تعليمنا و تعليمهم؛رؤية جديد لتقنيات التعليم في الولايات المتحدة

 

جوستن رايخ

 

مدرسو أميركا... رؤية جديدة لتقنيات التعليم

ربما يزداد أنين الطلاب الأميركيين هذا العام أكثر من ذي قبل، وهم يشارفون على الانتهاء من امتحانات نهاية العام الأكاديمي في أواخر الشهر الحالي. والسبب أنهم أرغموا على تحضير مذكراتهم الخاصة بالامتحانات يدوياً، وليس باستخدام أجهزة الكمبيوتر المحمولة.

وقد جاءت هذه النهاية متسقة مع إمضائهم عاماً أكاديمياً كاملاً من العمل الورقي اليدوي. أما السبب وراء هذا كله، فيعود إلى تزايد عدد الأساتذة والمعلمين الذين يمنعون استخدام الكمبيوتر المحمول أثناء المحاضرات وفي نظر هؤلاء أن أجهزة المحمول تحول الطلاب إلى مجرد مدوني اختزال، بدلاً من أن يكونوا عقولاً حاضرة ناقدة ومفكرة داخل قاعات الدراسة والمحاضرات. كما يتنامى الاعتراض على استخدام هذه الأجهزة، اعتماداً على ما يرى فيه المعلمون صرفاً لأنظار واهتمام الطلاب عن الدراسة كلياً، وانشغالهم عنها بأنشطة التسوق الإلكتروني ومتابعة مواقع الإعلانات التجارية وما إليها.

لكن ولكي لا ننسى، فإن علينا التذكير هنا بأن هذه هي أجهزة المحمول نفسها، التي طالبت الكليات والجامعات الطلاب بشرائها في بداية العام الدراسي. ثم إن من ميزات هذه الأجهزة قدرتها على الاتصال اللاسلكي بالشبكة الإلكترونية، وهي التقنية التي أنفقت عليها هذه الكليات والجامعات ملايين الدولارات من أجل توفيرها. ولكل تلك الأسباب، فإنه يصعب جداً على الطلاب تجرع مرارة اعتمادهم على الأوراق والأقلام في تسجيل ملاحظاتهم الدراسية، مع العلم بأنهم أرغموا على سداد رسوم التكلفة التكنولوجية الباهظة لتلك التكنولوجيا التعليمية المتطورة.

وعلى إثر مضي عدة عقود من المحاولات المثابرة الجادة لحقن نظامنا التعليمي بحقنة التقدم التكنولوجي، فها هي العربة تتعثر بنا أخيراً وتخر صريعة أمام بوابة قاع الدرس مباشرة. وفي وسع القادة والرؤساء أن يوفروا تقنية توصيل المؤسسات الدراسية والجامعية بالشبكة الإلكترونية، فضلاً عن مطالبة الدارسين بشراء أجهزة المحمول. ولكن ما فائدة هذه الابتكارات الأكاديمية، إن كان المعلمون لا يزالون على إصرارهم على العمل بوسائلهم التقليدية المتحجرة البالية؟ وهل نحن بحاجة إلى القول إنه لن يصبح في وسع أجهزة الكمبيوتر إحداث تغيير جوهري في الطريقة التي يتعلم بها الطلاب، ما لم يغير الأساتذة أنفسهم طرائقهم ومفاهيمهم التقليدية القديمة عن التعليم بحد ذاته؟

