العلاقة بين الاحتباس الحراري والجفاف

 

نيك سكواير

 

يتعرض نهر "دارلنج" الأسترالي الشهير في الوقت الراهن إلى ظروف قاسية. فمياه هذا النهر التي كانت تتدفق بقوة وعنفوان في السابق، أصبحت تجري الآن في بطء شديد تحت سماء حارقة كما تتناقص كمياتها يومياً ويتحول لونها الطبيعي بالتدريج إلى لون أخضر باهت يكشف عما آلَ إليه النهر من وهَن.

ونهر "دارلنج" هو شريان الحياة لمدينة "بوركي" التي تعتبر إحدى أشهر مدن المناطق النائية في أستراليا. وهذه المدينة التي كانت تتصف بقدرة أسطورية على التكيف مع الظروف المناخية الصعبة وصلت إلى نقطة الانهيار، وذلك عقب الجفاف الذي ضربها منذ ست سنوات، والذي يعد أطول جفاف يصيب أستراليا منذ احتلالها عام 1788 على أيدي البريطانيين.

ويقوم مربو الماشية اليائسون بتطويق وحجز قطعان الماعز الضالة التي كانوا لا يعيرونها اهتماماً في السابق بل ويعتبرونها خطراً على النباتات، على أساس أنها الشيء الوحيد الذي يمكن بيعه في الوقت الراهن بعد أن ضرب الجفاف كل شيء. وكان هذا الجفاف سبباً في إثارة مناقشة موسعة وحامية في أستراليا حول تأثير الاحتباس الحراري وما إذا كان الجفاف الذي ضرب المناطق النائية في البلاد له علاقة به أم لا. يُشار في هذا السياق إلى أن الحكومة الأسترالية التي رفضت -شأنها في ذلك شأن الولايات المتحدة- التوقيع على بروتوكول "كيوتو" تنكر وجود علاقة بين الإحماء الحراري وبين الجفاف الذي يضرب البلاد.

ووفقاً لتقرير نشرته جامعة "تشارلز ستارت" في مقاطعة "نيوساوث ويلز" فإنه ما لم يتوقف هذا الجفاف سريعاً فإن "بوركي على وجه الخصوص -وعلى الرغم من أن الجفاف قد ضرب مدناً غيرها في المناطق النائية الأسترالية- ستواجه كارثة اقتصادية واجتماعية".

ويرجع سبب تأثر "بوركي" أكثر من غيرها بالجفاف إلى أنها تختلف عن باقي المدن في تلك المناطق من حيث إنه لا توجد لديها موارد معدنية يمكن أن تعتمد عليها في حالة الجفاف، وتكاد تعتمد اعتماداً كاملاً على الرعي وزراعة القطن والموالح.

ونظراً لعدم سقوط أمطار فإن المدينة لم تنتج قطناً خلال السنوات الثلاث الماضية، علاوة على أن بساتين الموالح بها قد جفت وذوت أشجارها.

وكان "الأبورجين" وهم سكان أستراليا الأصليون هم الأكثر تأثراً بهذا الجفاف، وذلك نظراً لاعتمادهم على العمل الموسمي في مزارع القطن والمواسم كمصدر رئيسي للكسب. ويقول أحد كبار الممثلين لتلك الفئة من السكان في المدينة، ويدعى "أليستر فيرجسون" أن "الأموال قد تناقصت بشكل كبير في أيدي السكان ولم يعد لديهم منها ما يكفي لشراء الطعام والإنفاق على عائلاتهم".

ولم تسلم الحياة الفطرية في المدينة من الجفاف حيث تستلقي حيوانات "الكانجارو"، وهي تلهث في ضعف أمام أحد المباني الحكومية الواقعة بسبب عدم توافر الحشائش الطبيعية التي تعيش عليها.

وبسبب استمرار الجفاف دون أمل قريب في انتهائه، فإن المزارعين في المدينة بدأوا في بيع ممتلكاتهم ومزارعهم، أما أولئك الذين بقوا في تلك المزارع فإنهم يحاولون جاهدين أن يوفروا ما يقيم أودهم. ولكن دون وجود مراعٍ كافية، فإن هؤلاء السكان سيجدون أنفسهم مضطرين في النهاية إما إلى بيع أغنامهم وأبقارهم أو استبقائها مع شراء العلف بأعلى الأسعار. يذكر أن ستين مزرعة من مزارع تربية الماشية في مقاطعة "بوركي" (التي استمدت المدينة اسمها منها)، والتي تعادل مساحتها مساحة دولة مثل الدانمرك قد أصبحت خالية من الماشية تماماً.

ويعلق "واين أو مالي" عمدة المدينة على ذلك بقوله: "إن الجفاف الحالي هو أسوأ جفاف يضرب المدينة في تاريخها وهو يشكل اختباراً صعباً للناس وقدرتهم على مواصلة العيش".

يشار إلى أن العلماء يختلفون مع المسؤولين الحكوميين فيما يذهبون إليه من أنه ليس هناك من علاقة بين الجفاف وبين الإحماء الحراري العالمي.

حول هذه النقطة يقول "ديفيد جونز" رئيس قسم تحليل المناخ في المكتب الأسترالي للأرصاد الجوية: "لم يتم التأكد حتى الآن مما إذا كان تراجع هطول الأمطار يرجع إلى الاحتباس الحراري أم لا.. ولكن ما هو مؤكد أن ذلك الاحتباس يجعل أستراليا أكثر حرارة ويزيد بالتالي احتمالات الجفاف فيها".

وأشار "بيتر كالين" عالم البيئة المائية وعضو المجلس القومي الأسترالي لموارد المياه أن الأدلة المتوافرة تشير إلى أن الطقس في أستراليا يزداد حرارة بسبب الإحماء الحراري العالمي.

وفي استطلاع للرأي تم إجراؤه هذا الشهر، فإن 62 في المئة من أفراد الشعب الأسترالي يعتقدون أن الحكومة لا تقوم بما يتعين عليها القيام به لمعالجة موضوع الإحماء الحراري.

وقد اضطرت الحكومة الأسترالية في وجه الانتقادات الموجهة إليها في هذا الخصوص للدعوة إلى "بروتوكول كيوتو جديد"، يكون على شكل إطار معدل يشمل الصين والهند للقيام بحملة لتخفيض نسبة الانبعاثات الغازية. وهذه الدعوة تكرار للدعوة التي تم التعبير عنها في مؤتمر التغير المناخي الذي عقد، قبل أسبوعين، تحت رعاية الأمم المتحدة في العاصمة الكينية نيروبي، وفي قمة "إيبك" (منتدى التعاون بين دول آسيا والمحيط الهادئ)، الذي عقد في فيتنام نهاية الأسبوع الماضي.

وفي انتظار تبلور تلك السياسات، ومع استمرار الجفاف، وضعف احتمالات هطول الأمطار فإن سكان بعض المجتمعات المحلية في أستراليا بدأوا في الاتجاه للصلاة من أجل هطول المطر.

فعلى سبيل المثال تجمع، خلال الآونة الأخيرة، 200 من سكان مدينة "بوركي" على رصيف ميناء خشبي قديم يطل على نهر "دارلنج"، وقاموا بصلاة جماعية تضرعوا فيها لله من أجل سقوط الأمطار كي "تحيي أرضهم بعد مواتها".

*كاتب أميركي متخصص في شؤون البيئة

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-26-11-2006