اتفاق مبدئي لحل قضية الهجرة لأمريكا

 

 

في ظل ضجة وجدل ساخن حول الهجرة لم تشهد الولايات المتحدة مثيلا له منذ قرن من الزمن، جاءت موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي على خطة يؤيدها البيت البيض لإصلاح نظام الهجرة وقضية الهجرة علي  الشرعية، ومستقبل وجود ما يقرب من 12 مليون مهاجر داخل أمريكا، بمثابة أول مقاربة في وجهات النظر بين البيت الأبيض الجمهوري، ومجلس الشيوخ ذات الأغلبية الديمقراطية. ويتوقع الكثير في واشنطن أن يمر مشروع القرار في الكونغرس بمجلسيه بعد المداولات والمناقشات المتوقعة في مجلس النواب ومجلس الشيوخ ليوقعها بعد ذلك الرئيس الأمريكي لكي تصبح قانونا.

أهم نقاط الخطة الجديدة

بمقتضى الخطة الجديدة، يترتب على المهاجرين غير الشرعيين الموجودين داخل الأراضي الأمريكية أن يدفعوا غرامة مقدارها 5 ألاف دولار، إضافة إلى عودتهم إلى بلدانهم الأصلية ليصبحوا مؤهلين للحصول على تأشيرة جديدة تسمي "تأشيرة ذي "Z".

وسيترتب على حاملي هذه التأشيرة الانتظار من 8-13 سنة حتى يتضح وضعهم بالنسبة للإقامة الكاملة في الولايات المتحدة. وتنص الخطة الجديدة على تبني نظام النقاط الذي يركز على مؤهلات المهاجرين التعليمية والمهنية ومقدرتهم اللغوية، وإعطاء هذين العاملين وزن أكبر من الروابط العائلية حتى يتم البت في منحهم بطاقات إقامة دائمة وتسمي في الولايات المتحدة "الجرين كارد"وبمقتضي الخطة الجديدة، يفرض الكثير من القيود الجديدة على إحضار الأمريكيين المجنسين لوالديهم الموجودين خارج الولايات المتحدة للعيش والاقامة فيها.

واشترط مجلس الشيوخ في خطته مضاعفة عدد قوات حرس الحدود وتقوية السور الفاصل بين جنوب الولايات المتحدة والمكسيك، وعقاب أصحاب العمل الذين يخالفون القانون وأشاد الرئيس الأمريكي جورج بوش - الذي يريد أن تكون قضية الهجرة أحد أهم إنجازات إدارته- بمضمون خطة الاتفاق المذكورة.

احتداد الجدل حول المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة

لم تشهد أن الولايات المتحدة مثل هذه الضجة والجدل الساخن حول الهجرة منذ قرن من الزمن ويشتد الجدل بين العديد من قوى الضغط داخل الولايات المتحدة، وهناك أعداد متزايدة ممن يتبنون إيديولوجية محافظة تري في الترحيب بالمهاجرين الغير شرعيين ما يهدد دولة القانون والمساواة في الولايات المتحدة.

وأشار الباحث المحافظ دافيد ولنر إلى وجود فجوة شاسعة وتناقض واضح بين هؤلاء الذين يرفضون منح المهاجرين غير الشرعيين أي نوع من العفو وهؤلاء الذين يريدون إعطائهم فرصة للحصول على الجنسية الأمريكية، هذا فضلا عن الجمهوريين الآن الذين يحاولون رأب الصدع بين الطرفين. ويري ولنر أن أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ رفضوا تقسيم المهاجرين غير الشرعيين إلى أكثر من مجموعة واحدة.

ويرى الكثيرون أن الولايات المتحدة بحاجة إلى تلك القوة العاملة التي تأتي عن طريق الهجرة، وتلعب الغرف التجارية دورا متزايدا لدعم الإصلاح الشامل في قوانين الهجرة بسبب وجود نقص حقيقي في العمال في الولايات المتحدة.

تصنيف المهاجرين غير الشرعيين إلى فئات مختلفة

شدد العديد من أعضاء الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ على ضرورة التفريق بين فئات المهاجرين المختلفة. وهناك بعض المهاجرين قدموا إلى الولايات المتحدة منذ أكثر من عشرة أعوام واندمجوا في المجتمع الأمريكي اندماجاً كاملاً، بينما قدم 40 بالمائة منهم إلى الولايات المتحدة منذ أقل من خمس سنوات أنه ينبغي للحكومة أن تتعامل معهم بطريقة مختلفة ويخشى الكثير من السياسيين الأمريكيين يخشون من أن يوصموا بالعنصرية لو قاموا بإعطاء إي دعم لعملية وقف الهجرة من البلدان الأجنبية.

و أشار ريا هدرمان Rea Hederman وهو محلل سياسي  في مؤسسة هيريتيج المحافظة Heritage Foundation على وجود خطرين فيما يتعلق بقضية الهجرة إلى الولايات المتحدة. 

أولا: يتلخص في تعليم المهاجرين المبادئ الأمريكية واللغة الانجليزية للاندماج في المجتمع.

ثانيا: يتجلى في القدوة الفرنسية السلبية التي تظهر في فشل فرنسا في دمج المهاجرين الأجانب في المجتمع، أو حتى فعل الأمر ذاته مع أطفالهم الذين ولدوا وتربوا في فرنسا ذاتها. 

