اكتشاف سويسري يطور الإنتفاع بلبن النوق

 

 

توصل باحثون سويسريون إلى طريقة مبتكرة للحفاظ على لبن النوق لفترة تصل إلى 5 أسابيع، ما يفتح بابا جديدا لإستفادة أفضل منه، ليكون مصدر ثروة غذائية هامة في عدد من البلدان الإفريقية والآسيوية.

الإكتشاف الجديد هو إحدى ثمار برنامج البحث العلمي لدعم التنمية، الذي يدعمه المعهد الفدرالي العالي للتقنية في زيورخ.

لم يكن حليب النوق بالتحديد هو الهدف من المشروع الذي دشنه المعهد المعهد العالي الفدرالي للتقنية في زيورخ ETHZ عام 1982 لدعم الأبحاث العلمية في خدمة التنمية، إذ رأى الخبراء آنذاك، أن دعم البحث العلمي للوصول إلى تطبيقات عملية هادفة، يساهم في تقديم حلول لمشكلات ملحة في الصحة العامة أو التغذية، في أمريكا اللاتينية وافريقيا جنوب الصحراء وآسيا.

ويقول الدكتور زكريا فرح، رئيس مجموعة البحث العلمي من أجل التنمية في معهد علم الغذاء والتغذية التابع للمعهد العالي الفدرالي للتقنية في زيورخ، وأحد المشرفين على هذا المشروع في المعهد بأن مشكلة لبن النوق وصلت إلى زيورخ، أثناء زيارة وفد علمي سويسري إلى جامعة نيروبي الكينية، للتعرف على المشكلات التي يمر بها الباحثون في الجامعة الافريقية، فبرزت مشكلة المعالجة الصناعية لحليب النوق، الذي لم يكن في المستطاع الإحتفاظ به لفترة تتجاوز أسبوعا واحدا رغم محاولات البسترة والتعقيم بطرق وأساليب مختلفة.

ويعد استعراض المعطيات التي جمعها الجانب الكيني، وقف الفريق السويسري أمام مشكلة حقيقية في كيفية انقاذ إنتاج غزير من حليب النوق في كينيا، كان أغلبه يذهب سدى؛ فدرجات الحرارة مرتفعة ولا توجد المبردات الكافية، مما جعل الإستهلاك محدودا وفي مجالات محددة، مع ضياع الخيرات الكثيرة التي يضمها هذا الحليب.

فيتامينات وبروتينات هامة

أما الطريقة الجديدة التي توصل إليها مؤخرا الدكتور زكريا فرح وفريقه البحثي في زيورخ ووحدة الأبحاث التابعة للمكتب الفدرالي للزراعة في برن، فتعتمد على تسخين حليب النوق لدرجات حرارة أعلى من تلك التي يتعرض لها الحليب البقري أثناء تجهيزه للبسترة والتعقيم، ولكن لفترة زمنية أقصر، وذلك للحفاظ على نوعية البروتينات والفيتامنات الهامة التي يحتوي عليها.

ويمكن بهذه الطريقة الإستفادة الكاملة من حليب النوق، سواء للشرب أو للإستخدام الصناعي لتحضير الجبن أو استخراج الزبدة، وهذا بالطبع يحافظ على نتاج ثورة حيوانية هامة في مناطق افريقية تشكو من نقص مستمر في المواد الغذائية الهامة، فضلا عن أنها مورد رزق اقتصادي موعود.

ويقول الدكتور زكريا فرح في حديث مع سويس انفو في مكتبه بزيورخ، بأن حليب النوق والبقر متشابهان في العديد من الخواص، ولكنهما يختلفان في مميزات ينفرد بها كل نوع عن الآخر، فنسبة فيتامين "ج" في حليب النوق أعلى 5 مرات مما هي عليه في حليب البقر، وكذلك ترتفع نسب الفيتامينات الأخرى مثل "ب"، فضلا على أن دهون حليب النوق أسهل في الهضم، مع وجود نسبة جيدة من الأحماض الأمينية الاساسية فيه، وأكد الدكتور فرح على أن حليب النوق غذاء صحي كامل لمرضى السكري، لاسيما كبار السن منهم.

ويسترجع الدكتور زكريا فرح في حديثه أيام صباه في الصومال، وكيف كان الأطباء التقليديون ينصحون مرضى الضعف العام والهزال، بالذهاب للإستشفاء لدى القوافل الرحل، التي تعتمد على حليب النوق بشكل أساسي في غذائها، ويقول "كان المرضى يعودون بعد فترة النقاهة في صحة جيدة للغاية، أسنانهم سليمة ووجوههم نضرة، وكنت أدرك آنذاك أن السر في الجمل، ولكن لم أكن اعرف أين بالتحديد».

حليب وزبدة وأجبان

وقد بدأ الفريق السويسري برئاسة الدكتور زكريا أبحاثه على حليب النوق منذ عام 1985، فقام أولا بدراسة التركيب العام لهذا الحليب ومقارنته مع ما تدره الماعز والأبقار، وبعد عامين بدأ بتحليله بشكل تفصيلي كامل، لتحديد النسب الدقيقة لمكوناته، من بروتينات ودهون وأحماض أمينية ومعرفة نسبة السكر والإنزيمات وغيرها.

ويشرح الدكتور فرح في حديثه لسويس انفو، أهمية التعرف بدقة على هذه المكونات، إذ كانت التمهيد لتحديد الأساليب الصناعية التي يمكن استخدامها للتعامل مع هذا الحليب، فهو ثري بالمكونات الهامة، وبالتالي فكان يجب العثور على درجات الحرارة المناسبة والمواد المضافة التي لا تؤثر سلبيا على تلك المكونات، مع الوصول إلى الحد الأقصى الممكن للإستفادة منه.

وقد ظهرت نتائج أبحاث الدكتور زكريا فرح العملية على حليب النوق تباعا، فمنذ عام 1987 توصل إلى افضل الطرق المناسبة لإستخراج الزبدة، التي تكون برفع درجة حرارة الحليب إلى درجة معينة، ثم الخفق بقوة، لتنفصل الزبدة، على عكس الحليب البقري، الذي يجب التعامل معه باردا.

وحفاظا على سر الإبتكار، لم يفصح الدكتور زكريا عن مزيد من التفاصيل، ولكنه يقول بأن السبب يعود إلى وجود نوع معين من البروتينات غير تلك الموجودة في لبن الابقار، لذا يختلف أسلوب التصنيع، وفي مرحلة تالية تم التوصل إلى الطريقة المثلى لصناعة الجبن.

خبرات عربية مهملة

وقد أعرب الدكتور زكريا فرح عن دهشته لإهمال الدول العربية لثروة الجمال لديها، فعلى الرغم من أن تونس والمغرب لديهما متخصصون أكفاء في هذا المجال ويتابعون عن كثب كل جديد فيه، إلا أن الدولتين لم تدخلا حتى الآن مجال التطبيق العملي.

كما أعرب الدكتور فرح عن أسفه لإختفاء الأبحاث العراقية التي كانت متفوقة في هذا المجال بشكل كبير، في حين توقفت الجامعات السعودية عن مواصلة البحث العلمي حول نفس الموضوع، إذ يعتقد بأن الإهتمام في منطقة الخليج ينصب على الجمال كسلالة حيوانية، وليس لإنتاج الحليب ومشتقاته، رغم أن الصناعة السعودية لها خبرة جيدة في هذا المجال، ولكنها لم تتطور بشكل يواكب ما توصل إليه العلم في هذا المضمار.

في المقابل، أشاد الدكتور زكريا فرح بتجربة موريتانيا التي تمكنت منذ 15 عاما من إقامة أول مصنع للإستفادة من حليب النوق، بتمويل بريطاني خاص وخبرة موريتانية سويسرية، وهو المصنع الوحيد من نوعه في كل الشمال الإفريقي، ويتوفر على طاقة انتاجية تصل إلى 1000 لتر يوميا، ويتم تحديثه بشكل دائم، مما يدل على نجاح فكرته.

