هل يؤدي استقلال "الجبل الأسود" إلى انفصال كوسوفو ؟

 

نيكولاس واد

 

بعد سبع سنوات على وضع كوسوفو تحت إدارة الأمم المتحدة، يبدو من المرجح أنه سيتم السماح للإقليم بالانفصال عن صربيا رسمياً ليصبح دولة مستقلة، حيث يبدو أن أعضاء مجلس الأمن الدولي يميلون إلى السماح لكوسوفو بالاستقلال. ومن المرتقب أن يصوت المجلس على مصير كوسوفو بنهاية العام الجاري، اللهم إلا إذا توصل الصرب وألبان كوسوفو، الذين دخلوا في مفاوضات منذ عدة أشهر لم تثمر بعد، إلى حل.

غير أن دولاً قوية في المجتمع الدولي تخشى أن تشجع خطوة من هذا القبيل حركات انفصالية في أماكن أخرى من العالم على تكثيف صراعاتها، وبالتالي أن تمنح المجموعات الانفصالية الناشئة أملاً في الانفصال. وفي سابقة من نوعها، أشارت روسيا التي كانت تعارض بقوة استقلال كوسوفو، إلى أنها قد ترحب بانفصال حركات موالية لروسيا في كل من جورجيا ومولدوفا.

وقد عملت الدول الست التي تشرف على وضع مخطط لمستقبل كوسوفو –وهي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وألمانيا وروسيا- على تنسيق السياسة الدولية هناك منذ أن أصبح الإقليم خاضعاً لمراقبة الأمم المتحدة، حيث أعلن ممثلو هذه الدول أنهم سيحاولون صياغة قرار لمجلس الأمن الدولي يكون خاصاً بالإقليم وعلى نحو يتلافى تشجيع حركات انفصالية أخرى.

يذكر أن الأمم المتحدة تدير كوسوفو، وهو إقليم رسمياً وإلى الآن جزء من صربيا، وذلك منذ يونيو 1999 عندما تم إجبار القوات اليوغسلافية المتهمة بارتكاب فظاعات واسعة النطاق، على الانسحاب بعد أشهر من عمليات القصف الجوي التي تزعمها "الناتو"، حيث قُتل في عامي 1998 و1999 نحو 10000 شخص، معظمهم من المدنيين الألبان، في وقت عمل فيه الجيش اليوغسلافي ذو الأغلبية الصربية، إلى جانب قوات الشرطة الصربية، على قمع تمرد ألباني.

ويعبر الدبلوماسيون الذين يمثلون الولايات المتحدة وبريطانيا في المحادثات، عن اعتقادهم بأن الحل الوحيد الذي سيقبله ألبان كوسوفو هو الاستقلال. غير أن الدبلوماسيين شددوا على ضرورة أن تقدم الدولة الجديدة، في حال قيامها، ما يكفي من ضمانات للأقلية الصربية في الإقليم. وعلاوة على ذلك، تسعى الحكومات الغربية أيضاً إلى إيجاد حل عاجل للنزاع لأنها قلقة إزاء نفقات تمويل قوات حفظ السلام والموظفين الدوليين، الذين يديرون الإقليم حالياً، والتي عليهم تحملها.

غير أن القادة الصرب، الذين لم يتجاوزوا بعد الآثار النفسية لانفصال الجبل الأسود مؤخراً عن صربيا ويعارضون بقوة انفصالاً آخر، يرون أن استقلال كوسوفو من شأنه أن يشجع على تفكك البوسنة والهرسك، وهي إحدى الجمهوريات اليوغسلافية الأخرى. وفي هذا السياق، قال "ميلوراد دوديك" رئيس جمهورية صرب البوسنة –وهي المنطقة التي استولى عليها صرب البوسنة خلال حرب 1992-1995- إن المنطقة ينبغي أن "تؤكد على حق تقرير المصير" عبر إجراء استفتاء. يذكر أن تلك الجمهورية ظلت جزءاً من البوسنة منذ نهاية الصراع، غير أن العديد من ساسة صرب البوسنة أعربوا في أكثر من مناسبة عن أملهم في الاتحاد مع الجارة صربيا. والواقع أن من شأن الاستفتاء تفكيك البوسنة وإثارة أعمال العنف من جديد.

وإذا كان "دوديك" قد خفف من لهجته لاحقاً، وقال إن اقتراحه كان "نظرياً"، فإن الساسة الصرب في المنطقة يرون أنه في حال حصول كوسوفو على الاستقلال، فمما لاشك فيه أن الضغوط ستتكاثف في اتجاه تفكيك البوسنة. وفي هذا الإطار، أشار بعض الساسة في صربيا إلى أن كوسوفو نفسها ينبغي تقسيمها بحيث يُسمح للشمال ذي الأغلبية الصربية بأن يظل جزءاً من صربيا، في حين يشكل الجنوب ذو الأغلبية الألبانية حكومته الخاصة. وفي هذا السياق، قال "سيدومير أنتيك"، العضو في حزب "جي 17" المشارك في الائتلاف الحكومي: "إذا كان الألبان يرغبون في الاستقلال، فربما يتعين عليهم تقديم شيء ما كمقابل".

إلى ذلك، وعقب تهديد زعماء محليين بتشكيل مجموعات حراسة من الأهالي بهدف توفير الأمن للصرب لمواجهة الألبان، أعلنت بعثة الأمم المتحدة إلى كوسوفو مؤخراً نشر 500 شرطي إضافي. أما الزعماء الألبان، فيرون أن التهديدات تؤشر إلى نوايا انفصالية. وفي هذا الخضم، أعلنت قوة حفظ السلام التي يتزعمها "الناتو" أنها ستعيد فتح قاعدة عسكرية بالمنطقة.

ومن جهة أخرى، من المرجح أن تسعى منطقتان انفصاليتان من جورجيا ومواليتان لروسيا، هما أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، إلى إعلان الاستقلال. يذكر أن المنطقتين خرجتا عن سيطرة حكومة جورجيا منذ أوائل التسعينيات. علاوة على ذلك، من المحتمل أن تسعى ترانسنيستريا أيضا، وهي منطقة انفصالية تقع بالجهة الشرقية من مولدوفا، إلى الحصول على الاستقلال.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوضح في يناير المنصرم أنه يعتبر كوسوفو سابقة بالنسبة للقوقاز قائلا: "إذا كان أحد يرى أنه علينا منح كوسوفو الاستقلال الكامل، فلماذا نحرم سكان أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية من هذا الحق؟". وقد أعلن ساسة أبخازيا مؤخراً أن مطالبهم بالاعتراف الدولي أقوى من مطالب كوسوفو لأنهم ليسوا تحت الحماية الدولية ولأنهم –كما يقولون- يتوفرون على حكومة ديمقراطية منذ اثني عشر عاماً.

مراسل "نيويورك تايمز" في بلغراد

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز" -14-6-2006