التهاب الكبد "سي"... قنبلة فيروسية توشك على الانفجار

 

د. أكمل عبد الحكيم

 

حكمت محكمة إسبانية الأسبوع الماضي، على طبيب تخدير إسباني، بالسجن لمدة تقارب 200 عام، نتيجة تسببه في إصابة مئات المرضى بالتهاب الكبد الفيروسي من نوع "سي". فخلال الفترة ما بين عامي 1988 و1997، تسبب الطبيب "ماسو" (Maeso)، والذي عمل في أربعة مستشفيات مختلفة في منطقة "فالنسيا"، في انتقال الفيروس إلى 275 مريضاً، توفي أربعة منهم حتى الآن. فبسبب إدمان هذا الطبيب للمورفين، وإصابته بفيروس "سي" في نفس الوقت، كان بعد أن يحقن نفسه بجزء من جرعة المورفين المخصصة للمرضى، يقوم بحقنهم بالبقية الباقية من نفس الحقنة الملوثة بدمائه. هذه القضية وما تبعها من حكم بالسجن لمدة قرنين من الزمان، عادت لتسلط الضوء على مدى انتشار التهاب الكبد الناتج من العدوى بفيروس "سي"، بين أفراد المجتمع الطبي، وبين أفراد الجنس البشري عامة.

حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية، إلى وجود أكثر من 180 مليون شخص مصابين بالفيروس حول العالم، أو ما يعادل 3% من مجموع أفراد الجنس البشري. من بين هؤلاء يوجد 130 معرضين للإصابة بتليُّف الكبد المزمن، وبسرطان الكبد. وهو ما دفع البعض لتشبيه المضاعفات المستقبلية المتوقعة لهذا المرض، بأنها قنبلة فيروسية توشك على الانفجار. هذا الوضع يتوقع له أن يتدهور بدرجة كبيرة خلال السنوات القليلة القادمة، في ظل وقوع ثلاثة أو أربعة ملايين عدوى جديدة سنوياً حول العالم.

فمن بين جميع حالات الإصابة بسرطان الكبد، يعتبر فيروس "سي" مسؤولاً عن 50% إلى 75% منها. ويعتبر الفيروس مسؤولاً أيضاً، عن ثلثي عمليات زراعة الكبد التي تتم في العالم الغربي، نتيجة فشل الكبد التام بسبب الإصابة بفيروس "سي". وفي الحقيقة، يعتبر فشل الكبد الناتج عن العدوى بفيروس "سي"، هو السبب الأول لجميع علميات زراعة الكبد في الولايات المتحدة مثلاً.

ولا يقتصر انتشار هذا الفيروس على دولة أو منطقة معينة بالتحديد، ففي الولايات المتحدة مثلاً، يوجد حالياً أكثر من أربعة ملايين مصاب، مع حدوث ما بين 35 ألفاً، إلى 185 ألف حالة إصابة جديدة سنوياً، وإن كانت مصر تعتبر من أعلى دول العالم في معدلات الإصابة، حيث تشير التقديرات إلى إصابة 20% من السكان في بعض المناطق. ويفسر العلماء هذا الانتشار الواسع للفيروس في مصر، بأنه نتيجة مرض آخر يستوطن البلاد، هو مرض البلهارسيا. فحسب دراسة نشرت قبل بضعة أعوام في المجلة الطبية البريطانية المرموقة "لانست"، وجد الباحثون علاقة بين الحملة الصحية الضخمة التي قامت بها الحكومة المصرية على مدار عدة عقود لمكافحة البلهارسيا، وبين تفشي الإصابة بفيروس التهاب الكبد والذي أصبح حالياً من الأمراض المستوطنة في القطر. والمثير للأسى أن هذه الحملة الهائلة التي كلفت الاقتصاد المصري مبالغ مالية ضخمة، قد نجحت في استبدال ديدان البلهارسيا بفيروس التهاب الكبد الوبائي، كسبب رئيسي في أكبر مشكلات الصحة العامة التي تواجه الشعب المصري حاليا.

ولكن كيف تتم العدوى بهذا الفيروس؟ إجابة هذا السؤال تتلخص في الانتقال عن طريق الدم، وإن كان هذا الطريق يأخذ أشكالاً مختلفة حسب مناطق العالم المختلفة. ففي العالم الغربي، نجد أن 90% من الحالات، كانت نتيجة عمليات نقل الدم الملوث، قبل تطوير التحاليل القادرة على كشف وجود الفيروس في الدم المتبرع به. الطريق الرئيسي الآخر لانتقال الفيروس، هو من خلال استخدام الحقن الملوثة بين مدمني المخدرات في هذا الجزء من العالم. أما في دول العالم الثالث، فيعتبر الطريق الرئيسي لانتقال الفيروس، هو الحُقن والأدوات الطبية التي لم يتم تعقيمها بشكل مناسب، أو من خلال عمليات نقل الدم الذي لم يخضع للفحوصات الضرورية. وهو ما يعني أنه في العالم الغربي حالياً، ينتقل الفيروس في الغالب بين مدمني المخدرات، بينما في العالم الثالث يحدث الانتقال نتيجة الإهمال الصحي والطبي. ويمكن لفيروس "سي" أن ينتقل أيضاً عن طريق الجنس، وإن كان هذا احتمالاً نادر الحدوث، ويقع غالباً في ظل وجود مرض جنسي آخر يسهل الاتصال بين دماء الطرفين. هذا الاتصال الدموي يمكن أن يقع أيضاً خلال بعض الإجراءات الطبية، من أو إلى أفراد الطاقم الطبي، أو من خلال بعض الرياضات العنيفة التي ينزف فيها المتبارون، أو من خلال بعض أدوات النظافة الشخصية، مثل أمواس الحلاقة، أو فرش الأسنان، أو أدوات تقليم الأظافر. ويمكن أيضاً للفيروس أن ينتقل من الأم المصابة إلى جنينها أثناء عملية الولادة، وإن كان هذا احتمالاً قليل الحدوث.

جدير بالذكر هنا، أن الفيروس لا يمكنه الانتقال من شخص إلى آخر من خلال الاتصال الجسدي العادي، مثل المصافحة، أو العناق، أو القبلات، أو حتى من خلال مشاركة أدوات الطعام أو أدوات الطبخ. فالقاعدة الأساسية الواجب تذكرها في انتقال فيروس "سي"، هي أن العدوى تحدث فقط عند اختلاط دم شخصين، أحدهما مصاب بالفيروس. وللأسف، لا يوجد حالياً تطعيم واقٍ ضد الإصابة بفيروس "سي"، وإن كان هناك كم هائل من الأبحاث التي تجرى حالياً في العديد من المستشفيات والمراكز العلمية حول العالم. ولا يأمل العلماء من تلك الأبحاث في التوصل إلى تطعيم يحقق الوقاية فقط، بل ربما أيضاً اكتشاف مصل، يعين أجساد عشرات الملايين من المصابين على التخلص من هذا الفيروس اللعين.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-21-5-2007