مسيرة ناجحة

ويقول الدكتور زكريا فرح بأن الإنتاج الوفير للألبان النوق في كل من كينيا والسودان والصومال واثيوبيا، يمكن أن يحل أزمتين في آن واحد؛ الأولى في توفير غذاء أساسي عالي الجودة من الخامات المحلية والبيئية، والثاني مشروع اقتصادي متكامل حيواني وصناعي وتجاري، يمكن أن يساهم في التنمية في تلك المنطقة العامرة بمشكلات نقص الغذاء والبطالة والمرض، لاسيما وأن عدد رؤوس الجمال في تلك البلاد لا يقل عن عشرة ملايين رأس، تدر الواحدة منها ما بين 3 و 8 لترات في اليوم الواحد على مدار العام حسب فصول السنة.

لقد كلل هذا الإبتكار الجديد مسيرة الدكتور زكريا فرح مع الأبحاث المرتبطة بالجمال وحليب نوقها وبذلك تحولت نتائج أبحاثه إلى باقة فريدة ومتكاملة تساعد على الإستفادة بشكل أفضل من حليب النوق.

فإلى جانب امكانية الإحتفاظ بالحليب لمدة 5 أسابيع، تمكن الدكتور فرح والفريق العامل معه من تحديد الطريقة المثالية لإستخراج زبدة تستخدم للطهي، وأجبان لها مذاقها الخاص، ثم صاغ خلاصة أبحاثه وتجاربه مع زملائه، في كتاب يحمل عنوان "لبن ولحم من الجمل" Milk and Meat from the camel, Handbook on Products and Processing، الذي يعتبر اليوم واحدا من المراجع الهامة حول ما يتعلق بخيرات سفينة الصحراء التي غفل عنها أصحابها.

الـسـيـاق

ولد الدكتور زكريا فرح عام 1942 في قرية ألولا في أقصى شمال شرق الصومال، وتلقى تعليه الأساسي في مقديشيو، ثم تنقل بين الكويت ومصر لإتمام تعليمه الثانوي.

في عام 1965 حصل على منحة دراسية سويسرية لدراسة الكيمياء في جامعة برن، وحصل على درجة الدكتوراه منها عام 1975.

التحق بالعمل فور تخرجه لدى الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، وعمل لمدة 5 سنوات في مشروع تنموي بالبرازيل.

وفور عودته عام 1980 التحق كباحث بالمعهد العالي الفدرالي للتقنية في زيورخ، وتدرج في مناصبه كمحاضر واستاذ، ثم ترأس مجموعة البحث العلمي من أجل التنمية في معهد علم الغذاء والتغذية التابع للمعهد.

معلومات أساسية

- يقدر عدد رؤوس الجمال في شرق أفريقيا بحوالي 15 مليون رأس، أغلبها موزع على النحو التالي:

- الصومال 6 ملايين

- السودان 3 ملايين

- اثيوبيا مليون واحد

- كينيا 830000 رأس

- في موريتانيا يصل العدد إلى مليون و230 ألف رأس.

- موريتانيا هي الدولة الوحيدة في شمال افريقيا التي تضم مصنعا لمعالجة حليب النوق.

- تتراوح نسبة الدهون في حليب النوق بين 2.9 و 5.4%ـ بينما هي في حليب الأبقار ما بين 3.7 و 4.4%.

- تتراوح نسبة البروتينات ما بين 3.3% و 5.8% في حليب النوق أما في حليب البقر فهي ما بين 3.2% و 3.8%.

- تدر الناقة في اليوم الواحد ما بين 3 و 8 لترات من الحليب، حسب فصول السنة، بينما تكتفي الأبقار الافريقية بإعطاء مابين نصف لتر ولتر واحد من الحليب يوميا.

- النجاعة الإقتصادية لمشروع معالجة حليب النوق تبدأ من انتاج يومي لا يقل عن 600 لتر.