مؤتمران «متشائمان» عن سخونة المناخ والصين «تسبق» أميركا في تلويث الكوكب

 

 

الامم المتحدة تسير عكس التيار وتتفاءل بالتغلب على التلوث

لم ينجح تقرير خبراء المناخ وممثلو 105 دول التقوا في المؤتمر الذي عقدته «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيرالمناخ» التابعة للأمم المتحدة في بانكوك أخيراً، في الابتعاد عن أجواء التشاؤم بصدد آفاق ظاهرة الاحتباس الحراري التي يُعانيها كوكب الأرض، والتي سادت مؤتمراً مماثلاً عن الموضوع عينه التأم في بروكسيل ( بلجيكا) في مطلع شهر نيسان (ابريل) الفائت. وعلى رغم التفاؤل «الرسمي» الذي تبديه الأمم المتحدة في بياناتها عن إمكان التوصّل إلى حلول قريبة لمشكلة الاضطراب في مناخ الأرض، فقد اختتم مؤتمر بانكوك في الثالث من أيار (مايو) الجاري، بتقرير مُطوّل عرض الطرق التي يتوجب اتباعها للوقاية من الكوارث البيئية والبشرية والاقتصادية التي تنجم من الارتفاع المطرد في حرارة الأرض.

كما لم يمنع التشاؤم خبراء المناخ، في مؤتمري بروكسيل وبانكوك، من مناشدة الرأي العام العالمي إيلاء مزيد من الانتباه لهذه الظاهرة، التي باتت أخيراً مُكرّسة علمياً، بعد أن صارت شواهدها ملموسة بصورة شبه يومية. فمثلاً، تزامن ختام مؤتمر بانكوك مع صدور تقرير متشائم آخر من خبراء المناخ في الاتحاد الأوروبي يتوقع صيفاً غير اعتيادي في أوروبا يسوده الجفاف والحرائق والحرارة الخانقة.

ولذا، لم يتردد رئيس «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيرالمناخ» راجيبدرا باتشوري في الإعراب عن اعتقاده بأن الجهود التي يبذلها العلماء، وبمشاركة الكثير من الجهود السياسية، تؤدي إلى زيادة الوعي العام عالمياً في شأن حجم التغير المناخي المتوقع، وتأثيراته. ورأى أن ذلك الوعي في امكانه أن يُشكّل رافعة لتبني إجراءات دولية صارمة لتقليص الانبعاثات الغازية، خصوصاً ان تلك الاجراءات لا تُكلّف سوى القليل مقارنة بالتكاليف الهائلة للكوارث التي يحملها استمرار الاضطراب المناخي وتفاقمه.

في هذا السياق، ركّز تقرير مؤتمر بانكوك على الانعكاسات الاقتصادية للاحتباس الحراري، إضافة إلى عرضه مجموعة من الخيارات التكنولوجية التي قد تُجدي في معالجته. وشدّد التقرير على ضرورة الشروع في خفض انبعاث غازات التلوّث، التي صار معروفاً أنها المُسبّبة لظاهرة ارتفاع حرارة الأرض، بحلول عام 2015، لتحقيق هدف مُلح يتمثّل في ضبط الزيادة في ارتفاع درجة حرارة الأرض فلا تتجاوز درجتين مئويتين عما كانته في مطلع القرن التاسع عشر، عند بدء الثورة الصناعية. وفي المقابل، بدا مُدهشاً ان تتجنب تلك الهيئة عينها وضع برنامج مُلزم للخطوات التي ينبغي أن تتخذها الحكومات لتقليص مستوى انبعاث الغازات المُسبّبة للتلوث وللاحتباس الحراري، وخصوصاً حكومات الدول الصناعية الكبرى! والمعلوم أن كثيراً من تلك الدول لم تستطع الإيفاء بتعهداتها التي التزمت بها عند توقيعها ميثاق «كيوتو» (1998)، كما يبيّن اعلان الحكومة الكندية أخيراً، وقبل ختام مؤتمر بانكوك، عن تجاوزاتها في هذا السياق! وفي مؤتمر بانكوك، لم تُغيير الولايات المتحدة موقفها الذي «ورّطها» به الرئيس الجمهوري جورج بوش حين سحب توقيع سلفه الديموقراطي بيل كلينتون عن ذلك الميثاق. واكتفى ممثلو الولايات المتحدة في بانكوك بالإشارة إلى أن الصين تساوت مع بلادهم في مرتبة «المُلوّث الأول للكوكب الأرضي»! كما صرف ممثلو الصين جُلّ جهودهم في محاولة تجنب أن يتضمن النص النهائي حلولاً مُلزمة قد تعتبرها حكومة بلادهم غير مقبولة بالنسبة الى اقتصادها الذي يعيش فترة من نمو مُتسارع بصورة غير مألوفة. وأرسلت الصين أكبر الوفود إلى مؤتمر بانكوك. وأفلح هؤلاء في خلق أجواء من «الممانعة»، ما أدى، إضافة إلى أمور أخرى، إلى اندلاع نقاشات حامية استمرت على مدار الأيام الخمسة للمؤتمر.

