غونزاليس: أخر فضائح إدارة بوش التي لا تتوقف

 

 

تتوالى فضائح إدارة الرئيس الثالث والأربعين في تاريخ  أمريكا جورج دبليو بوش على نحو  مثير، حيث كانت البداية  باستقالة  مستشار وزير الدفاع المعروف بـ "أمير الظلام" ريتشارد بيرل والذي ورط إدارة بوش في حرب العراق  في مارس 2003، ومن بعده وكيل وزارة الدفاع للسياسات دوغلاس فايث في أعقاب تورط أحد موظفي مكتبه بالتجسس لصالح إسرائيل، وتراجع كيرك برنارد مدير شرطة نيويورك السابق  الذي رشحه بوش لتولي منصب وزير الأمن الداخلي في ديسمبر 2004  لانتهاكه قوانين العمل والهجرة، وفضيحة سجن أبو غريب في العراق التي تم الكشف عنها في أبريل 2004، وكانت فضيحة زعيم الأغلبية الجمهوري في مجلس النواب وعلاقته برجل الأعمال جاك أبراموف هي قضية الفساد الكبرى في عام 2005 ،  ثم فضيحة تسريب اسم عميلة الـ CIA، والتي دفع ثمنها مستشار نائب الرئيس سكوتر ليبي وتم إدانته في جرائم تصل مدة عقوبتها 25 سنة،  ثم إقالة أحد رفاق بوش المقربين  وهو وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد في نوفمبر2006، وبعد ذلك تم الكشف عن استغلال مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI قانون باترويت أكت في التصنت على مكالمات والبريد الإلكتروني للمواطنين الأمريكيين في فبراير 2007،  وصولا إلى أحدث فضائح الإدارة بقيام غونزاليس بناء على تقرير لمديرة مكتبه بعد تشاورها مع مستشار الرئيس كارل روف، بإقالة ثمانية من المدعين الفيدراليين الذين لهم مواقف لا تتوافق مع إدارة الرئيس بوش.  وقد تم الكشف عن هذه الفضيحة منذ أسابيع قليلة لكن تطور حلقاتها والكشف عن المزيد من تفاصيلها بمرور الوقت  يضيق الخناق على إدارة بوش، حيث من المحتمل أن يضطر ألبرتو غونزاليس وزير العدل الأمريكي أن يقدم استقالته في غضون الأسابيع المقبلة.

غونزاليس وزير العدل في زمن الإرهاب

ألبرتو غونزاليس هو وزير العدل الأميركي الحالي تولى الوزارة بعد استقالة جون أشكروفت في نوفمبر 2004 على خلفية الانتهاكات التي شهدها معسكر غوانتانمو وسجن أبو غريب في حق المعتقلين. شغل غونزاليس المنحدر من أصول لاتينية من قبل وظيفة المستشار القانوني للرئيس بوش، ولكن بروز اسمه بصورة سلبية على الساحة الإعلامية جاء في أعقاب نشر صحيفة واشنطن بوست لمذكرة من إعداد غونزاليس يرجع تاريخها إلى شهر فبراير 2002 تقنن استخدام بعض أنواع التعذيب في التحقيق مع المعتقلين سواء في معسكر غوانتنامو أو في سجن أبو غريب العراقي. وقد أثار كشف النقاب عن المذكرة ردود فعل غاضبة من فعاليات مدنية وقانونية ولكن الرئيس بوش فاجأ الجميع بتعيين صاحب المذكرة لاحقا وزيرا للعدل.

الفضيحة الجديدة

المسألة ببساطة هي اتهام وزير العدل ومساعديه ومستشار الرئيس بوش بتعمد فصل ثمانية من محامي الادعاء الحكوميين US Attorneys  قبل نهاية عام 2006 نظرا لمواقفهم السياسية غير المؤيدة لإدارة بوش. وهؤلاء المحامون والذين يطلق عليهم أيضا المدعيين الفيدراليين Federal Prosecutors يتم تعينهم من قبل الرئيس الأمريكي عند بداية فترة رئاسته لمدة أربع سنوات،  وهم جزء من وزارة العدل ويمثلون  الحكومة  الفيدرالية قانونيا، بحيث يدافعون عن الدولة في القضايا المرفوعة ضدها، كما يرفعون دعاوى باسم الحكومة ضد الأفراد والمؤسسات في حالة وجود خصومة قانونية بين الطرفين. ويبلغ عدد المدعيين الفيدراليين 93 محاميا. وكان في الماضي يشترط اعتماد الكونغرس لتعيينات الرئيس لهؤلاء المدعيين ، لكن بندا في قانون باتريوت أكت أو (قانون الإرهاب) قد عطل هذا الإجراء.

