مصفاة نفط هولندية تلطف الهواء وتساعد على زراعة الأزهار

 

 

تبث كميات من ثاني أوكسيد الكربون داخل البيوت الزجاجية المخصصة لزراعة الورود

على بعد اميال عدة شمال روتردام، في منطقة يطلق عليها الهولنديون اسم «المدينة الزجاجية»، بسبب آلاف البيوت الزجاجية المنتشرة فيها، اصبح عدد من المزارعين، من امثال فان اووس، جزءا من تجربة غير عادية لشركة شل للنفط للحد من انبعاث ثاني اوكسيد الكربون.

ويحصد فان اووس سنويا ما يصل الى 4 ملايين وردة، ويستخدم كميات من ثاني اوكسيد الكربون داخل البيت الزجاجي الهائل لدعم المحصول. الامر غير العادي هو انه يحصل على ثاني اوكسيد الكربون مباشرة من برنيس، وهي مصفاة نفط تابعة لشل، تعتبر اكبر مصفاة في اوروبا، وتنتج سنويا كميات كبيرة من الغاز في الهواء.

وتجدر الاشارة الى ان جهد شل المتواضع في هذا الركن من اوروبا، بخفض انبعاث ثاني اوكسيد الكربون من المصفاة بنسبة 8 في المائة عن طريق تحويله الى 500 بيت زجاجي، لن يحل تحديات الانحباس الحراري. ولكن تجربة الحد من كميات ثاني اوكسيد الكربون، المسؤول الاول عن تغييرات الطقس توضح التغيير الاساسي في قطاع النفط.

ومع توقعات ازدياد استهلاك النفط في العقود القادمة، فإن عددا من كبار المسؤولين في قطاع النفط يشيرون الى ان الطريقة التي ستتعامل بها شركاتهم مع ثاني اوكسيد الكربون ستصبح في اهمية تجديد احتياطات الطاقة. وقد دفع القلق المتزايد بخصوص الانحباس الحراري عددا من شركات النفط، لا سيما في اوروبا، مثل شل و بي. به للترويج لجهودها لتطوير مصادر طاقة بديلة تنتج كميات اقل من ثاني اوكسيد الكربون، مثل الرياح والطاقة الشمسية والهيدروجينية من مصادر الطاقة المتجددة. الا ان الجهود الاكثر اهمية هي القدرة على التحكم بالغازات المنبعثة من النفط ذاته.

وفي الوقت الذي يتشكك فيه العديد من انصار البيئة في دوافع شركات النفط في تطوير مصادر طاقة بديلة، فإن العديد من كبار المسؤولين في قطاع النفط يؤكدون ان استمرار ذلك القطاع على المدى الطويل يحتاج الى تخفيف انبعاث ثاني اوكسيد الكربون وغيره من الغازات الملوثة من عملياتهم.

ويقدر خبراء المناخ ضرورة خفض انبعاث ثاني اوكسيد الكربون من الطاقة الاحفورية بنسبة النصف بحلول عام 2050.

وطبقا لتقدير وزارة الطاقة الاميركية فان انبعاث ثاني اوكسيد الكربون الناجم من النفط والغاز الطبيعي والفحم ـ ربما يزداد بنسبة 70 في المائة في الـ25 سنة القادمة، اذا لم يحدث أي شيء للسيطرة عليه. وقد بلغ اجمالي انبعاث تلك الغازات 25 مليار طن متري في عام 2003 بزيادة قدرها 4.5 في المائة عن العام الذي يسبقه. والاخطار واضحة في مصفاة برنيس. ويوجد برجان ارتفاع كل منهما 700 قدم يبثان 6 ملايين طن من ثاني اوكسيد الكربون سنويا في الهواء، او 3 في المائة من اجمالي كميات ثاني اوكسيد الكربون في هولندا كلها.

وتكرر المصفاة 412 الف برميل من النفط الخام، وتحولها الى بنزين وعشرات من المنتجات النفطية الاخرى.

وتأمل شل في بيع 500 الف طن من ثاني اوكسيد الكربون سنويا. وبالرغم من ان كميات كبيرة من الغاز تنتهي في المناخ، فإن الخفض يعتبر مكسبا صافيا بالنسبة للبيئة: فقد توقف المزارعون من امثال فان اوس عن انتاج كميات من ثاني اوكسيد الكربون.

واوضح كريس موترشيد، مستشار السياسات المناخية للمدير التنفيذي لرئيس شركة بي. به لورد براون: «المناخ سيشكل عملنا في المستقبل». ويخطط العديد من شركات النفط لانفاق مليارات الدولارات للاستثمار في مصادر طاقة لا تنبعث منها كميات كبيرة من ثاني اوكسيد الكربون او لا تنتجه على الاطلاق، مثل الرياح والطاقة الشمسية والوقود الحيوي والهيدروجين.

وتجدر الاشارة الى ان الاستهلاك العالمي من الطاقة سيرتفع بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2030، بسبب زيادة عدد السكان وزيادة الرخاء في دول العالم النامية، طبقا لوكالة الطاقة الدولية. ومعظم هذا الزيادة ستكون في مجال الطاقة الاحفورية، مثل الغاز والنفط.