موقف إدارة بوش

رغم تأييد الرئيس بوش يمضون مبادئ خطة مجلس الشيوخ، إلا أن البت البيض يدعو إلى انتهاج إستراتيجية عقلانية في التعامل مع القضية. ففي معركة مشروع الجدار الفاصل مع المكسيك، والتي انقسم تجاهها الجمهوريين، فضل الرئيس أن ينتمي إلى أصحاب الرؤية  الليبرالية في حزبه ويرفض منطق الجدار مفضلا عليه برنامج "العامل الزائر" أو منطق العصا والجزرة، فوفقا للبرنامج الذي يؤيده الرئيس سيكون من حق العمالة غير القانونية الحصول على إقامة لمدة ستة سنوات بحد أقصى على بهدف العمل. ويرى بوش أن موقفه هذا أكثر واقعية للاستفادة من الدور الذي يقوم به هؤلاء في تنمية الاقتصاد الأمريكي من جهة واحتراما لظروفهم المعيشية والإنسانية من جهة أخرى وحرصا على المكاسب السياسية، (خاصة في وقت يبلغ فيه عدد المواطنين من أصول لاتينية ما يقرب من  40 مليون) والانتخابات القادمة.

ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية مازالت أكبر دول المهجر على مستوى العالم. حيث فتحت أبوابها للهجرة قبل تأسيس أي كيانات منظمة. ومازالت الهجرة مستمرة من خلال العديد من البرامج  المتنوعة مستمرة حتى يومنا هذا. ويصر المهاجرون الجدد على التعبير عن وجودهم من خلال ملابسهم، وعاداتهم، ودياناتهم، آكلاتهم، ولغاتهم.

عفو الرئيس كلينتون.. حلم صعب الآن

في عام 1996 قدم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون تشريعا عرف بـ "عفو كلينتون" تم بمقتضاه منح ملايين المهاجرين غير الشرعيين عفوا كبيرا، وتصحيح أوضاعهم القانونية.

واليوم وبعد مرور عشر سنوات كاملة تدور الساعة مرة أخرى ويبحث الكونغرس والبيت الأبيض والإعلام والكنائس الأمريكية نفس القضية التي تسيطر على المجتمع الأمريكي وإن زاد عليها وجود ما يقرب من 12 مليونا من المهاجرين غير الشرعيين.

خيمت قضية تعديل قوانين الهجرة على الكونغرس خلال الشهور القليلة الماضية وسط اختلاف كبير في الرؤى ليس بين الديمقراطيين والجمهوريين فحسب، بل حتى بين الجمهوريين أنفسهم بشأن إيجاد الوسائل الناجحة للتعامل مع قضية الهجرة غير الشرعية وتحديد مصير حوالي 12 مليونا من المقيمين في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني. يأتي ذلك بعد خروج مظاهرات حاشدة في العديد من المدن الأمريكية احتجاجا على القانون الصارم الذي أجازه مجلس النواب في ديسمبر الماضي ويقضي بجعل التواجد داخل الولايات المتحدة بشكل غير شرعي جريمة فيدرالية يعاقب عليها القانون.

العداء للمهاجرين.. حقيقة أم لا؟

على الرغم مما يتعرض له الكثير من المهاجرين الغير شرعيين والشرعيين أيضا من صعوبات جمة، إلا أنهم استطاعوا أن يشاركوا في الحياة الاجتماعية والاندماج في نسيج المجتمع الأمريكي مع الحفاظ علي بعض الخصوصية. ومن هنا تطور ما أصبح يعرف بمصطلح "العقيدة الأمريكية" التي تتمثل في فتح الباب للمهاجرين من مختلف دول العالم، مع وجود التزام غير مكتوب وغير معلن بأن يصبحوا أمريكيين في نفس الوقت. أمريكيون لا بالحصول على شهادة الجنسية الأمريكية، وإنما بتبني نمط الحياة الأمريكي العام مع الحفاظ على أي خصوصيات ضيقة والإيمان بالأفكار السائدة الحاكمة للنظام الأمريكي. وفكرة الهجرة تاريخيا تمثلت في قدوم أفراد أو جماعات إلى للعالم الجديد (أمريكا) من أي مكان في العالم، ومن ثم بدءهم حياة جديدة كما يريدونها. ووجود الحد الأدنى من التدخل الحكومي في حياة الأفراد يمكن فهمه في هذا الإطار. وترتبط فكرة  الهجرة للولايات المتحدة بفكرة الهروب، الهروب من الاضطهاد الديني أو الطائفي أو الطبقي، أما الهروب الأهم فكان الهروب من "القديم" و"المتعارف عليه". وهي بذلك تتميز عن غيرها من بقية مجتمعات الهجرة الأخرى. وكان لانعزال الولايات المتحدة الجغرافي عن بقية العالم القديم أثره في تدعيم فكرة الهروب من القديم. وفقا للكاتب جون دي كريفكور فإن المواطن الأمريكي هو "كل من يترك خلفه كافة آرائه القديمة، وأحكامه المسبقة، ويبدأ في استقبال أسلوب جديد للحياة، وحكومة جديدة يختارها ويطيعها ويتمسك بها، ويصبح أمريكيا كل من ينضم إلينا، وفي هذه اللحظة سوف تذوب كل القوميات لتكون عرقا جديدا".

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد109