذلك مردّه أمران وفقاً للديبلوماسي السعودي: الأول مخاوف امتلاك إيران قنبلة نووية، والثاني شنّ واشنطن هجوماً على إيران ففي الحالتين لن تكون العواقب مأمونة.

ونقل تقرير «ذي تايمز» عن الديبلوماسي السعودي قوله: «نفضّل أن تكون إسرائيل من يشن الهجوم على إيران. فإذا أقدمت الولايات المتحدة على ذلك، سنكون من يتعرّض للّوم».

الجهاد في لبنان

في غضون ذلك، باتت الساحة اللبنانية ثاني مكان حيوي يمكن أن يقوّي العلاقات الأميركية ـ السعودية مجدّداً بعد إيران وليست هناك حاجة الآن لإثبات أو نفي حقيقة أن الرياض تفعل المستحيل في لبنان بتوجيه أميركي، لدعم حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، الذي يقاوم بضراوة محاولات المعارضة التي يقودها حزب الله لإقصائه من الواجهة السياسية.

ولدى حزب الله الذي يتمتّع أمينه العام السيد حسن نصر الله بكاريزما غير تقليدية، بنى تحتية بشرية وخدمية متكاملة، تحميها قوّة مؤلّفة من ثلاثة آلاف مقاتل محترف، وعشرات الآلاف من المقاتلين الآخرين واسم حزب الله مدرج منذ العام ١٩٩٧ على قائمة وزارة الخارجية الأميركية الخاصّة بالمنظّمات الارهابية.

منذ أن نفّذ الحزب هجمته الانتحارية الشهيرة على قوّات المارينز الأميركية في بيروت في ذلك العام، وتسبّب في مقتل نحو مئتين وواحد وأربعين عسكرياً ـ حسب الادّعاء الأميركي.

كما وجّهت لحزب الله اتّهامات من قبل جهات التحقيق الأميركية بخطف أميركيين من بينهم مدير مكتب الاستخبارات المركزية (سي. آي. إي) في العاصمة اللبنانية، الذي قضى في الاعتقال ومعه ضابط عسكري كبير برتبة كولونيل.

وهذه الاتّهامات مثبتة في ملفات رسمية حكومية تنتظر وقتها، على رغم أن السيد حسن نصر الله نفى تماماً تورّط أو مشاركة حزب الله في عمليات خطف الأجانب في بيروت أو بقيّة مناطق لبنان.

ومهما كانت الحقيقة، فإن السيد نصر الله لا يتعدى كونه زعيماً «إرهابياً» من وجهة النظر الأميركية، وإلى جانب ما ينسب إليه من مسؤوليات أودت بأرواح الأميركيين، فإن تصريحات منسوبة إليه باعتبار إسرائيل دولة لا تستحق البقاء، واحدة من الأمور الرئيسية الأخرى في ملفّه.

لكن مشاعر العرب، والشيعة منهم خصوصاً، لا علاقة لها بالموقف الأميركي، فسماحة السيد في نظرهم، أحد أساطير المقاومة التي أذلّت إسرائيل في حرب الصيف الماضي التي استغرقت ٣٣ يوماً، وهو ما لم تصمد أمامه أي دولة عربية ولا الأمّة بأكملها من قبل.

وبالمقابل، يعتبرون السنيورة أحد القادة السياسيين الضعفاء الذين لا يمكن لهم البقاء في السلطة من دون دعم أميركي. وهناك صور كثيرة يؤاخذ عليها السنيورة وواحدة منها، وهو يقبّل يد كوندوليزا رايس فيما القنابل الإسرائيلية تحرق بيروت.

وعلى رغم ذلك، لا يمكن لأحد أن ينكر أن الحكومة الأميركية ضخّت مليارات الدولارات، مساعدة للبنان في عهد السنيورة منذ الصيف الماضي وحتى الآن، وألزمت دول الخليج النفطية بالسير على خطاها.

وفي مؤتمر باريس ٢ الذي انعقد في كانون الثاني (يناير) الماضي، أجبرت واشنطن الدول الكبرى على تخصيص مساعدات إضافية للبنان تعدّت الثمانية مليارات دولار، إضافة الى مساعدات عسكرية قدرها مئتا مليون دولار، وأربعون مليون دولار أخرى لأغراض الأمن.

الجيوب بدل الوطن

لكن المشروع الأميركي يتخطّى الجانب المالي الى الوضع الداخلي ووفقاً لمسؤول كبير، فإن إدارة بوش بدأت بتقوية النفوذ السنّي في لبنان في مواجهة الثقل الشيعي وهناك برنامج واسع في هذا المجال يطبّق على مراحل متصلة باستخدام المال والتجارة والأمن والجيش.

ومن المدهش أن اللبنانيين لا يختلفون عن سواهم في تفضيل جيوبهم على مصالحهم الوطنية، فكثير من الأموال الأميركية تبقى في جيوب بعض الأفراد، ولا تستخدم للأغراض التي خصّصت لها، بل إن قدراً غير يسير منها خدم ونفع أفراداً سيّئين في عرف اللبنانيين وهي بالتالي، مغامرة كبيرة غير محسوبة العواقب.

