أفغانستان... قصة نجاح ينخرها الفشل!

 

راشيل موراجي

 

يجول مصطفى الأفغاني بائع المجوهرات بنظره في استدارة واسعة حول المحل كله, وهو يتفحص الأرفف وبقايا الزجاج المحطم والفوضى العارمة التي خلفتها فيه أحداث العنف الأخيرة التي شهدتها العاصمة كابول. وعلى رغم ما لحق بمحله, إلا أنه تنفس الصعداء عند رؤيته أحد الجنود الأفغان من أفراد الجيش الوطني في الشارع القريب من متجره. ففي رأيه أن أفضل ما فعله الرئيس حامد قرضاي خلال الأربع سنوات التي مرت على رئاسته, هي إعادة بناء الجيش الوطني وتسليمه لمهامه ومسؤولياته. فبوجود الجيش وانتشار أفراده في الشوارع, تصعب على الشرطة ممارسة سرقاتها المعهودة لممتلكات المواطنين, كما يتعذر على جماعات النهب والشغب, استباحة المرافق العامة والخاصة مثلما دأبت من قبل. يذكر أن محل مصطفى وغيره من أصحاب المحال التجارية الأخرى المجاورة, يقع في الشارع الذي شهد أشرس موجات العنف والشغب في العاصمة كابول, منذ عام 2001, علماً بأنها اندلعت إثر وقوع حادث مروري سببته إحدى سيارات القوات الأميركية المرابطة هناك. وقد أسفرت تلك الموجة عن مصرع 14 مواطناً على الأقل وإصابة ما يزيد على مئة آخرين.

وقال حاج محمد أكرم, وهو صاحب محل تجاري كان يراقب مشهد هروب أفراد قوات الشرطة من مواقعهم أمام بنك كابول المواجه لمحله, إثر إطلاق أفراد من الجيش الأفغاني النيران على مجموعة من اللصوص المسلحين, قال إنه لا أمل في استتباب الأمن والسلام في بلاده على ما يبدو. فإذا كان يحدث كل هذا لمجرد وقوع حادث مروري تسببت به القوات الأميركية, فلك أن تتصور السرعة التي يمكن أن تنهار بها المدينة كلها, في حال هجوم قوات "طالبان" عليها. وبعد أربعة أيام من تلك الأحداث العاصفة الدامية, عادت العاصمة كابول إلى سابق هدوئها. غير أن الثقة في حكومة قرضاي, انحدرت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.

ومن رأي المقيمين والمراقبين على حد سواء أن على حكومة قرضاي استعادة مصداقيتها عن طريق إصلاح جهاز الشرطة, والإصرار على تحسين سلوك القوات الأجنبية الموجودة في أراضي بلاده وعلى حد ما جاء في تعليق أحد الدبلوماسيين الغربيين, فقد كانت الحكومة عاجزة تماماً عن التصدي للأزمة. ومضى قائلاً: "إذا كان هذا هو وضع الشرطة الأفغانية الآن, فإن ذلك يعني أننا في محنة كبيرة". كما لاحظ الدبلوماسي أن أحداث العنف التي وقعت مؤخراً, كانت بمثابة تعرية لضعف الحكومة ونزع للقناع عن هزالها الداخلي. فما أن بدأت الأحداث يوم الاثنين الماضي, حتى نزع مسؤولو وزارة الداخلية أسلاك هواتفهم, فما عاد أحد قادراً على الاتصال بهم, وأن تلك الأحداث كانت بمثابة جرس إنذار ونداء يقظة كونها تكشف إلى أي منحدر سارت الأمور هنا, وكيف أن أفغانستان لا تزال بعيدة جداً عما هي بحاجة إلى تحقيقه والوصول إليه.

فما أن انتخبت كابول برلمانها ورئيسها, حتى طارت وتفرقت أخبار الإشادة بها, وكثيراً ما جرت على ألسنة المسؤولين الأميركيين باعتبارها قصة نجاح باهر, قياساً إلى المأزق الدموي العراقي المجاور. غير أن الحقيقة تبقى أن الكثير من أوليات ما أنجز هنا, لا تزال تكتنفه موجة كثيفة من الضباب والعتمة. فلا تزال المليشيات قادرة على إثارة الشغب والقلاقل, في حين لا تؤدي قوات الشرطة دورها إلا بالكاد. وإلى ذلك كله أضف حقيقة أن الكثيرين من المواطنين الأفغان, لم يلمسوا تغيراً يذكر في مستوى حياتهم ومعيشتهم حتى الآن. وتسهم كل هذه الظروف والعوامل مجتمعة, في تسهيل مهمة قوات "طالبان" في استقطاب المزيد من المقاتلين والمنحازين إلى صفوفها.

وإذا كان لقرضاي أن يوقف هذا الانحدار الذي تتجه إليه حكومته, فإن عليه أن يجيل النظر جيداً ويدرك كنه الأسباب التي أدت إلى موجة العنف هذه. ذلك هو رأي عدد من الدبلوماسيين ورجال الأعمال المقيمين في كابول. أما داود سلطان زوي –وهو عضو برلمان من محافظة غزنة التي قويت فيها شوكة طالبان على وجه الخصوص- فمن رأيه أن ما حدث ليس من صنع حامد قرضاي نفسه. ولكن مشكلة الرئيس أنه عزل نفسه في قصره, بينما أحاطت به مجموعة من الأشخاص الذين يسمِعونه حلو الكلام ويقولون له إن كل الأمور تسير على ما يرام. فإذا كان له أن يصلح ما انحرف في أداء حكومته, فلابد له من الخروج من دائرة العزلة هذه, والسعي لاستكشاف الواقع ومجريات الأمور على حقيقتها المجردة.

وحتى الآن، فالمعلوم أن في لب هذه الأزمة, فساد قوات الشرطة وتدني مستوى أجور أفرادها وضعف تنظيمها وروحها المعنوية. وفي الكثير من المناطق, تفتقر هذه القوات إلى الحد الأدنى الضروري من الأسلحة والسيارات, فلا تستطيع إلا القيام بدوريات محدودة لا طائلة من ورائها, مشياً على الأقدام. وبين أفراد الشرطة من يرهب المواطنين بل ويسلبهم ممتلكاتهم أحياناً, مع العلم بأن هذا هو الوجه الحكومي الوحيد, الذي يراه المواطنون في بعض المناطق النائية! فهل يلتفت قرضاي لكل هذه الحقائق ويأخذ بها على محمل الجد, في سبيل تصحيح مسار حكومته؟  

مراسلة صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور"- كابول

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-3-6-2006