كيف سيؤثر الحرب في العراق على نتائج إنتخابات الكونغرس الأمريكي

 

 

الحرب في العراق وانتخابات الكونغرس  

تعود الحرب في العراق لتسيطر من جديد على الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة لكن بشكل مختلف هذه المرة، فبعدما كانت الحرب في العراق والحملة الدولية ضد الإرهاب تمثلان محور القوة في حملات الرئيس بوش والجمهوريين في انتخابات الكونغرس، قام الديمقراطيون هذه المرة بالتركيز على الوضع الأمني المتدهور في العراق وكشف الأخطاء التي تشوب السياسة التي تنتهجها حكومة بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد لإدارة الحرب، ليعززوا موقفهم أمام الناخبين بشأن العراق وتداعياته على الأمن القومي الأمريكي، خاصة وأن القضايا الأمنية كانت تمثل نقطة الضعف في برامج الديمقراطيين.

ويأتي ذلك في الوقت الذي أظهرت فيه جميع استطلاعات الرأي العام الأمريكي أن غالبية الناخبين تعتبر الحرب في العراق قضية محورية ستؤثر على طريقة تصويتهم في هذه الانتخابات، كما أن نسبة الأمريكيين المعارضين للحرب تتصاعد يوما بعد يوم. وفي خضم كل كذلك وقبل أقل من خمسة أسابيع على موعد الانتخابات النصفية سارع كل من الديمقراطيين والجمهوريين إلى استخدام المعلومات التي تضمنها التقرير السري المعروف بإسم "التقدير الاستخباراتي القومي" National Threat Estimate  كذخيرة لمهاجمة وانتقاد بعضهما البعض.

 بالنسبة للجمهوريين تمثل الأجزاء من التقرير التي أمر الرئيس بوش برفع السرية عنها دليلا واضحا على أن العراق أصبح ساحة مركزية في الحرب على الإرهاب وأن الانسحاب منه قبل إنهاء المهمة سيعتبر نصرا  للجهاديين.

أما بالنسبة للديمقراطيين الذين طالبوا بالكشف عن التقرير بكامله وليس مجرد أجزاء منه فيعتبرون أن الخلاصات التي تضمنها التقرير تؤكد موفقهم بأن غزو العراق أسفر عن إشعال حالة الغضب والكراهية للولايات المتحدة في الدول العربية والعالم الإسلامي، وأن الرئيس بوش والجمهوريين لم يطلعوا الشعب الأمريكي على حقيقة الوضع بل قاموا بتضليله، وأن الحرب في العراق التي لم تكن حربا ضرورية أسفرت عن صرف الانتباه عن الخطر الحقيقي الذي تشكله شبكة القاعدة وحركة طالبان وأنها استنزفت الموارد المالية والقوات العسكرية اللازمة لملاحقة الإرهابييين وحماية الولايات المتحدة. 

الرئيس بوش وتسريب المعلومات

أثار تسريب المعلومات عن مضمون التقرير الاستخباراتي إلى وسائل الإعلام حفيظة الرئيس بوش الذي تتميز حكومته بالسرية والكتمان، ويعتبر هذا التسريب من داخل أروقة الحكومة الأحدث في سلسلة التسريبات التي جرت خلال الأعوام الماضية والتي كشفت عن برامج التنصت على مكالمات الأمريكيين ومراسلاتهم الالكترونية، وبرنامج جمع المعلومات المصرفية والتحويلات المالية عبر العالم، والمعتقلات السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية.

واتهم الرئيس بوش الجهات المسئولية عن التسريب بمحاولة تسييس قضية العراق لتحقيق مآرب سياسة في خضم الحملات الانتخابية، وشكك في توقيت تسريب المعلومات خاصة وأن التقريرين الصحفيين اللذين نشرتهما صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست جاءا قبل حوالى خمسة أسابيع فقط على موعد إجراء الانتخابات التشريعية الحاسمة والتي تُعتبر قضية العراق والحرب على الإرهاب قضيتين أساسيتين فيها خاصة في ظل تزايد الشعور المعارض لدى الرأي العام الأمريكي للحرب في العراق والطريقة التي تدير بها حكومة الرئيس بوش الحرب.  

وأعلن الرئيس بوش أنه أصدر أوامره لمدير الإستخبارات القومية جون نيغروبونتي برفع السرية عن أجزاء من التقرير لكي يطلع الشعب الأمريكي بنفسه على مضمون التقرير ويتم قطع الطريق أمام التأويلات الخاطئة ومحاولات التسييس، حسب تعبيره.

تقرير واحد وقراءات مختلفة

قرار الرئيس بوش رفع السرية عن أجزاء من التقرير ونشرها لم يسفر عن وضع حد للجدل الدائر حول الخلاصات التي أوردتها اجهزة الإستخبارات الأمريكية المختلفة في التقرير بل زاد في حدة الانتقادات المتبادلة بين الديمقراطيين والجمهوريين خلال الأيام القليلة الأخيرة من آخر دورة لمجلس النواب الأمريكي قبل الانتخابات المقررة في السابع من نوفمبر والتي ستسفر عن انتخاب مجلس جديد يود الديمقراطيون الحصول على أغلبية المقاعد فيه.

الديمقراطيون

اعتبر الديمقراطيون أن مضمون التقرير يكشف بشكل واضح الإخفاقات المتكررة لحكومة بوش في المجال الأمني ومحاولتها حجب تلك الاخفاقات عن الرأي العام الأمريكي. وصعدوا من حدة انتقاداتهم للرئيس بوش وطالبوا برفع السرية عن التقرير بأكمله حتى تتضح صورة الوضع في العراق ومدى تأثيرها على أمن الولايات المتحدة ومصالحها، متهمين الرئيس بوش باعتماد سياسة الانتقاء في الكشف عن المعلومات بحيث أنه رفع السرية عن أجزاء التقرير الذي تتطابق مع مواقفه المعلنة وحجب الأجزاء الأخرى التي تكشف إخفاقاته وقصور سياسته الخاصة بالعراق والحرب على الإرهاب.

وقالت زعامة الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب إن تقييم وكالات الإستخبارات الأمريكية بأن خطر الإرهاب تزايد بشكل كبير منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر يدعو للقلق البالغ ويجب أن يؤدي إلى إجراء تحقيق جاد من قبل الكونغرس بشأن السياسات التي تنتهجها الحكومة الحالية في مجال الأمن القومي. وأضافت في بيان أن من دواعي الأسف أن الكونغرس الحالي الذي يسيطر الجمهوريون على مجلسيه فشل بشكل مستمر في طرح الأسئلة الصعبة على حكومة بوش وأنه اختار مساعدة المسؤولين الحكوميين في محاولاتهم قمع أي انتقادات لسياسات بوش في مجال الأمن القومي.

وقال النائب ستيني هوير Steny Hoyer  نائب زعيمة الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب إنه يتعين على أعضاء الكونغرس من الحزبين تحمل مسئوليتهم الدستورية والقيام بمهمة مراقبة عمل الحكومة بشكل فعال ومحاسبتها على إخفاقاتها. أما السيناتور الديمقراطي جوزيف بايدن العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ فاعتبر أن الرئيس بوش بسبب سياساته الخاطئة هو الذي سمح للعراق بأن يصبح معسكرا لتدريب الإرهابيين القادمين من أنحاء مختلفة من العالم، وأن الناخبين الأمريكيين يدركون ذلك وأنهم سيعملون على تصحيحه يوم الانتخابات. 

الجمهموريون

رفض البيت الأبيض دعوات الديمقراطيين رفع السرية عن باقي أجزاء التقرير بدعوى أن من شأنه الإضرار بجهود مكافحة الإرهاب لكونه سيكشف عن الوسائل التي تعتمدها أجهزة الإستخبارات لجمع المعلومات كما أنه سيعرض حياة أعضاء وعملاء أجهزة الاستخبارات للخطر.

وقال إن التقرير يؤكد موقف الرئيس بوش بأن العراق يشكل الجبهة المركزية في الحرب على الإرهاب وأن القضاء على الإرهابيين هناك سيؤدي إلى تقويض قدراتهم على تجنيد المزيد من المقاتلين وبالتالي تقليص الخطر الإرهابي الذي تواجهه الولايات المتحدة. وقال الرئيس بوش إن الإرهابيين يتخذون النزاع في العراق ذريعة للقيام بأعمالهم الإرهابية ولحشد التأييد الشعبي في العالم الإسلامي وأنه في حال لم تقم الولايات المتحدة بغزو العراق لوجد الإرهابيون ذريعة أخرى.

