الظروف البيئية وأثرها على الحالة الصحية

 

د. أكمل عبد الحكيم

 

هل من الممكن تجنب الإصابة بجزء كبير من الأمراض الشائعة؟ وما مقدار الصحة التي يمكن أن نتمتع به جميعاً إذا ما نجحنا في إدارة المصادر والعوامل البيئية التي نعيش فيها، بشكل أفضل؟ إجابة هذه الأسئلة تضمنها تقرير صدر يوم الجمعة الماضي عن منظمة الصحة العالمية، وأظهر أن 24% من الأمراض التي تصيب العالم -أو واحداً من كل أربعة- تنتج عن التعرض لعوامل وظروف بيئية كان من الممكن تجنبها جميعاً. ويذهب التقرير إلى أبعد من ذلك، حين يظهر أن 33% -أو واحداً من كل ثلاثة- من الأمراض التي تصيب الأطفال، في عمر أقل من خمس سنوات، تنتج عن نفس العوامل والظروف البيئية. وهو ما يمكن ترجمته إلى حياة أربعة ملايين طفل، يلقون حتفهم كل عام من جراء الآثار السيئة لتلك الظروف والعوامل، خصوصاً في الدول النامية. ولكن ما هي الصحة؟ وبالتالي ما هو المرض؟ وكيف يمكن للظروف البيئية أن تمنح الصحة، أو أن تسبب المرض؟ بداية، يمكن أن نعرِّف الصحة على أنها منظومة متعددة الجوانب، تشترط غياب المرض، بالترافق مع القدرة على أداء الوظائف اليومية الاعتيادية، من خلال الكفاءة البدنية الأساسية، وبشرط التمتع بحياة ذات نوعية عالية. هذا التعريف يظهر أن الصحة هي حالة مُعقدة مركبة ومتشابكة، يمكن وصفها على أنها حالة من التوازن يعيش فيها الكائن الحي، مع وجود احتمالات جيدة باستمرار البقاء على قيد الحياة. ولكن بسبب الطبيعة غير المباشرة للتعريف السابق، يلجأ الكثيرون للاعتماد على التعريف الصادر من منظمة الصحة العالمية عام 1946، والناص على أن الصحة هي: حالة من السلامة الكاملة، على الصعيد البدني والعقلي والاجتماعي، وليس فقط مجرد غياب المرض أو الإعاقة.

مثل هذا التعريف، يقودنا بالتبعية إلى مفهوم الصحة البيئية Environmental Health، والذي يشمل الجوانب المتعددة من صحة الإنسان، التي يمكن أن تتأثر بالعوامل البيئية المختلفة. أو بمعنى آخر، الأمراض والعلل التي يمكن أن تصيب الإنسان، نتيجة اختلال الظروف البيئية المحيطة. مثل تأثير العوامل البيئية الكيميائية والإشعاعية البيولوجية، المباشرة وغير المباشرة، على الجانب الجسدي والنفسي والاجتماعي للحياة الإنسانية. وتمتد قائمة هذه العوامل لتشمل الظروف البيئية الجمالية، مثل نوعية الإسكان، وشكل التطور العمراني، وأساليب استغلال الأراضي، وحتى نوعية وكفاءة الطرق والمواصلات. كل هذه العوامل والظروف، يؤمن الأطباء بأنها تلعب جميعاً دوراً محورياً في احتمالات الإصابة بالأمراض، وفي المستوى الصحي العام للأفراد. وهو ما يجعل من الصحة البيئية مظلة واسعة، تغطي في طياتها هموماً صحية أخرى كثيرة، مثل نقص التغذية، ومشاكل التلوث، وقضية التخلص من النفايات.

جميع هذه الجوانب، والعلاقة بين البيئة والحالة الصحية، كانت محور التقرير الصادر عن المنظمة الدولية هذا الأسبوع، بعنوان: "الوقاية من الأمراض من خلال بيئة صحية"، والذي يعتبر من أكثر الدراسات النمطية شمولية، في تحديد سبل الوقاية من المخاطر البيئية، وكيف يمكن لهذه المخاطر أن تتسبب في طائفة واسعة من الأمراض ومن الإصابات. حيث أمكن للقائمين على التقرير تحقيق هذه الأهداف، من خلال التركيز على العلاقة السببية المباشرة بين البيئة وبين الأمراض، ومن خلال سبر جوانب تأثير البيئة على الأمراض المختلفة، وهو ما يعتبر اختراقاً مهماً في فهم أشكال التفاعل بين البيئة والمرض. فمثلاً، تشير الإحصائيات المتضمنة في التقرير، إلى أن أكثر من ثلاثة عشر مليون وفاة سنوياً، تحدث نتيجة أسباب بيئية كان من الممكن تجنبها. بينما ينتج قرابة ثلث الأمراض والوفيات التي تحدث في مناطق العالم الأكثر فقراً، من جراء أسباب بيئية. فعلى سبيل المثال، يمكن من خلال أساليب أفضل لإدارة البيئة المحيطة، تجنب 40% من الوفيات الناتجة عن مرض الملاريا، وحوالى 95% من الوفيات الناتجة عن الأمراض المسببة للإسهال، واللذين يعتبران معاً من أكثر الأمراض فتكاً بأطفال العالم. وبالإضافة إلى الملاريا والإسهال، نجد أن عدوى المجاري التنفسية السفلى، والأشكال المختلفة للإصابات الناتجة عن الحوادث، تشكل معاً قائمة الأمراض الأكثر تأثراً بالعوامل البيئية. هذه الأمراض يمكن تخفيف وطأتها على المجتمعات التي تبتلى بها، من خلال إجراءات بسيطة، تحسِّن من مستوى إدارة البيئة المحيطة، مثل التخزين الآمن والنظيف للمياه المستخدمة في الأعراض المنزلية، وتحسين مستويات النظافة، واستخدام أنواع من الوقود أكثر أمناً وأقل تلويثاً، وزيادة مستوى معايير السلامة في البناء، مع تطبيق المزيد من الحذر في أساليب استخدام وطرق التخلص من المواد السامة سواء في المنزل أو بيئة العمل، وترشيد استهلاك واستخدام ما هو متاح من مصادر مائية محلية.

جدير بالذكر أن العلاقة بين تأثير الظروف البيئية والحالة الصحية، كان دائماً محل اهتمام العاملين في مجال الصحة العامة الدولية، وتم تضمينه في العديد من المبادرات العالمية، مثل إعلان القرن الصادر عن الأمم المتحدة (United Nations Millennium Declaration)، مع إدراجه في العديد من الاجتماعات الوزارية الإقليمية الخاصة بالصحة والبيئة. ولكن رغم هذه الأهمية، ورغم الاهتمام الواسع بهذه القضية، لا زالت أهمية الصحة البيئية في الوقاية من الأمراض وما ينتج عنها من وفيات وإصابات، لا تقدر حق قدرها، ولا تحظى بالإدراك الكامل لجميع جوانبها وتوابعها. وهو القصور الذي يتسبب سنوياً في عدد لا يحصى من الأمراض، ومن الوفيات التي تتخطى الملايين كل عام.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-19-6-2006