الإنجليون و الحزب الجمهوري؛هل هناك تحالفات أبدية؟

 

 

أثر العامل الديني في الانتخابات الأمريكية

الإنجيليون والحزب الجمهوري.. التحالف المعلن!

ما هو أثر الدين في الانتخابات الأمريكية؟ هل أثر في انتخابات عام 2004؟ هل للدين أثر في انتخابات 2006؟ كيف تعاملت إدارة بوش مع الدين؟ هذه الأسئلة ما زالت تثير كثيرا من الفضول في الولايات المتحدة وخارجها. وللإجابة عنها سنقدم بعض الأدلة من دراسة الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2004 وبعض الأدلة من دراسات جديدة حول اتجاهات الرأي العام الأمريكي الآن نحو الدين والسياسة.

الإجابة المختصرة نعم للدين أثر في الحياة السياسية، كغيره من العوامل الأخرى التي تؤثر في السلوك السياسي للأفراد كالطبقة الاجتماعية، والعرق، والمنطقة الجغرافية، والآراء حول السياسة الخارجية كل هذه العوامل لها دور في تحديد السلوك السياسي للناخبين. ولكن التأثير الذي يحدثه كل عامل يختلف عن غيره من حيث الأهمية والامتداد. ومن مسلمات العلاقة بين التكوينات الاجتماعية والسياسة في الولايات المتحدة، العلاقة بين الطبقة الوسطى والحزب الديمقراطي. فالطبقة الوسطى بمستوياتها الثلاثة (الوسطى الدنيا، الوسطى الوسطى، والوسطى العليا) عادة ما تكون أقرب إلى مبادئ وأفكار الحزب الديمقراطي. وإن كان هناك انقسام بين أفراد الطبقة (الوسطى العليا) بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ومن المسلمات الأخرى أن العلاقة بين الإنجيليين (أي المسيحيين الأصوليين) والجمهوريين هي علاقة تاريخية ولكنها متأرجحة. ومن أسباب هذه العلاقة أن المسيحيين الأصوليين يركزون كثيراً على القيم الأخلاقية الدينية. فهم من حيث المبدأ ضد الإجهاض، وضد المثليين، ومع وجود دور للدين في الحياة العامة. وتلتقي الفلسفة السياسية لهؤلاء مع المبادئ الجمهورية القائلة بالحكومة الصغيرة التي كان من أبرز منظريها ومطبقيها رونالد ريغان. ومن صفات الحكومة الصغيرة كما يرونها أنها لا تتدخل في حياة الناس كثيراً فهم يؤيدون أن تنسحب الحكومة من المجالات الخدمية الرئيسة، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية. ويعيد المحافظون مقولة ريغان الشهيرة (الحكومة لا تحل المشاكل، الحكومة هي سبب المشاكل). ويرون أن الحل هو في القطاع الخاص المبني على المبادرة الفردية والتنافس الحر في السوق لتقديم الخدمات.

هل كانت الحكومة الجمهورية الحالية هي سبب المشاكل للمسيحيين الأصوليين؟ كانت أول مشاريع القوانين التي مررها الجمهوريون في عام 2001، أي بعد انتخاب جورج بوش لفترة الرئاسة الأولى، هو القانون الذي يهدف إلى عدم ترك أي طفل خارج النظام التعليمي المدرسي. وخصصت إدارة الجمهوريين أموالا تفوق كثيراُ ما أنفقته إدارة الديمقراطيين تحت إدارة كلينتون على التعليم. وبالمجمل تجاوز حجم الإنفاق الحكومي تحت إدارة بوش إنفاق أية إدارة أخرى سابقة سواء من الجمهوريين أم الديمقراطييين. من حيث المبدأ لا يتوافق الإنفاق الكبير على التعليم وغيره مع المبادئ الجمهورية القائلة بانسحاب الدولة من هذه الخدمات. ولكن في الوقت ذاته تقول المبادئ الدينية الأصولية بالتكافل بين المسيحيين. يبدو أن التناقض بين الفلسفة الدينية الاجتماعية والفلسفة السياسية المحافظة قائم لا محالة. ولعل التغيرات الكبيرة التي طرأت على العلاقة بين الحزب الجمهوري والمسيحيين الأصوليين في الفترة الراهنة من حكم الجمهوريين لها ارتباطات أخرى مثل الحرب على العراق والفضائح السياسية التي تعرض لها بعض أقطاب الحزب الجمهوري أخيراً ولكن لا شك بأن التناقض الفلسفي له أثر كبير.

منذ عام 1992 أصبح الإنجيليون الأصوليون (وهم من الطائفة البروتستانتية) أهم فئة في القاعدة الاجتماعية للحزب الجمهوري. ويشكل هؤلاء نحو ثلث الذين ينتمون للحزب الجمهوري ويصوتون لمرشحيه بشكل مستمر. ونتيجة لهذا الحال، تعتمد حظوظ الحزب الجمهوري على مدى الدعم الذي تقدمه هذه الفئة للحزب. ولكن الإنجيليين الأصوليين، كغيرهم من الناخبين، تأثروا بالأداء غير المرضي للرئيس بوش وللحزب الجمهوري. وعلى الرغم من أن الإنجيليين الأصوليين هم الفئة الأكثر دعماً للحزب الجمهوري، إلا أن مستويات دعمهم للحزب بدأت بالتراجع الجوهري مقارنة بانتخابات عامي 2002 و 2004. أما الحزب الديمقراطي فبقيت نسبة مؤيديه من الإنجيليين الأصوليين (أعضاء وناخبين) تراوح بين %27 في عام 1992 و %22 في عام 2006 مع انخفاض تدريجي على مر السنوات الاربع عشرة الماضية. ويثير هذا الفرق الطفيف بين الحزبين كثيرا من الأسئلة حول مدى انسجام الفلسفة الدينية مع الفلسفة السياسية. فالحزب الديمقراطي له فلسفة في الحكم تختلف عن الحزب الجمهوري وتقوم على العدالة الاجتماعية وزيادة الضرائب مع زيادة الدخل. ومع ذلك يحظى بدعم نحو %22 من الإنجيليين الأصوليين. يبدو أن الفرق بين مؤيدي الحزبين يكمن في نحو 27 نقطة مئوية (أي بطرح 22 من 49). التأثير في الانتخابات يحدث عندما تصبح فئة من الـ %49 غير راضية عن أداء الجمهوريين، وتكون غير متطرفة في آرائها حول آلية الوصول للعدالة الاجتماعية، أي اقرب إلى يمين الوسط منها إلى أقصى اليمين، وتكون لديها الرغبة بمعاقبة الجمهوريين، ولا تقبل الاستغلال من قبل القادة الجمهوريين. هنا يبدأ التحول باتجاهين. الأول؛ ألا يذهب هؤلاء إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات القادمة ويعني هذا احتجاجا على الجمهوريين وخسارة لأصوات ممكن أن تكون مؤكدة لهم. الثاني؛ أن يصوت هؤلاء لصالح الديمقراطيين.

ارتفعت نسبة الإنجيليين الأصوليين الذين ينتمون للحزب الجمهوري بين عامي 1999 و 2004 بشكل كبير. حيث ارتفعت من %39 عام 1999 إلى %47 في عام 2001 ووصلت أعلى حد لها %49 في 2004 وبقيت كذلك حتى هذا العام. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الانتماء للأحزاب السياسية في الولايات المتحدة بطيء ولا يتغير بشكل سريع فإن القفزة الكبيرة بين الإنجيليين الأصوليين للانتماء إلى الحزب الجمهوري تشكل ظاهرة جديدة في العلاقة بين المواطن والأحزاب السياسية. لا تظهر البيانات أن هناك تغيراً في عضوية الإنجيليين المسيحيين في الحزب الجمهوري في عام 2006. إلا أنه يظهر جلياً من البيانات المتاحة أن هناك حالة من عدم الرضا وهي بازدياد مستمر. فنسبة الإنجيليين الأصوليين الذين لديهم رأي إيجابي بالحزب الجمهوري بلغت %74 بعد الانتخابات في عام 2004. واليوم تبلغ هذه النسبة %54. بينما في المجتمع بشكل عام فقد انخفضت من %52 عام 2004 إلى %40 هذه الأيام. ويترافق مع هذا الاتجاه مؤشر آخر يعكس مدى التراجع الذي حصل لصورة الحزب الجمهوري بين الناس بشكل عام وبين الإنجيليين الأصوليين بشكل خاص. حيث إن نسبة الإنجيليين الأصوليين الذين قالوا إن (الحزب الجمهوري يحكم بنزاهة وأخلاق) بلغت في شهر يناير (كانون الثاني) 2006 نحو %55. وهذه الأيام تصل هذه النسبة إلى نحو %42. وفي هذه الفترة الزمنية لم يتحول الإنجيليون الأصوليون إلى وصف الحزب الديمقراطي بأنه نزيه وأخلاقي بل تحولوا إلى القول إن عبارة (يحكم بنزاهة وأخلاق) لا تنطبق على أي من الحزبين. وربما يعكس هذا الموقف تحولا تجاه الأحزاب السياسية بشكل عام ويطرح أسئلة من قبل أقلية في اليمين الديني ممثلة في الإنجليين الأصوليين حول مكانة الأخلاق والمفاهيم الدينية التقليدية في السياسة المعاصرة. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار القوة المتنامية لليمين الديني في الولايات المتحدة فان التمثيل السياسي الذي تقدمه الأحزاب السياسية الحالية قد يتغير استجابة لحركة نامية وبشكل متسارع في المجتمع الأمريكي نحو تأثير أكثر للدين في الحياة العامة.

وعلى الرغم من أن التصور العام عن الحزب الجمهوري هو أنه قريب من الدين ويدافع عن الدين إلا أن هذا التصور بدأ أيضا يتغير كما يبين الجدول التالي. بشكل عام انخفضت نسبة القائلين إن الحزب الجمهوري اقرب إلى الدين من %55 عام 2005 إلى %47 هذا العام. وكان الانخفاض الأكبر بين الإنجيليين الأصوليين حيث بلغ نحو 14 نقطة مئوية منخفضاُ من %63 عام 2005 إلى %49 هذا العام. وتشير البيانات المرفقة في الجدول إلى أن المتدينين بشكل عام سواء كانوا (كاثوليك أم بروتستانت) هم الأكثر امتعاضاً من الحزب الجمهوري. حيث أن التغير في آراء هاتين الفئتين هو الأكثر. ويظهر جلياً أن البروتستانت غير المتدينين والعلمانيين لا يرون أن علاقة الحزب الجمهوري بالدين قد تغيرت. والخلاصة من هذه البيانات هي أن المتدينين بشكل عام يشعرون بخيبة أمل من الحزب الجمهوري حيث يرون بأنه يبتعد عن الدين على عكس توقعاتهم بأن يكون ممثلاُ للمتدينين ويوسع دور الدين في المجال العام.

وبنفس الاتجاه حصل تحول في تصور الإنجيليين الأصوليين للرئيس بوش. في انتخابات الرئاسة عام 2004 حصل الرئيس بوش على %78 من أصوات الإنجيليين الأصوليين بزيادة 10 نقاط مئوية عما حصل عليه في انتخابات عام 2000 من نفس الطائفة. ومع بداية فترته الرئاسية الثانية كانت نسبة الراضين عن أدائه من الإنجيليين الأصوليين %72 مقارنة بـ %50 من الرأي العام الأمريكي. ولكن شعبية الرئيس تراجعت كثيراً بين الإنجيليين المسيحيين منذ شهر يناير (كانون الثاني) عام 2005 حتى وصلت إلى %57 مقارنة بـ %37 بين جميع الأمريكيين.

في آخر استطلاع بيو الذي انتهى بتاريخ 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2006 فضل ما نسبته %51 من الناخبين مرشحا ديمقراطيا بينما فضل %38 مرشحا جمهوريا. مقارنة بـ %46 للحزب الجمهوري في عام 2002 وبـ %42 للحزب الديمقراطي. من بين جميع الطوائف الدينية يبقى الإنجيليون الأصوليون هم الأكثر تأييداً للحزب الجمهوري، حيث بلغت نسبة من سيصوتون منهم للحزب الجمهوري %57 مقارنة بـ %31 للحزب الديمقراطي. ولكن يمثل هذا تراجعا كبيرا مقارنة بعام 2002 حيث كانت النسبة للجمهوريين %68.

ويبدو أن تراجع الدعم للجمهوريين بين جميع الطوائف الدينية متشابه من حيث الاتجاه والنسبة. حيث قال %37 من الكاثوليك البيض إنهم سيصوتون للجمهوريين في الانتخابات القادمة مقارنة بـ %46 في عام 2002.

وبين العلمانيين أيضاً انخفضت نسبة الذين سيصوتون للحزب الجمهوري من %33 في عام 2002 إلى %23 في الانتخابات القادمة. ولهذا عدة أسباب. فمن جهة يستميل الحزب المجهوري العلمانيين الذين يؤمنون بالمبادئ الاقتصادية للحزب مثل تحديد مسؤوليات الدولة الاقتصادية ولا يتفقون مع التوجهات الدينية المحافظة للحزب. وبالنسبة لبعض من هؤلاء كانت الإشارات الدينية الكثيرة التي استخدمها الرئيس بوش مقلقة. ويرن أن الرئيس والكونغرس المسيطر عليه من قبل الجمهوريين لم يلتزما بتخفيض إنفاق الدولة بل زاد الإنفاق وزاد معه الدين الداخلي. ولا شك أن موضوع الحرب على العراق وفساد بعض القيادات الجمهورية في الكونغرس كان له دور في تراجع تأييد العلمانيين للحزب الجمهوري في الانتخابات القادمة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: مجلة المجلة