مضمون تقرير الاستخبارات

تتضمن أجزاء التقرير الاستخباراتي التي أمر الرئيس بوش برفع السرية عنها عددا من الخلاصات التي توصلت إليها وكالات الاستخبارات الأمريكية المختلفة بشأن حجم الخطر الذي تشكله الجماعات الجهادية على الولايات المتحدة ومصالحها في الخارج وشرح كيفية تطور ونمو تلك الجماعات والقضايا التي تعتمد عليها لحشد التأييد لعملياتها الجهادية وتجنيد المقاتلين في صفوفها بالإضافة إلى نتائج جهود مكافحة الإرهاب. ومن أبزر الخلاصات التي تم الكشف عنها الأمور التالية:

- أن جهود مكافحة الإرهاب التي تتزعمها الولايات المتحدة قد ألحقت أضرارا كبيرة بقيادة تنظيم القاعدة وأسفرت عن عرقلة عملياته. غير أنه على الرغم من ذلك يبقى تنظيم القاعدة أكبر خطر إرهابي من قبل منظمة واحدة يهدد الولايات المتحدة ومصالحها في الخارج.

- أن  تيار الجهاديين العالمي الذي يشمل تنظيم القاعدة والمنظمات الإرهابية سواء التابعة للقاعدة أو المستقلة عنها يتوسع ويتأقلم مع جهود مكافحة الإرهاب.

- أن تيار الجهاديين العالمي يتميز باللامركزية ويفتقر إلى استراتيجية منطقية عالمية ومتماسكة، وأنه أصبح أكثر انحلالا.

- أن الجهاد في العراق يؤدي إلى تكوين وبروز جيل جديد من القادة والمقاتلين الإرهابيين، وأنه إذا تبين أن الجهاديين يحققون نجاحا في العراق فإن من شأن ذلك تحفيز وتشجيع المزيد من المقاتلين لمواصلة الكفاح في مناطق أخرى.

- أن الحرب في العراق أصبحت القضية المحورية بالنسبة للجهاديين فقد أسفرت عن تعميق حالة الغضب في العالم الإسلامي ضد التدخل الأمريكي، كما أنها تزيد في حالة التأييد لحركة الجهاد العالمية. 

- أن العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى  انتشار حركة الجهاديين أكبر من مكامن الضعف في الحركة.

- أن مكافحة انتشار حركة الجهاديين ستتطلب جهودا منسقة ومتعددة الأطراف تتجاوز عمليات اعتقال أو قتل قادة التنظيمات الإرهابية.

ويرى العديد من المراقبين أن نشر معلومات مسربة عن مضمون التقرير الإستخباراتي يشير إلى أن وسائل الإعلام الأمريكية بدأت تفيق من حالة الغيبوبة التي أصابتها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأنها تبادر في القيام بمهمتها الحقيقية المتمثلة ليس فقط في نقل الأخبار والتصريحات الصادرة عن المسئولين بل التأكد أيضا من صدقية تلك التصريحات وإجراء تحقيقات صحفية بشأنها لإطلاع الرأي العام على حقائق الأمور وليس ترديد الخطاب الرسمي للحكومة. وأبرز دليل عن صحوة وسائل الإعلام الأمريكية هو خروج الصحفي الشهير بوب وودورد Bob Woodward  رئيس تحرير صحيفة واشنطن بوست عن صمته من خلال تأليف كتاب جديد اسماه "حالة الإنكار"  State of Denial  يصف فيه حالة حكومة الرئيس بوش التي ترفض الإقرار بالوضع الحقيقي في العراق. فبعدما نشر وودورد خلال الأعوام الأربعة الماضية كتابين عن الرئيس بوش والحرب في العراق وهما "حرب بوش" “Bush’s War” و"خطة الهجوم"  Plan of Attack”   يشرح فيهما بشكل إيجابي خطط الحكومة الحالية بشأن الحرب على الإرهاب وفي العراق، ألف كتابه الجديد الذي من المرتقب أن يصدر في الأسواق خلال الأيام القليلة القادمة، أي في خضم الحملات الانتخابية، ينتقد فيه بوش وحكومته التي قال إنها تعمدت في عدم كشف الحقيقة الكاملة للوضع في العراق للشعب الأمريكي، ويكشف أن وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسينجر يجتمع دوريا مع الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني لمناقشة الإستراتيجية في العراق وكيفية إضفاء صورة إيجابية عليها.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد78