دولة "طالبان" في باكستان!

 

باميلا كونستابل

 

في ولاية وزيرستان شمالي باكستان، صدرت أوامر للحلاقين بعدم حلاقة اللحى، وأعدم اللصوص علناً. وفي منطقة "سوات" تم إحراق أجهزة التلفاز والفيديو علناً... وفي منطقة "دير" تقوم الجماعات الدينية علناً بتجنيد المراهقين لمحاربة القوات الأميركية، وفي منطقة "خيبر" اقتحمت سرايا مسلحة المنازل التي تؤجر غرفاً مفروشة وأرغمت من فيها على توقيع تعهد بالتزام القوانين والأحكام الشرعية.

يحدث هذا كله في إطار مد جهادي إسلامي ينتشر الآن عبر، وفيما وراء، المناطق القبلية الباكستانية شبة المستقلة ذاتياً، والتي تحيط بحدود أفغانستان، رغم قيام باكستان بنشر قرابة 70 ألف جندي هناك.

ويقول القادة العسكريون الباكستانيون إنهم قد نجحوا في تحقيق تقدم مطرد في منطقة حزام القبائل المضطرب، ونجحوا في كبح جماح المتطرفين الدينيين الذين تتهمهم القوات الأميركية والأفغانية بأعمال العنف التي أدت إلى مصرع 500 شخص في أفغانستان خلال الشهرين الماضيين، وأجبروهم على اللجوء للدفاع. هذا ما يقوله قائد باكستاني كبير هو الليفتنانت جنرال (فريق) محمد حميد خان الذي يضيف أن قواته قد انتقلت من مرحلة العمليات الشاملة إلى مرحلة العمليات الخاطفة التي تعتمد على المعلومات الاستخبارية وأنها تسيطر الآن على العديد من المدن الرئيسية التي كانت في أيدي المقاتلين الإسلاميين من قبل.

ولكن المراقبين يقولون إن الحملات التي ينظمها الجيش منذ عام 2004، قد أخفقت حيث أدت إلى تنفير السكان بسبب الإجراءات المشددة والعنيفة وأسلوب القبضة الثقيلة الذي تعاملت به تلك القوات مع السكان، وعملها على تقويض السلطة التقليدية لزعماء القبائل ومسؤوليها، وأن ذلك كله أدى إلى تعاطف سكان هذه المناطق مع أفراد حركة "طالبان" التي يرتبطون معها بروابط عرقية، ما مكن مقاتلي هذه الحركة من الاستيلاء على مواقع جديدة، وجعلت منها دولة داخل الدولة في بعض المناطق، حيث تقوم بالدعوة للجهاد عبر محطات "إف إم" خاصة، كما تمارس المهام الحكومية والقبلية -بعد أن قوضت الحكومة المنظومة القبلية في تلك المناطق- وتنشئ محاكم عرفية لحل المنازعات، بل وتعدم اللصوص بعد محاكمات عاجلة أمام الجمهور.

في الأسبوع الماضي أدى اكتشاف مقتل صحفي في وزيرستان الشمالية يدعى حياة الله خان إلى إثارة موجة من الفزع والاحتجاجات في المنطقة. وهذا الصحفي الذي كان مفقوداً منذ ديسمبر الماضي عقب كتابته لتقرير جاء فيه أن الولايات المتحدة تعدت على حرمة التراب الباكستاني، عثر عليه ميتاً وقد أطلقت على رأسه رصاصة وقيدت يداه. ورغم أن المسؤولين الباكستانيين قد اتهموا المتطرفين بقتله، فإن أقاربه يعتقدون أن الاستخبارات الباكستانية هي التي اغتالته.

والعديد من منتقدي حكومة باكستان -ومنهم الرئيس الأفغاني حميد كرزاي شخصياً- يتهمون الاستخبارات الباكستانية بإذكاء نيران التطرف الإسلامي في المناطق القبلية كوسيلة لإبقاء أفغانستان في حالة عدم استقرار، وجعلها قابلة باستمرار للسيطرة الباكستانية.

ويقول الأشخاص الذين زاروا هذه المنطقة في الآونة الأخيرة، إن قوات الجيش الباكستاني لم تعد تُرى في الشوارع، وإنها قد لزمت قواعدها، وذلك بعد أن منيت بخسائر فادحة أثناء مواجهتها مع القبائل والمتشددين، كما تعرضت في الفترة الأخيرة إلى موجة من عمليات تفجير الألغام، والعمليات الانتحارية التي استهدفت قوافل الجيش الباكستاني في المقام الأول.

ويقول شخص يدعى "ختاك"، وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان، إن "الحكومة تقول إنها تقوم باللازم لمقاومة المتطرفين ولكن هذا لا يحدث... وفي رأيي أن مصدر المشاكل كلها هو هنا وليس في أفغانستان، علاوة على أن العنف السائد حالياً هنا يمكن أن يمتد إلى أماكن أخرى بسبب الدعم المتزايد الذي تحصل عليه طالبان، سواء من السكان أو من جانب الأحزاب الإسلامية التي تسيطر على الحكومة الإقليمية في هذه المنطقة".

والتأييد الذي تلقاه "طالبان" من السكان المحليين يمكن الاستدلال على بعض مظاهره مما يقوله رجل كث اللحية يرتدي عمامة سوداء و يدير مدرسة دينية للأولاد يدعى "وحيد الله" حيث وصف الجنود الأميركيين بأنهم برابرة متوحشون، في حين أن معظم أفراد "طالبان" هم إما رجال دين أو أناس جادون، وإن الأوضاع أيام حكم "طالبان" كانت تتسم بالهدوء والعدل والنظام، في حين أن ما يواجهه سكان المنطقة الآن هو القسوة وعدم العدالة والجريمة، وإنه لولا المسؤوليات العديدة الملقاة على عاتقه لكان قد انضم إلى "طالبان" في القتال الذي تخوضه حالياً ضد أعدائها.

مراسلة "واشنطن بوست" في بيشاور- باكستان

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-21-6-2006