ولذا، بدت نبرة باتشوري متفائلة أكثر من الوقائع حين أعلن، عند ختام مؤتمر بانكوك أنه يعتقد بأن زعماء العالم: «بدأوا يعون المعلومات التي تعرضها تقاريرنا... وسيكون هذا موضوعاً رئيساً للبحث في قمة «مجموعة الثمانية» المقرر عقدها في حزيران (يونيو) المقبل... وهناك أيضاً محاولة لمناقشة موضوع الاحتباس الحراري مُجدّداً في مجلس الأمن».

كما أشار التقرير إلى أن كلفة تجنّب الارتفاع في درجة حرارة الأرض، عبر استخدام تكنولوجيات مُتاحة راهناً، تُعتبر زهيدة بالقياس إلى تكاليف الكوارث المتصلة بالمناخ، التي قد تتفاقم في العقود المقبلة ما لم تُحلّ مشكلة الاحتباس الحراري. وبيّن ان تلك التكلفة لا تزيد على 0.12 في المئة من إجمالي الناتج المحلي السنوي لمعظم الدول.

ذكرى متشائمة عن «أيام باريس»

وتضمن التقرير الختامي لمؤتمر بانكوك مُلخصاً عن وقائع التغيّر المناخي، إضافة إلى سردٍ عن الخيارات السياسية والتكنولوجية المُتاحة أمام الحكومات لمواجهة ظاهرتي التلوث والاحتباس الحراري المُترابطتين.

والمعلوم ان السنة الحالية استُهلت بتقرير أولي عن اجتماع خبراء «الهيئة الحكومية الدولية المعنيـة بتغيّر المناخ» عقد في باريس. ولعل «أيام باريس» تلك كانـت فاتحـة أجـواء التشاؤم التي تسود راهناً في النظر إلى مشكلة الاضطراب الهائل في مناخ الأرض! وحينها، أكد الخبراء أن الاحتباس الحراري حقيقة واقعة، وكذلك حسموا، علمياً، النقاش عن علاقته بالنشاطات الإنسانية، وخصوصاً انبعاث غازات التلوّث الناجمة أساساً من حرق الوقود الاحفوري مثل الفحم الحجري والنفط.

وعقب اختتام مؤتمر بانكوك، دَعت المفوضية الأوروبية دول العالم إلى الحدّ بصورة كبيرة من انبعاثات غازات التلوّث المُسَبّبة للاحتباس الحراري.

وشدّد ستافروس ديماس، مُفوّض البيئة في الاتحاد الأوروبي على: «ان تقرير الأمم المتحدة (في بانكوك) أكّد وجهة نظر الاتحاد الأوروبي الداعية الى وجوب الشروع في خفض انبعاث غازات التلوّث خلال الـ 15 سنة المقبلة، بحيث تصل، مع حلول عام 2050، إلى نصف ما كان عليه مُعدل التلوّث عام1990». والمعلوم أن هذا الخفض هو عين ما أقرّه ميثاق «كيوتو» عن هذا الموضوع.

وفي وقت سابق من العام الحالي، تعهّد الاتحاد الاوروبي باتخاذ اجراءات اشد حزماً في مكافحة التغيّر في المناخ. ووضع هدفاً إلزامياً يقضي بخفض معدلات انبعاث غازات التلوّث بنسبة 20 في المئة بحلول عام 2020، كما اتفقت دُوَله أيضاً على زيادة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة لتنتج 20 في المئة من استهلاك دول الاتحاد للطاقة، خلال نهاية تلك الفترة عينها.