وقصة الفضيحة التي كشفتها رسائل الكترونية متبادلة بين مسئولين في مكتب وزير العدل ومستشارين في البيت الأبيض، ترجع إلى بدايات عام 2005 ، عندما تشاور كل من كايل سمبسون رئيس المكتب السابق لوزير العدل  وكارل روف كبير مستشاري الرئيس بوش وغيرهما عن الطريقة المثلى للتخلص من المدعين المناوئين لإدارة الرئيس بوش.  وكان التنفيذ في صيف عام 2006 عندما فصلت الوزارة أحد المدعيين، ثم فصلت سبعة أخريين في ديسمبر من نفس العام. وقد كشف معظم هؤلاء لاحقا في جلسات استماع عقدت في الكونغرس خلال شهر مارس السابق، أن السبب الرئيسي وراء فصلهم هو رفض التجاوب مع أملاءات مرشحين جمهوريين لتحقيق مكاسب انتخابية ضد مرشحين ديمقراطيين فعلى سبيل المثال، رفض جون مكاي المدعي الفيدرالي في ولاية واشنطن التدخل لصالح المرشح الجمهوري لانتخابات حاكم الولاية، حيث كان يرغب الجمهوريون في إعلان المدعي الفيدرالي أن عملية التصويت قد شهدت خروقات.

الاستقالات تتوالى

كانت أول استقالة أو دفع إلى الاستقالة من نصيب مايكل باتل  المدير التنفيذي لمكتب المدعيين الفيدراليين بوزارة العدل في الخامس من مارس الماضي، ويعتبر باتل الشخص الذي قام حرفيا بفصل المدعيين الثمانية. وفي 12 مارس أعلن كايل سمبسون المستشار السابق لوزير العدل استقالته من وظيفته في الوزارة. أما مونيكا غودلينغ المستشارة الحالية لغونزاليس فقصة استقالتها مثيرة، فقد اختفت عن الأنظار بالحصول على إجازة لمدة أسبوع في تتزامن عطلة عيد الفصح  نظرا لما يعرف عنها من تدين. وبعض عودتها أعلنت رفض المثول أمام لجنة الكونغرس للشهادة استنادا إلى التعديل الخامس من الدستور، الذي ينص على الحق في عدم توريط النفس في جريمة برفض المثول أمام الكونغرس، وذلك بإرسال مذكرة إلى لجنة العدالة في مجلس الشيوخ تخبر أعضاءها بأنها ترفض الإجابة على أي سؤال للجنة ردا على دعوة الكونغرس لها بالتعاون في التحقيقات. ولكنها اضطرت في النهاية إلى تقديم استقالتها في السادس من أبريل في رسالة أرسلت بها إلى وزير العدل داعية له الله أن يباركه ويحفظه خلال هذه الأزمة كما ذكرت صحيفة بوسطن غلوب.

ضغط الكونغرس ورفض البيت الأبيض

وفي ظل هذا التصعيد ، أعلن البيت الأبيض في 14 مارس أن قرارات الفصل ترجع للأداء المهني المتواضع لهؤلاء المحامين. ودافع مستشارو البيت الأبيض ووزارة العدل عن القرارات على اعتبار أن التعيين أو الفصل هو أحد حقوق الرئيس.

