حـوار الـحـصـار

 

 

هشام عبدالله

 

يريد الفلسطينيون الخروج من ازمة الحصار الاسرائيلي والدولي المطبق عليهم منذ تولي حركة حماس مسؤولية الحكومة الاخيرة ومن أجل تحقيق ذلك، فهم منشغلون هذه الأيام في عملية "حوار وطني" جديدة يفترض ان تنقلهم الى بر أمان...  .

سعيا منهم لاضفاء شرعية على هذا الحوار، اختار المشاركون الفرقاء السياسيون، أن يسبغوا صفة "الوحدة الوطنية" عليه لتكون نتائجه وفقا لهذا الشرط الذي ما انفك يرافق خلافات الفلسطينيين السياسية على مر عقود.

لكن حوار حصار 2006، ربما جاء مختلفا، ومن المحتمل ان ينتهي إلى غير ما انتهت اليه الحوارات السابقة التي هيمنت فيها حركة فتح على مجمل الساحة الفلسطينية طولا وعرضا، في الداخل وفي الشتات.

اما الان فان حوار رام الله، الذي تريد له حركة حماس الاسلامية ان ينقل الى غزة ودمشق وغيرها، لسبب ودون سبب، فانه محكوم هذه المرة بشروط جديدة فرضتها ظروف موضوعية داخلية، واقليمية وخارجية جديدة ايضا.

لم تعد الساحة الفلسطينية حكرا على فتح وحدها، ثمة طرف اخر قوي متاهب نشيط وطموح هو حركة المقاومة الاسلامية حماس يسعى لفرض شروطه ايضا على اجندة الحوار، وخطابه، ومضمونه ونتائجه.

وثمة تراكمات اخرى، جلها رهن بالموقف الاسرائيلي ازاء استكمال عملية التسوية مع الفلسطينيين، يضاف الى ذلك كله توجهات الاطراف الاقليمية، العربية على وجه الخصوص، والدولية الرئيسية ازاء التغيير الداخلي في السياسة الفلسطينية.

ويكفي تصور كيف يمكن لحوار "وطني" يجري في ظل هكذا ظروف تحت وطاة حصار اسرائيلي ودولي غير مسبوق لشعب يعيش وطأة ستة اعوام من المواجهة المستمرة. انه بلا شك حوار الحصار قبل ان يكون حوار الوحدة الوطنية.

ولعل الاحتقان والتوتر اللذين تطورا الى مواجهات دامية بين انصار فتح وحماس في قطاع غزة، انما هو دليل اخر على دقة وحساسية المرحلة هذا دون اغفال الاشارة إلى أنها أدوات حوار قاس ودام ايضا.

محاور الحوار

تبدو اجندة الحوار المعلنة بانها ذات قائمة متعددة وطويلة، لكن المحاور الاساسية التي تسكل اساس المعركة تنحصر في مسألة غير معلنة اسمها "القوة"، والقوة هنا تعني تماما وبكل وضوح: "من يسيطر، ومن يقود الساحة الفلسطينية".

ويمكن النظر الى هذه المسالة بتفاصيل اكثر اذا ما توقفنا عند تصريحات عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والمشارك في الحوار ياسر عبد ربه حول اعتزام الرئاسة الفلسطينية طرح وثيقة الاسرى في السجون الاسرائيلية حول الوفاق الوطني للاستفتاء العام.

عبد ربه، اكد بكل وضوح أمام عشرات الصحافيين، مشيرا انه يتحدث باسم الرئاسة وباسم منظمة التحرير، ان الاستفتاء على وثيقة الاسرى "سيتم بغض النظر عما سيؤول اليه الحوار الوطني".

الامر الذي اثار حفيظة حماس التي رفضت اصلا المهلة التي منحها الرئيس محمود عباس للمشاركين في الحوار بضرورة التوصل الى نتائج خلال فترة وجيزة (10 أيام) وإلا طرح الوثيقة التي تدعو الى الالتزام بالشرعية العربية والدولية على الاستفتاء الشعبي.