ولو وافقت دول صناعية أخرى كالولايات المتحدة على السير في خطوات مُشابهة للخطة الأوروبية، لحدث انخفاض بنسبة 30 في المئة في انبعاث غازات التلوث المُسبّبة لظاهرة الاحتباس الحراري، مع حلول العام 2020.

«المُسلمات العلمية» في مؤتمر بروكسيل

في سياق جهودها المبذولة للحد من سخونة المناخ الناجم عن تلوث البيئة، عقدت الأمم المتحدة في بروكسيل مؤتمراً لـ «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» بين 2 و6 نيسان (ابريل) الجاري. وتفحصّ المؤتمرون دراسات كان ابرزها دراسة «مجموعة الخبراء الدوليين عن تطور المناخ» التي تمحورت حول الأسباب الأساسية للتغير المناخي وتداعياته الكارثية على البيئة والتنمية البشرية والاقتصادية. كما توقعت أن تعاني دول الجنوب من الآثار المأسوية لسخونة المناخ كتعرضها لنقص في المياه والفيضانات والجفاف والتصحر وانزلاق التربة وانخفاض الإنتاج الزراعي وغرق أحواض الأنهار بأثر من ارتفاع مياه البحر الناجم من ذوبان الجليد وانتشار الأمراض والأوبئة وتزايد الوفيات وانقراض سلالات من الأنواع البريّة والبحرية وتشرد ملايين البشر وارتفاع معدلات الجوع والفقر وغيرها.

وكذلك لاحظ الخبراء ان التصدي لارتفاع درجة الحرارة يعتمد على مدى التزام الحكومات بالاتفاقات الدولية للحدّ من انبعاث غازات التلوّث المُسببة لظاهرة الانحباس الحراري؛ واعتبروها مقدمة أساساً للحفاظ على سلامة نظام البيئة الشامل (الايكولوجيا) راهناً ومستقبلا»، بحسب تعبير انشيم شتاينر، رئيس «برنامج البيئة» التابع للأمم المتحدة .

تتراكم غازات التلوث في الغلاف الجوي باضطراد 

وفي مشهد تمهيدي لما تكرّر لاحقاً في بانكوك، ساد خلاف بين الخبراء حول «التوصيف الكارثي» لمستقبل الأرض ومن عليها من انسان وحيوان ونبات. وفي المقابل، أجمعوا على ان سخونة المناخ باتت «من الملسمات العلمية». كما لفتوا إلى أن بعض الدراسات، التي اعتمدت على التشبيه الافتراضي للكومبيوتر، توقعت أن يتراوح الارتفاع في حرارة الارض بين درجتين وثماني درجات مئوية، مع حلول عام 2100. وفي السياق عينه، أجمع الخبراء على القول أن حرارة الأرض ارتفعت فعلياً بمقدار 0,7 درجة مئوية، خلال القرن الماضي، ما يعطي مؤشراً الى مواصلتها الارتفاع حتى نهاية القرن الحالي، بمعدل يتراوح بين 1,8 و6,4 درجات مئوية.

وبقول آخر، فإن حرارة الأرض سترتفع كل عشر سنوات بمعدل متراكم يصل الى نحو نصف درجة مئوية. وكذلك أكّد العلماء ان الأعوام العشرة الماضية سجلت أعلى مستوى دفء في التاريخ الموثّق لمراقبة حرارة الكوكب الأزرق.

ويعتبر الخبراء ان هذه الأمور ستغير الكثير من معالم النظام الايكولوجي، ما يُخلف آثاراً تدميرية.

وعلى المستوى البيئي، تضمنت قائمة الكوارث المحتملة تسارع ذوبان الجليد في القطبين وفي جبال «هملايا» (اعلى سلسلة جبال في العالم)، وارتفاع مستويات المحيطات والبحار بمعدل يزيد على 50 سنيمتراً، والتسبب بفيضانات هائلة تزيل معالم التربة وتحولها الى اراض غير صالحة للزراعة، وتشرد 150 مليوناً من البشر مع حلول عام 2050 بفعل الجفاف والفيضانات. وأطلق العلماء على هؤلاء النازحين المُتوقعين مُصطلح «لاجئو المناخ». كما شملت القائمة القاتمة من التوقعات حدوث عواصف عاتية تضرب حركة الملاحة في خليج المكسيك وسواحل الأطلسي، وتحوّل منطقة حوض البحر المتوسط الى شبه بحيرة جافة، واختفاء بعض المناطق المناخية والجبلية، مع ما ينجم عن ذلك من انقراض سلالات من الحيوان والأسماك والنبات.

أمراض جديدة

أما على المستوى الصحي، فقد توقّع خبراء بروكسيل انتشار أنواع من الامراض تظهر للمرة الاولى جراء تلوث الهواء والمياه، وزيادة الأمراض السارية المعروفة مثل الاسهالات الحادة وحمى التفوئيد بنسبة 2 الى 5 في المئة عن معدل انتشارها راهناً في المناطق الفقيرة من آسيا وافريقيا. كما أبدوا تخوّفهم من معاناة ملايين الناس في دول الجنوب (نحو مليار نسمة) من سوء التغذية والفقر والجوع، مع ما يرافقها من ويلات انسانية مختلفة.

وعلى المستوى الاقتصادي، نبّه الخبراء الى تهديد قرابة 3,2 مليار نسمة بالنقص الفادح في المياه، مع خسائر جسيمة في الانتاج الزراعي أيضاً (بما فيه الثروات الحيوانية والبحرية والحرجية) بأثر من الفيضانات والجفاف والتصحر، خصوصاً في افريقيا.

ولاحظوا مفارقة أن نصف الكرة الشمالي ربما شهد مناخاً غير مألوف يسوده الدفء ما يُسبّب اضطراباً بيئياً هائلاً، لكنه قد ينعش بعض المواسم الزراعية، في روسيا وكندا ونيوزلندا والدول الاسكدنافية .

باختصار ستكون الدول الفقيرة في آسيا وافريقيا عرضة لخسائر فادحة في الأرواح والممتلكات ومصادر ثرواتها الطبيعية، الأمر الذي يضاعف من تخلفها بشرياً واقتصادياً وتنموياً، خصوصاً في ظل إمكاناتها المحدودة تكنولوجياً وشح مواردها المالية اللازمة لمواجهة تلك التحديات.

أمام هذه الحالات الكارثية لم يخف بعض الخبراء ميله الى توجيه اتهامات مباشرة الى الولايات المتحدة والصين، باعتبارهما رأس قائمة الدول المُلوثة للغلاف الجوي. وشدد هؤلاء على الخطورة التي يمثلها استمرار أميركا واستراليا في الامتناع عن توقيع ميثاق « كيوتو» حتى الآن .

وفي هذا السياق، حوّل رئيس اللجنة العليا للمناخ في الاتحاد الأوروبي ستافروس ديماس جانباً من مؤتمر بروكسيل الى ما يشبه المساءلة السياسية والقانونية والأخلاقية حين خاطب ممثلي أميركا واستراليا بقوله: «لا يمكنكما ان تستمرا هكذا على موقفكما السلبي... هذا سيكلفكما اكثر من ثلث ما كلفكما سابقا». وأشار إلى: «ان المسألة أصبحت قضية سياسية أكثر منها مناخية».

وفي سياق متصل، أشار رئيس المؤتمر رئيس الوزراء البلجيكي غي فيرهوفتاد، إلى ضرورة أن تعتمد دول الغرب خصوصاً «سياسات وتدابير غير اعتيادية عاجلة». وأشار إلى ان تلكئها عن ذلك «يجعل الأمور تسير من سيئ الى أسوأ». وتضمن التقرير النهائي لمؤتمر بروكسيل تأكيداً صريحاً مفاده «أن سخونة المناخ وتداعياته الكارثية على الكوكب لم تعد فرضية قابلة للنقاش او مجرد أوهام وتكهنات... إن التحدي الحقيقي ليس بتوصيف الخسائر البشرية والبيئية والاقتصادية وفداحتها وانما بكيفية التصدي لها والتغلب على التناقضات وحل الخلافات بين الدول».

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-10-5-2007