وبصفتي معلماً، فإن في استطاعتي التأكيد على أن معظمنا نحن المعلمين يرغب في أن يكون محوراً لاهتمام الطلاب، وأن أجهزة المحمول تهدد بتقويض هذا الاهتمام بنا داخل الفصل أو قاعة الدراسة. وقد تمكنا عبر عدة عقود وسنوات من توجيه طاولات الدراسة كلها صوب أعيننا ووجوهنا، ونحن نقف أمام الطلاب. وقد بلغت المغالاة في هذا ببعضنا حد إسدال الستائر المظلمة على النوافذ، ضماناً لتوجه الأنظار والعقول كلها نحونا. وفي كل ذلك رغبة احتكار لا تخفى، لانتباه ومشاعر وعقول الطلاب. وحين نعاقب مهرِّج الفصل، فإننا لا نفعل ذلك عقاباً له على شغبه ومرحه، وإنما لكونه أكثر مرحاً منا. ولكل هذه الأسباب مجتمعة، فإن موافقتنا على إدخال الطلاب لأجهزة الكمبيوتر المحمول إلى قاعات الدراسة، إنما فيها إقرار بمواجهة حقيقة أنه وفي عالم التنافس بيننا والطلاب على الحظوة بالاهتمام، فما من أحد من أفضل محاضرينا وأساتذتنا في جذب انتباه الطلاب، بقادر على الصمود أمام ما تمثله لعبة "السوليتير" من إغراء لمستخدمي المحمول.

ولكي يستخدم المحمول على نحو منتج وفاعل في قاعات الدرس والعملية التعليمية، فإن علينا التنازل أولاً عن هيمنتنا هذه. ويجب علينا أن ندرك حقيقة أن الطلاب لم يعودوا بحاجة تذكر لنا لمعرفة الحقائق والحصول عليها. فما أكثر الحقائق والمعلومات التي توفرها لهم شبكة الإنترنت على مدار الثانية يومياً. وبدلاً عن ذلك الدور التقليدي التعليمي القديم، فإن حاجتهم إلينا لا تزال ماسة فيما يتعلق بالكيفية التي نساعدهم بها في التعامل مع ذلك الفيض الهائل من الحقائق والمعلومات المتوفرة لهم. وإنه لمن المثير للسخرية بحق، أن يتصدى أساتذة القانون في الكليات والجامعات لهذه الحملة المعادية لاستخدام أجهزة الكمبيوتر المحمول في قاعات الدرس والمحاضرات. والسبب أن أساتذة القانون هم من تنبأ قبل غيرهم بموجة التكنولوجيا هذه، وهبوب رياحها العاتية على العملية التعليمية بأسرها منذ عدة عقود مضت. ولذلك فقد كف هؤلاء عن مجرد تدريس المواد القانونية التقليدية، واستبدلوها بتدريس المنطق الحقوقي.

واليوم فقد أصبح لزاماً على المعلمين أن يترجَّلوا عن علياء هيمنتهم، وأن يتحولوا إلى مرشدين للطلاب ويأخذوا بأيديهم عبر العملية التعليمية الطويلة المعقدة، التي لا سبيل لاستخدام التكنولوجيا الحديثة فيها. وعلينا أن نتخيل الصورة الحقيقية التي يمكن أن تكون عليها قاعة الدراسة، في حال الاستخدام الصحيح والأمثل لأجهزة المحمول. ففي اعتقادي أن الطلاب سيعملون سواء كانوا أفراداً أو مجموعات صغيرة، وينهمكون في حل المعضلات الأكاديمية التي يواجهونها أثناء الدراسة، فضلاً عن انشغالهم بحل الأسئلة الأكثر تحدياً وتعقيداً التي يواجهونها أثناء الحصة أو المحاضرة. وفوق ذلك، فهم سيعملون على جمع وتركيب تجربتهم وملاحظاتهم الخاصة، وكذلك الأفكار التي يستقونها من المعلم، وتلك المصادر والمعلومات التي يحصلون عليها من المواقع الإلكترونية المختلفة في الشبكة الدولية. ثم إنهم يتعاونون في ذات الوقت مع أفراد خارج قاعة الدراسة، عن طريق التواصل مع المستشارين والخبراء بواسطة رسائل البريد الإلكتروني. وفي كل ذلك ما يثري العملية التعليمية، ويوسع المدارك، ويعطي عمقاً إبداعياً جديداً للتحصيل الأكاديمي.

*مدير مركز تدريس التاريخ بواسطة التكنولوجيا - بوسطن

و كل ذلك بحسب رلأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دزن تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-19-5-2007