ويبدو ان استطلاعات الراي المشجعة (التي بينت ان تسعة بين كل عشرة فلسطينيين يؤيدون الوثيقة) قد دفعت عباس الي التشبث بها بالرغم من انها تتضمن بنودا تتعلق بالمقاومة تتناقض تماما مع برنامجه السياسي.

والاستطلاعات ليست كل شيء في الواقع، فهناك معلومات مصدرها مكتب الرئاسة تقول ان حماس تحاول "بيع" صفقة الاعتراف بقرارات الشرعية العربية والدولية (لاسيما الاعتراف بالمبادرة العربية) إلى الادارة الاميركية مقابل ان تعترف الاخيرة بحكومتها وترفع الحصار عن الفلسطينيين.

حماس تخشى من نجاح الحوار في اقناعها بقبول المبادرة العربية حتى لايبدو الامر وأن الرئيس محمود عباس قد حقق النجاج، وهو امر سيترجم على انه نجاح لحركة فتح مقابل فشل لحماس التي ستبدو وكانها نجحت فقط في إدخال الفلسطينيين في ازمة دون طائل.

الاحتمالات

مع بدء جلسات الحور بدأت الخيارات في الانحسار، وهي خيارات لخصها ياسر عبد ربه بقوله: "حوار، استفتاء او اقتتال ولاشيء غير ذلك". وبالفعل فان توجهات الامور على ارض الواقع تنحصر في هذا السياق.

ولم يكن غريبا التقارير التي تحدثت عن مبادرة عربية سياسية جديدة، تقوم بها وتصوغها مصر والسعودية، وتقدمانها للادارة الاميركية وللفلسطينيين وللاسرائيليين لتكون طوق نجاة للجميع للخروج من الازمة الحالية، لاسيما وان رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد ايهود اولمرت يعد لانسحاب احادي محدود جدا، سيترك وراءه الضفة الغربية عبارة عن كانتونات وممالك معزولة.

ويمكن لمثل هذه المبادرة المبنية على اساس مبادرة السلام العربية، ان تكون بمثابة صيغة مقبولة لحماس للاخذ بيدها من ازمة التعامل مع الحصار الاسرائيلي والدولي والاعتراف بحكومتها وادخالها في النظام السياسي.

غير ان الطريقة التي تتصرف بها حماس وتطورات الحوار تشير الى احتمالات اكثر تعقيدا وربما تقود الى صورة قاتمة، خصوصا من خلال تاكيدها على رفض طرح وثيقة الاسرى على استفتاء عام.

وتخشى حماس من ان يكون الاستفتاء، الذي ترتفع درجات احتمال تطبيقه، تمهيدا لحل حكومتها والذهاب الى انتخابات مبكرة. وتقول مصادر مقربة من الرئيس الفلسطيني ان عباس بالفعل يخطط لمثل هذا الاجراء حال طرحت وثيقة الاسرى للاستفتاء ولقيت ذلك التاييد الكبير الذي تشير اليه حاليا استطلاعات الراي.

ويمكن الاشارة في هذا الصدد الى محاولات حماس المتعددة في الطعن بالوثيقة والتنصل منها ومن ان يكون الشيخ عبد الخالق النتشة، عضو هيئتها القيادية والمعتقل قد وقع بالفعل على الوثيقة التي يعتقد ان مروان البرغوثي، امين سر حركة فتح المعتقل ايضا قد بادر الى اعدادها.

على هذا الوقع السريع القلق يتحرك حوار "الوحدة الوطنية" الفلسطينية الجديد بين رام الله وغزة ودمشق وعواصم عربية وعالمية اخرى، وهو حوار يريد ان يعلي صوته بالرغم من الحصار المطبق على الجميع.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: swissinfo-4-6-2006