نحو أدوية أكثر أمناً لعلاج الأطفال

 

 

صدِّق أو لا تصدق: 90% من الأدوية التي تستخدم في علاج الأطفال حديثي الولادة، و50% من الأدوية التي تستخدم في علاج الأطفال بوجه عام، لم يتم اختبار نتائجها، أو التأكد من سلامة استخدامها على أي طفل. فالعرف السائد حالياً في المجتمع الطبي عند علاج الأطفال، أن يتم تحديد نوع الدواء وجرعته، وفي أكثر من نصف الحالات، بناء على التجربة والخبرة المستقاة من استخدام نفس الدواء على البالغين وغني عن التنويه بالطبع، أن مثل هذا الأسلوب يحمل في طياته مخاطر محتملة، حيث إن الأطفال ليسوا مجرد (بالغين صغار الحجم). فالمعروف أن بعض العمليات الحيوية والفسيولوجية، تختلف كلياً أو جزئياً عند الأطفال، عما هي عليه عند البالغين، مثل سرعة وكمية امتصاص الدواء مثلاً، أو أسلوب تخلص الكبد والكليتين من الدواء. هذه الحقائق، هي بالتحديد ما تعرض له تقرير صدر عن مجلس اللوردات البريطاني في شهر فبراير الماضي، ودفع بالاتحاد الأوروبي يوم الجمعة الماضي، إلى الموافقة على تمرير قوانين وإجراءات جديدة، تهدف إلى إخضاع المزيد من الأدوية والعقاقير إلى البحوث والدراسات المناسبة من قبل شركات الأدوية، قبل أن يتم استخدامها على الأطفال.

 وفي مقابل التكاليف والنفقات الإضافية التي ستتحملها شركات الأدوية لإجراء مثل تلك البحوث والدراسات، وافق الاتحاد الأوروبي على أن يتم تمديد فترة حقوق الاختراع لمدة ستة أشهر إضافية، عما هي عليه حالياً. هذه الفترة الإضافية، ستمنح الشركات فترة امتياز حصرية لتصنيع وبيع الدواء، تمنع فيه الشركات المنافسة من تصنيعه خلالها. ويتوقع أن ما ستحققه الشركات من أرباح خلال هذه الفترة، سيكون كفيلاً بتغطية النفقات والتكاليف الإضافية المصاحبة لدراسة التأثيرات المتوقعة للعقار على الأطفال.

ولكن من هم الأطفال بالتحديد؟ هذا السؤال الفلسفي، يحمل أهمية كبيرة في قضية الأطفال والأدوية. فبداية، إلى أي سن، يجب على شركات الأدوية تجربة واختبار عقاقيرها؟ حتى سن العاشرة فقط، أم الرابعة عشرة، أم الثامنة عشرة؟ وعند أي عمر، يمكن للطبيب البدء في وصف دواء مخصص للبالغين؟ إجابة هذه الأسئلة ليست بالمهمة السهلة، كما يبدو للوهلة الأولى. فللأسف، لا يوجد تعريف متفق عليه لتحديد من هو الطفل، ومن هو البالغ، سواء من الناحية الطبية أو القانونية أو اللغوية.

فالقواميس والموسوعات مثلاً، تعرِّف الطفل على أنه الشخص الذي لم يصل بعد إلى سن البلوغ. وهو ما يعني أن الشخص الذي وصل إلى مرحلة البلوغ، في سن العاشرة مثلاً - وهو ليس بالأمر النادر- لم يعد طفلاً.

أما حسب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل (United Nations Convention on the Rights of the Child)، فيعرف الطفل على أنه أي إنسان تحت سن الثامنة عشرة. ولذا حسب هذه الاتفاقية، لا زال يعتبر طفلاً، من قد تزوج في سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة، وأنجب طفلاً أو طفلين، وهو ليس بالشيء النادر في الكثير من المجتمعات حتى يومنا هذا. هذا التضارب القانوني، بدا واضحاً للعيان بشكل جلي في شهر مارس الماضي، عندما قرر البرلمان الفرنسي، رفع سن الزواج للإناث من الخامسة عشرة إلى الثامنة عشرة وهو ما يعني أنه بين عشية وضحاها، أصبحت من هي بين سن الخامسة عشرو والثامنة عشرة طفلة، لا يجوز الزواج منها، بعد أن كانت قبل أيام قليلة أنثى بالغة رشيدة.

ويحاول المجتمع الطبي حل هذه المشكلة، بتحديد أسماء مختلفة للأطفال، حسب المراحل الأولى من الحياة. فمن يولدون قبل إتمام سبعة وثلاثين أسبوعاً من الحمل، يطلق عليهم اسم أطفال خدج أو مبتسرين (premature) ومن لم يبلغوا ثلاثين يوماً من العمر بعد حمل كامل، فتطلق عليهم تسمية أطفال حديثي الولادة (newborn). أما من هم أقل من عام فيطلق عليهم أطفال رضع (infant) وبعد إتمام سن الواحدة وحتى سن البلوغ، هم مجرد أطفال (child). ومنذ سن البلوغ، وحتى تمام النمو والنضوج الجسدي، فهم مراهقون (adolescents). وغني عن التنويه هنا أيضاً، أن هذا التقسيم، هو تقسيم زمني ليس إلا، وغير مبني على أسس علمية. فرغم أنه توجد فوارق مهمة بين الأطفال المبتسرين، وبين مكتملي فترة الحمل، فإنه لا يوجد فارق يذكر بين من كان عمره تسعة وعشرين يوماً (حديث الولادة)، وبين من كان عمره واحداً وثلاثين يوماً (رضيع). وهو ما ينطبق أيضاً على من كان عمره أقل من عام بأيام، وبين من تخطى عامه الأول بعدة أسابيع.

هذا الوضع يتطلب منا، تحديد العلامات الرئيسية على طريق التغيرات المهمة في العمليات الحيوية والفسيولوجية، منذ لحظة الولادة وحتى تمام النمو والنضوج الجسدي. بالإضافة طبعاً إلى تحديد الفوارق الجوهرية في تلك العمليات، بين الأطفال وبين البالغين، وتأثير تلك الفوارق على جرعة الدواء ومفعوله على الجسم، وسرعة وطريقة التخلص من نواتجه الأيضية في النهاية. هذه المهمة، لا يقع عاتق إنجازها على شركات الأدوية، أو علماء الأدوية (الفارماكولوجيا) فقط، بل على عاتق المجتمع الطبي برمته. وهي المهمة التي إذا ما نجحنا في إتمامها، فسنتمكن ساعتها من أن نجنب الأطفال الكثير من مخاطر الأدوية التي لم تصنع في الأساس من أجلهم. وأن نزيد في الوقت ذاته، من أعداد وأنواع العقاقير المتاحة في المستقبل لعلاج الأطفال، وهي العقاقير التي يتجنبها الأطباء حالياً، بسبب جهلهم بجرعتها، وآثارها على تلك المخلوقات الصغيرة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-5-6-2006