رفض الكونغرس تبرير البيت الأبيض، وفوضت لجنة العدالة في مجلس الشيوخ رئيس اللجنة باتريك ليهي في 15 مارس بإصدار طلب مثول قانوني لخمسة من مسئولي وزارة العدل يفرض تورطهم في الفضيحة منهم كايل سمبسون ومونيكا غودلينغ مستشارة وزير العدل ألبرتو غونزاليس. وفي نفس اليوم جرى نقاش حول إصدار طلب مثول كارل روف مستشار الرئيس بوش وهاريت مايرز المستشارة القانونية السابقة للبيت الأبيض. وبعد معركة كلامية وجدل بين البيت الأبيض ولجنة العدالة بمجلس الشيوخ حول تسليم الوثائق ونصوص الرسائل الإلكترونية المتعلقة بالقضية وتجاهل طلبات تسليم الوثائق من جهة ورفض مثول مستشاري البيت الأبيض للشهادة، عرض الرئيس بوش في 20 مارس أن يلتقي المسئولين من أمثال كارل روف وهارييت مايرز مع أعضاء لجنة العدالة بالكونغرس في جلسات خاصة غير موثقة وغير علنية والأهم من ذلك ألا تكون شهادة المسئولين تحت القسم. وفي اليوم التالي لهذا التصريح، أصدر لجنة تابعة لمجلس النواب طلبا بمثول مستشارين للبيت الأبيض من بينهم كارل روف للشهادة تحت القسم حول دوره وما لديه من معلومات حول قضية فصل المدعيين الثمانية.

غونزاليس الذي أعلن عدم علمه بأي اتصالات أو مناقشات أدت على فصل المدعيين الثمانية، لم تشفع له اللهجة الاعتذارية التي انتهجها منذ الكشف عن تفاصيل الفضيحة، خاصة بعد أن أقر كايل سمبسون في شهادته أمام لجنة العدالة بمجلس الشيوخ أن غونزاليس أعلم لصورة موجزة بقرارات الفصل. ويتعرض غونزاليس منذ اليوم الأول للقضية لملاحقة شبه يومية من لجان الكونغرس ووسائل الإعلام، فبعد عودة أعضاء من عطلة عيد الفصح (استير)، أرسلت لجنة العدالة بمجلس النواب  يوم الثلاثاء الماضي10 أبريل إلى غونزاليس طلبا شديد اللهجة يكرر مطالبة اللجنة بالحصول على وثائق القضية في أسرع وقت. ورغم موافقة وزير العدل على الإدلاء بشهادته في جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ إلا أن المجلس يؤجل في عقد الجلسة في محاولة لتصعيد الحملة السياسة والإعلامية ضد غونزاليس على أمل أن يضطر في النهاية إلى تقديم استقالته.

غنغريتش يطالب غونزاليس بالاستقالة

انضم نوت غينغرتش أحد الرموز الجمهورية المحافظة والرئيس السابق لمجلس النواب، إلى القائمة المتنامية من قيادات الحزب الجمهوري المطالبة باستقالة وزير العدل الأمريكي ألبرتو غونزاليس ، وصرح غينغرتش في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز  أن أداء غونزاليس في قضية فصل المدعيين الفيدراليين قد أخل بمصداقية أهم شخصية مسئولة عن تطبيق القانون في الولايات المتحدة. واقترح السياسي المحافظ أن يعاد تشكيل هيكل قيادة وزارة العدل، بغض النظر عن تأثير ذلك على بقية أعضاء أدارة الرئيس بوش. السيناتور الديمقراطي تشارلز شومر والذي يقود فريق التحقيق في الفضيحة، امتدح تصريحات غينغرتش واعتبرها بداية لبناء تحالف بين الحزبين للضغط على غونزاليس لتقديم استقالته واختيار وزير جديد للعدل.

مصير غونزاليس

من الصعب التكهن بمصير غونزاليس في ظل تمسك الرئيس بوش برفيقه ومستشاره القانوني القديم، كما أن الإقالة أو الاستقالة سوف ينظر أليها باعتبارها انتكاسة جديدة لإدارة بوش ونصرا للديمقراطيين المهيمنين على مجلسي الشيوخ والنواب في مرحلة تشهد خربا مستعرة بين البيت الأبيض والكونغرس على كافة الجبهات. كما أن غونزاليس رغم اعترافه بوقوع أخطاء في عملية فصل المدعيين ، إلا أنه أعلن أكثر من مرة عدم استعداه للرحيل. ولذلك فقد سعى البيت الأبيض للتعجيل بإدلاء غونزاليس بشهادة في القضية  في جلسة استماع أمام الكونغرس حتى يتم طي القضية ووقف الجدل السياسي والإعلامي حولها. وهو الأمر الذي فطن إليه الديمقراطيون وسعوا في المقابل إلى تأجيل إدلاء غونزاليس بشهادة أسبوع تلو أسبوع إلى أن تحدد يوم السابع عشر من أبريل الجاري موعدا لشهادة وزير العدل أمام الكونغرس.    

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد104