الجيش الأميركي.. أسباب العنف

 

 

هل هناك علاقة بين الفقر والعنصرية والخدمة غير النظامية وبين الانتهاكات؟

لم تهتم وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) بقتل الجنود الاميركيين للمدنيين العراقيين الا مؤخرا، وذلك بعد ان اهتم الصحافيون الاميركيون بالموضوع، وبدأوا ينشرون نتائج تحقيقات اجروها في العراق. وكان الجنرال تومي فرانكس، قائد القوات الاميركية التي غزت العراق، قبل اكثر من ثلاث سنوات، اعلن، في ذلك الوقت، انهم لا يهتمون بالضحايا العراقيين، مدنيين او عسكريين. لكن صحيفة «واشنطن بوست»، التي كانت تنشر قائمة يومية بالقتلي الاميركيين في العراق، بدأت تنشر قائمة القتلى العراقيين ايضا. واضطر الرئيس الاميركي جورج بوش، مؤخرا وبعد ثلاث سنوات، ليعلن انه يضع اعتبارا للضحايا العراقيين المدنيين.

وبفضل تقرير نشرته مجلة «تايم» عن قتل مدنيين في مدينة حديثة العراقية، وتقرير نشرته «واشنطن بوست» عن اغتصاب فتاة عراقية وقتل والديها واختها في المحمودية، اعلن البنتاغون انه يحقق في اتهامات بأن جنودا اميركيين قتلوا مدنيين في العراق. لكن الحادث الاخير في المحمودية اثار خوف كثير من الصحافيين والمراقبين الاميركيين لأنه اول حادث ينشر عن اغتصاب اميركي لعراقية، لكن سبقه بالطبع كل الشكوك القانونية فى شرعية سجن ومعاملة العشرات من السجناء فى معسكر غوانتانامو الاميركي، وممارسات الجنود الاميركيين فى سجن ابو غريب، كما انهى الجيش الاميركي تحقيقا في مجزرة اتهمت قوات مشاة البحرية (المارينز) بارتكابها بحق مدنيين عراقيين في الحديثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2005 ولم تعلن بعد نتائجه. وأثارت زيادة اخبار تعذيب وقتل المدنيين في افغانستان والعراق وغوانتانامو نقاشا وسط الاميركيين. وقدم بعضهم تفسيرات، منها العنف فى الحياة الاميركية، والذى يشمل كذلك جنود الجيش. فقد زاد العنف كثيرا في اميركا، ليس فقط في الافلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، ولكن ايضا في الحياة اليومية. تتصدر اميركا دول العالم في عدد الجرائم كل سنة (33 مليون)، وبعدها المانيا (6 مليون)، وبريطانيا (5 مليون)، وفي اسفل القائمة اليمن (25 الف). لكن اميركا تحتل المرتبة السادسة اذا حسبت الجريمة بمعدل السكان (ثمانية وسط كل مائة)، بالمقارنة مع فنلندا (عشرة)، وبريطانيا (تسعة)، وفي اسفل القائمة اليمن ايضا (واحد من واحد في المائة). لكن هناك كذلك من يرى ان نسب التعليم المتدنية هي سبب في التجاوزات التي تحدث من الجنود، بسبب خلفياتهم. فقد انخفضت نسبة التعليم عموما وسط الجنود الاميركيين. (ارتفعت، في الحقيقة، نسبة خريجي المدارس الثانوية في القوات الاميركية. وقال تقرير عسكري ان 95% من الجنود حصلوا على شهادة اكمال المدرسة الثانوية على الاقل) لكن انخفضت نسبة الذين يجيدون القراءة والكتابة وسط خريجي المدارس الثانوية في كل اميركا، وانخفضت نسبة الذين يعرفون معلومات اساسية عن اميركا (مثل اسم نائب الرئيس)، ناهيك عن معلومات عن الدول الاجنبية التي يرسل اليها الجنود.

غير ان العامل الاهم الذي يبرز هو ربما طريقة تكوين الجيش الاميركى، فقد الغى البنتاغون التجنيد الاجباري، والغى الجندية الاحترافية، وحول القوات المسلحة الى جنود متطوعين، يحارب الجندي لسنوات معينة ثم يستقيل، اذا اراد. لكن التجنيد الاجباري استعمل خلال كل الحروب الاميركية، واخرها حرب فيتنام. وعندما الغت اميركا التجنيد الاجباري انضمت الى اكثر من عشر دول اروبية الغت التجنيد الاجباري او لم تستعمله ابدا. واحتفظ البنتاغون في الوقت الحالي بقوائم «تجنيد اجباري» لاستعمالها اذا احتاج الى قوات اضافية.

وبسبب ان غالبية جنود الجيش الاميركي ليسوا من المتعلمين تعليما جامعيا وينتمون على الاغلب الى الطبقات الفقيرة، فقد قال جيمس سكيلي، الاستاذ في كلية جونياتا في ولاية بنسلفانيا والذي اشترك في حرب فيتنام، لـ«الشرق الاوسط» ان القوات الاميركية تحولت بعد حرب فيتنام «من التجنيد السياسي الى التجنيد الاقتصادي». وفسر ذلك بأن الاميركي كان ينضم للقوات المسلحة ليخدم وطنه، لكنه ينضم الآن للاسباب الآتية: اولا، يحصل على وظيفة مضمونة، لن يفصل منها. ثانيا، يزيد دخله اذا ارسل الى حرب. ثالثا، يزيد دخله اكثر اذا حقق «بطولات» في تلك الحرب. رابعا، تدفع القوات المسلحة تكاليف دراسته اذا دخل جامعة او كلية مهنية.

وأشار سكيلي الى ليندي انغلاند صاحبة الصورة المشهورة من سجن ابو غريب، وهي تدخن سيجارتها وتستمتع برؤية عراقيين يتعذبون، وقال انها وغيرها من النوع «الاكثر جهلا، واقل تطورا، واسوأ سلوكا، في الحياة العسكرية، وفي الحياة المدنية».

لكن العنصرية قد تكون سببا في تفسير التجاوزات داخل الجيش الاميركى، فقد نشرت «واشنطن بوست»، في الشهر الماضي، ان مواطنا عراقيا قال عن مذبحة حديثة «ينظر الينا الأميركيون ككلاب، ويعاملوننا ككلاب.» وقال انه كان يسمع عن نظرة الاستعلاء والاستكبار عند الاميركيين، لكنه تأكد منها بعد ما فعلوا في حديثة. ورفع متظاهرون، في مظاهرة ربع المليون التي قادتها سندي شيهان امام البيت الابيض في الصيف الماضي، لافتات تقول «اوقفوا هذه الحرب العنصرية» و«انهم ناس مثلنا» و«كى كى كى»، فى اشارة الى منظمة «كوكلس كلان» العنصرية البيضاء التي كانت تشنق السود من على فروع الاشجار. لكن اثرها كاد ان يختفي خلال العشرين سنة الماضية.

وفسرت منظمة «هيومان رايتز ووتش» (مراقبة حقوق الانسان) تصرفات الجنود الاميركيين في العراق بأنها بسبب «عادات تعودوا عليها»: «تكتيك عنيف، واطلاق رصاص بدون تمييز، واعتماد كثير على السلاح.» وفسر نوري المالكي، رئيس وزراء العراق، التصرفات بأنها بسبب «عدم احترام العراقيين»، وانهم، لهذا، «يسحقونهم بسياراتهم، ويقتلونهم لمجرد الشك فيهم. «لم يستعمل هؤلاء كلمة «عنصرية»، ولكنهم استعملوا كلمات وعبارات توضح استعلاء واستكبارا من جانب الاميركيين.

وتساءل سكيلي فى حديثه لـ«الشرق الاوسط» عن معنى كلمة «عنصرية»: «هل العنصرية فقط من جانب البيض ضد السود، والسمر، والصفر؟» وقال انه عاد مؤخرا من ايرلندا الشمالية، وشهد «عنصرية» البريطانيين ضد الايرلنديين. (لم يشر الى الجانب الديني، وهو ان البريطانيين بروتستانت والايرلنديين كاثوليك). لكنه اعلن: «البريطانيون اكثر عنصرية من الاميركيين.» لكنه اعترف: «نواجه نحن الاميركيين البيض مشكلة حقيقية مع الاقليات الملونة. وربما ستلاحظ هذا اذا سكنت وسط الفقراء البيض في ريف الولايات الجنوبية. يشكل هؤلاء نسبة كبيرة من جنود القوات المسلحة الاميركية، ومن الذين في العراق».

لكن ربما اكثر الناس قدرة على الحكم على تصرفات الجنود الاميركيين في العراق هم البريطانيون، لأنهم يفهمونهم اكثر من غيرهم، ولأنهم يعملون معهم في العراق، ولأن حوادث قتل المدنيين وسطهم اقل من التي وسط الاميركيين. وكتب البريغدير نيغل فوستر، كان ثاني اكبر ضابط بريطاني في العراق، في مجلة «ميلتاري ريفيو» الاميركية تفسيرات اخرى لتصرفات الجنود الاميركيين هناك: اولا، عنصرية غير متعمدة، لكنها واضحة. قال ان الجندي الاميركي «طيب ومؤدب»، لكنه «لا يضع اعتبارات لاحاسيس الذين يختلفون عنه في الثقافة، ولهذا، حتى اذا لم يفكر تفكيرا عنصريا، يتصرف تصرفات عنصرية». ثانيا، عنده «استعلاء اخلاقي»، و«يعاني من اعتقاد خاطئ بأن قضيته عادلة، ولهذا تبرر غايته وسيلته». ثالثا، عنده «وطنية لا حدود لها»، و يمزج «الوطنية، والعمل، والعاطفة»، ويجعلها شيئا واحدا، ولا يقدر على ان يفصلها عن بعضها البعض. رابعا، «عسكري اكثر مما يجب»، وذلك لأنه «يتفانى في اطاعة اوامر رؤسائه»، لكنه «لا يريد اغضابهم او نقل اخبار سيئة لهم». خامسا: يؤمن بالاستراتيجية الجديدة التي وضعها البنتاغون ضد الارهابيين، وهي: «قتل او اعتقال اي ارهابي او معارض مسلح»، و«تدمير العدو تدميرا كاملا وسريعا مهما كلف ذلك.» وبالرغم من الانتقادات الداخلية والخارجية، الا ان البنتاغون يدافع عن مجمل الجيش الاميركى، موضحا ان الاقلية هي التى تقوم بهذه التجاوزات. وقال متحدث باسم البنتاغون ان «الحالات القليلة التي غطاها الاعلام تغطية مبالغ فيها مؤخرا لا تعكس الخدمات الشريفة التي يؤديها 150,000 جندي من جنود التحالف يعملون الآن في العراق.» وأضاف «بينما تعمل نسبة 99.9 في المائة من قواتنا عملا شريفا، هناك عدد قليل من الافراد يختار، احيانا، ان يعمل عمل خطأ». وأشار الى ضرورة «فهم التوتر والضغط الذي تسببه العمليات العسكرية». لكنه قال ان ذلك «لا يعني اننا نقبل اي تصرف نشك فيه من الجوانب القانونية والاخلاقية والادبية». لكن هنري رامبتون، استاذ في قسم الاعلام والديمقراطية التابع لجامعة ويسكونسن، قال أن «النقطة الاساسية ليست عن حادث هنا، وحادث هناك. النقطة الاساسية هي ان الحرب نفسها تشجع مثل هذه التصرفات التي تعكس الجانب المظلم للطبيعة البشرية.» وسأل: «اذا كانت الحرب تسبب العنف والكراهية، كيف نتوقع منها ان توقف العنف والكراهية؟»

* المحكمة العليا .. متعبة الرؤساء > تقول المادة الثالثة من الدستور الأميركي «ستكون السلطة القضائية في الولايات المتحدة، تحت مسؤولية محكمة عليا واحدة، ومحاكم اقل منها، كما يقرر الكونغرس من وقت لآخر». وأسس أول مشروع قانون أجازه الكونغرس، في سنة 1789 (بعد اثنتي عشرة سنة من الاستقلال) ثلاث عشرة محكمة استئناف (متوسط محكمة استئاف لكل خمس ولايات. وحدد نفس القانون أن تتكون المحكمة العليا من ستة قضاة (أصبحوا تسعة فيما بعد)، منهم واحد رئيسهم. وأن يكون مقرها «عاصمة الأمة»، على أن تتجول المحكمة على محاكم الاستئاف (تقرر بعد مائة سنة ان توقف المحكمة تجولها). واجتعت المحكمة العليا، أول مرة، سنة 1790، في مبنى بورصة التجار في نيويورك (كانت العاصمة قبل ان تنقل الى واشنطن).

ولم تكن المحكمة العليا التي اتخذت قرارا ضد ادارة بوش في قضية معتقل غوانتانامو، خلال سنواتها الاولى، تعرف وظيفتها الاساسية، حتى أصبح جون مارشال كبير القضاة في سنة 1801، واعلن ان المحكمة ستفسر الدستور، وستفصل في المشاكل بين الجهاز التنفيذي (رئيس الجمهورية)، والجهاز التشريعي (الكونغرس)، وستحدد دستورية القوانين التي يصدرها الكونغرس، ودستورية القرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية. قضي مارشال اكثر من ثلاثين سنة في وظيفته، ويعتبر «أبا» المحكمة العليا، لأنه اعطاها صلاحيات جعلتها اقوى الاجهزة الدستورية الثلاثة، بعد ان كانت اضعفها.

لكن الحزب الجمهوري، خلال السنوات القليلة الماضية، وبعد ان سيطر على الكونغرس وعلى البيت الابيض لست سنوات متتالية، اجبر الكونغرس على ان يناقش، لأول مرة منذ مائة سنة، امكانية تخفيض سلطات المحكمة العليا خاصة، والهيئة القضائية بصورة عامة. هذا بالاضافة الى رغبته في تعيين قضاة محافظين في المحكمة العليا، وظهر ذلك في تعيين آخر قاضيين: جون روبرتز وصمويل اليتو.

لكن رغم ذلك، حكمت المحكمة العليا، في الاسبوع الماضي، ضد الرئيس الأميركي بوش والكونغرس عندما اصرت على ان المعتقلين في سجن «غوانتانامو»، بتهمة الارهاب، يجب الا تحاكمهم محكمة عسكرية لا تعطيهم حق استئناف حكمها. لكن هذه ليست اول مرة تحدت فيها المحكمة العليا رئيس الجمهورية :

اولا، امرت المحكمة العليا، في سنة 1861، الرئيس ابراهام لنكولن باطلاق سراح جون ماريمان، في واشنطن عندما هتف «يعيش الرئيس ديفز» (رئيس الحكومة الانفصالية الجنوبية خلال الحرب الأهلية). اعتقلت الشرطة الرجل بدون اذن من محكمة، لأن لنكولن كان قد جمد مواد الدستور الاميركي التي تمنع اعتقال اي شخص بدون اذن من محكمة. لكن محامي السكير، استأنف الاعتقال حتى وصل الى المحكمة العليا، التي امرت باطلاق سراح المعتقل. غضب لنكولن، وامر باعتقال رئيس المحكمة. لكن مدير الشرطة لم ينفذ امر الرئيس، ونفذ امر المحكمة العليا، آملا في منع مواجهة بين الرئيس والمحكمة العليا. وفازت المحكمة العليا.

ثانيا، حكمت المحكمة العليا، في سنة 1944 (قبل سنة من نهاية الحرب العالمية الثانية)، ضد الياباني جيرمي كروماتسو، ولصالح الرئيس فرانكلين روزفلت. اعتقل روزفلت، قبل ذلك بسنتين، 120 ألف أميركي من أصل ياباني، خوفا من أن يتجسسوا لصالح اليابان التي حاربتها اميركا خلال الحرب. لكن مع اقتراب نهاية الحرب، وتوقع هزيمة اليابان، اطلق روزفلت سراح اليابانيين الأميركيين (رغم انه انتظر حتى بعد الانتخابات، حتى لا يخسر ولاية كليفورنيا التي عاش فيها كثير من اليابانيين، وكانت أغلبية سكان كاليفورنيا تشك فيهم). ثالثا، امرت، في سنة 1974، الرئيس ريتشارد نيكسون بتسليم شرائط تسجيلات «ووترغيت» الى المحققين، وكان نيكسون قال انها «اوراق خاصة»، وانه هو الذي طلب من سكرتيرته تسجيلها ليستفيد منها عندما سيكتب مذكراته. وعندما كشفت التسجيلات، تأكد دور نيكسون في الجريمة، وكان ذلك سبب استقالته.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-8-7-2006