واوضح الكسندر فاريل الاستاذ المشارك في جامعة كاليفورنيا، المتخصص في الطاقة وقضايا المناخ «إما ان نتمكن من ان نعالج مشكلة انبعاث ثاني اوكسيد الكربون او نقبل تغييرات مناخية حادة». وتجدر الاشارة الى ان بعض شركات النفط مثل اكسون موبايل تصر على ان ظاهرة الدفء الحراري ليست مشكلة خطيرة. وعلى العكس من شركات النفط الاوروبية، فإن مديريها يتشككون، بل ويرفضون قدرة القطاع على خفض انبعاث ثاني اوكسيد الكربون. وتفضل التركيز على ابحاث على المدى الطويل لمصادر طاقة بديلة. ويشير ديفيد فريدمان مدير الابحاث في اتحاد العلماء القلقين، ان بعض شركات النفط تخشى من فقدان السيطرة على القطاعات الاكثر ربحا في عملها، اذا لم يتحكموا في الموارد.

غير ان العديد من المديرين في شركات نفط اخرى، اكثر نشاطا في مواجهة القضية، فقد فاجأ لورد براون رئيس شركة بي. به قطاع النفط في عام 1997 عندما اعترف علنا بالعلاقة بين زيادة انبعاث ثاني اوكسيد الكربون وظاهرة الدفء الحراري. غير ان لورد براون لا يرى العالم بدون طاقة كربونية. فبالرغم من حملاتها التسويقية وعلاقاتها الجيدة مع جماعات البيئة فإن الكمية الاكبر من استثمارات الشركة التي تصل الى 15 مليار دولار ستذهب الى قطاعي النفط والغاز.

وبالمقارنة فإن جهودها في مجال الطاقة المتجددة يبدو متواضعا. فالشركة تنوي استثمار 800 مليون دولار فقط سنويا طوال العقد القادم لتطوير وسائل طاقة بديلة.

وخلال تلك الفترة تتوقع تحقيق عائدات من الطاقة البديلة قيمتها 6 مليارات دولار، وهو مبلغ كبير، الا اذا عرفنا انها حققت ارباحا بنفس المبلغ في ربع السنة الاخير فقط.

وسيركز قطاع الطاقة البديلة في بي. به على انتاج الكهرباء الذي يمثل 40 في المائة من اجمالي كميات ثاني اوكسيد الكربون. وبحلول 2015 تتوقع الشركة خفض كميات الكربون المنبعثة بـ24 مليون طن سنويا.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه شركات النفط عن الطاقة الخضراء، تجري عمليات استخراج طاقة قذرة ومكلفة على الحدود بين الولايات المتحدة وكندا، ادت الى ازدهار في مدينة فورت ماكماري الحدودية في اقليم البرتا الكندي، فشركات مثل شل وتشيفرون واكسون وتوتال تستثمر مليارات الدولارات لاستخراج النفط، مما يعرف باسم الرمل النفطي. واحتياطات هذا النفط ضخمة للغاية، يمكن ان تنافس احتياطي النفط السعودي.

ومن المتوقع زيادة انتاج النفط الرملي الكندي ثلاث مرات، بحيث يصل انتاج البلاد الى ثلاثة ملايين برميل يوميا بحلول عام 2015.

غير ان المشكلة هي ان احتياطي هذا النوع من النفط لا يندفع طبيعيا من باطن الارض، بل يجب اذابته اولا من الصخور، قبل استخراجه. وهذه العملية اكثر كلفة من استخراج النفط التقليدي من الارض، لانها تحتاج الى كميات كبيرة من الطاقة، وتنتج كميات كبيرة من ثاني اوكسيد الكربون.

فغالون البنزين المنتج من النفط الطبيعي ينتج 11 كيلوغراما من الكربون، من اليوم الذي يستخرج من باطن الارض الى اليوم الذي يتم حرقه في سيارة. و80 في المائة من هذه الكمية تنبعث عندما يتم حرق البنزين في محرك السيارة، والباقي من شركات النفط.

وبالمقارنة فإن كمية ثاني اوكسيد الكربون المنبعثة من غالون النفط من الرمل النفطي، بسبب طريقة انتاجه، تصل الى ثلاثة اضعاف الكربون بالمقارنة بالنفط التقليدي.

ولمواجهة كل هذه المشاكل فإن اكثر مشروعات شركة بي. به الطاقة البديلة، هو بناء نوع جديد من مصانع الطاقة تعمل بالهيدروجين، وتخزن ثاني اوكسيد الكربون وتحقنه في حقل قريب من النفط للمساعدة على استخراج المزيد من النفط او الغاز الطبيعي. وتصل تكلفة هذا المشروع الذي سيقام في كاليفورنيا واسكوتلندا، الى مليار دولار.

وفي هولندا، دفع قرار للحكومة باستخراج 9 في المائة من الكهرباء من مصادر طاقة متجددة، شركة شل الى اقامة مزرعة رياح في البحر ستنتج 108 ميغاوات من الكهرباء.

خدمة «نيويورك تايمز»

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-1-7-2006