وطبقاً لإفادات أميركية وأوروبية وعربية ذات صلة، فإن حكومة السنيورة، وطمعاً في تقليل سطوة حزب الله وتطوير الأداء والقابلية السنّية، غضّت النظر عن تسرّب أموال طائلة من الدعم الأميركي والدولي الى متطرّفين إسلاميين في الشمال والجنوب، بالقرب من الحدود مع فلسطين المحتلة وفي وادي البقاع.

وتتّهم السعودية، على لسان أكثر من مسؤول فيها، نصر الله بمحاولة خطف كل لبنان لكن مسؤولين سعوديين آخرين لا ينكرون حقيقة تورّط بلادهم في دعم ما يسمّى بحركات «الجهاد»، وهي ميليشيات سنّية متطرّفة في لبنان.

وينقل التقرير البريطاني عن ألستير كروك الذي أمضى ثلاثين سنة في خدمة الاستخبارات البريطانية، ويعمل حالياً في منتدى الأزمات في بيروت، قوله أن الحكومة اللبنانية فتحت الأبواب أمام هؤلاء للدخول، وهي مخاطرة قد تكون كبيرة، لأن من بين هؤلاء فصيل «فتح الإسلام» الذي انشقّ أصلاً عن فتح الانتفاضة الموالية لسورية. ولم يكن عدد أفراد هذا الفصيل يتعدّى المئتي فرد، قبل أن تتدفّق أموال طائلة من ممثّلين لجهات حكومية على المخيم، في إطار خطّة لمواجهة حزب الله.

ميليشات سنّية

وهناك أيضاً «عصبة الأنصار» في مخيم عين الحلوة الفلسطيني، الذي جُهِّز مقاتلوه بالسلاح من قبل جهاز الأمن اللبناني الداخلي للغرض عينه ونقلاً عن تقرير أوروبي، فإنه وفي العام ٢٠٠٥ تورّط زعيم تيار المستقبل سعد الحريري نجل رئيس الوزراء السابق، والذي ورث منه أربعة مليارات دولار، بفضيحة تمويل أربعة أفراد من منظّمة دينية منحها ثمانية وأربعين ألف دولار، وتم إلقاء القبض على أفرادها وهم يهمّون بالاعلان عن قيام دولة إسلامية مصغّرة في الشمال اللبناني.

وسجّل مراقبون موثوقون أن غالبية الميليشيات السنّية التي دعمتها حكومة السنيورة والحريري شخصياً، قد تدرّبت في معسكرات تابعة للقاعدة في أفغانستان وهناك وقائع مؤكّدة عن استغلال سعد الحريري أغلبيته البرلمانية في تأمين العفو عن اثنين وعشرين فرداً يتبعون تنظيماً دينياً إسلامياً، وسبعة آخرين ممّن يشتبه بتورّطهم بالاعداد لتفجير سفارتي أوكرانيا وإيطاليا في بيروت العام الماضي. وهو أصلاً، أي سعد الحريري، الذي رتّب صفقة الافراج عن قائد القوّات اللبنانية سمير جعجع، الذي ظلّ مسجوناً فترة طويلة بعدما دين بقتل أربعة سياسيين على الأقلّ، بما فيهم رشيد كرامي رئيس وزراء لبنان الأسبق الذي اغتيل في العام ١٩٨٧ وبرّر الحريري مساعدته لجعجع على أنها إنسانية من جهة! ووطنية لدعم الاستقرار في لبنان من جهة أخرى!!

تسوية

وتقرّ الأطراف اللبنانية العليا الآن بأن لا استقرار في البلاد من دون تسوية يقبل بها حزب الله، وأحد كبار هؤلاء المسؤولين يحذّر من احتمال انزلاق لبنان في أزمة حقيقية، فيما لو أجبر حزب الله على الدفاع عن نفسه وعن سلاحه في مقابل هجمات يقوم بها السنّة لكن حزب الله سيصرّ بموجب أي تسوية على الابقاء على علاقته مع إيران وسورية، وبوجوب بقاء الجيش اللبناني محايداً وفي كل الأحوال، فإن لبنان سيظلّ هدفاً أياً كانت صيغة الاتّفاق أو محتوى التسوية.

الجدير ذكره، أنه في كانون الثاني (يناير) الماضي، طار الأمير بندر بن سلطان الى طهران للبحث في تداعيات أزمة اندلعت في بيروت، عبر مواجهات بين أتباع السنيورة وأنصار حزب الله، والتقى هناك كبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني علي لاريجاني وأفادت مصادر أميركية حينها بأن مهمّة بندر مدعومة من واشنطن، تنصبّ على خلق فجوة أو أزمة بين سورية وإيران.

ولاحت حينها بوادر أزمة بين دمشق وطهران بسبب مفاوضات سورية مع إسرائيل، وكان الهدف السعودي العمل بكل الطرق على تشجيع الانفصال، وفكّ الارتباط بين العاصمتين لكن الإيرانيين قالوا بصراحة أن خطّة بندر مكتوب لها الفشل الذريع، لأن لا سورية ولا إيران يفكّران بخيانة بعضهما بعضاً.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المشاهى السياسي-10-6-2007