كيف تمكنت 45 مليون دولار من شراء الحرية لرهائن أجانب

 

دانيال مكغريغوري

 

ورد في وثائق اطلعت عليها التايمز أن فرنسا وإيطاليا وألمانيا صادقت على دفع مبالغ مجموعها 45 مليون دولار في صفقات كانت الغاية منها تحرير تسعة رهائن تم اختطافهم في العراق . وكانت حكومات الدول الثلاث قد أنكرت في العلن دفعها أية فدية ، غير أن الوثائق التي يحتفظ بها مسؤولو الأمن في بغداد الذين قاموا بدور أساسي في التفاوض من أجل إطلاق سراح الرهائن تشهد على أن مبالغ تراوحت ما بين 2,5 و 10 مليون دولار قد دفعت عن كل شخص على مدى 21 شهر. وكانت من بين العصابات التي استلمت مبالغ الفدية النقدية تلك العصابة التي احتجزت الرهائن البريطانيين ومن بينهم المهندس القتيل من ليفربول كينيث بيغلي . وقد اطلع دبلوماسيون غربيون أيضاً على قائمة المدفوعات تلك وعبروا عن غضبهم من تصرف الحكومات الثلاثة محتجين بأن في ذلك تشجيع لعصابات الجريمة المنظمة لأن تسعى للقبض على مزيد من الرهائن الأجانب . يقول مسؤول بارز في إحدى البعثات الدبلوماسية في العاصمة العراقية : " من الناحية النظرية نحن معاً في موقفنا القاضي بعدم مكافأة المختطفين ، ولكن عند التطبيق تبدي بعض الإدارات استعداداً لدفع المال فتضع بهذا أصحاب الجنسيات الأجنبية الأخرى تحت طائلة الخطر والتهديد من قبل العصابات التي أصبحت أكثر اطمئناناً وثقة إلى أن هناك من الحكومات من يدفع . "

منذ دخول القوات الأجنبية في عام 2003 تم اختطاف أكثر من 250 أجنبياً قتل منهم 44 على الأقل وأطلق سراح 135 وتمكن ثلاثة من الهرب وتم إنقاذ ستة آخرين ، أما الباقون فمجهولو المصير . كذلك قيل أن عدداً من حكومات الدول الأخرى مثل تركيا ورومانيا والسويد والأردن دفعوا هم أيضاً مبالغ لإطلاق سراح رهائنهم ، وكذا فعلت بعض الشركات الأميركية التي فازت بعقود مربحة للعمل في العراق . كما أن أربعة من رجال الأعمال على الأقل ، ممن يحملون الجنسيتين الأميركية والعراقية ، أعيدوا بعد اختطافهم لقاء مبالغ دفعتها الجهة التي يعملون لديها ، على حد ما زعم . وهذه المبالغ عادة ما تموه في صورة " نفقات " تدفع لوسطاء موثوقين على اعتبارها تكاليف يدعي هؤلاء الوسطاء أنهم دفعوها . وقد حدا إطلاق سراح ريني براونليخ و توماس نيتزتشيك ، وهما مهندسان ألمانيان ، مقابل 5 ملايين دولار كما تفيد التقارير ، بمسؤولي الأمن العراقيين إلى محاولة التحدث مع الدبلوماسيين الغربيين البارزين في العاصمة حول كيفية التعامل مع إطلاق سراح الرهائن . وحين عاد الرجلان إلى وطنهما كشف علاء الهاشمي ، سفير العراق في ألمانيا ، أن الحكومة الألمانية دفعت " مبلغاً كبيراً من المال " من أجل تحريرهما بعد أن قضيا في الإحتجاز 99 يوماً . وكان من المعلوم أن الخاطفين طالبوا بمبلغ 10 ملايين دولار .

وقد نادى ليام فوكس وزير دفاع حكومة الظل مؤخراً بوضع نهاية لهذه الممارسة قائلاً : " إن فكرة قيام الحكومات الغربية بدفع الفدية تثير بالغ انزعاجنا . وإذا كنا نأمل في الحفاظ على الأمن فمن الضروري ألا ترضخ الحكومات للإبتزاز من قبل الإرهابيين أو المجرمين . "

ويقول مايكل مور المتحدث باسم وزارة الخارجية : " هذه الحكومات سنت بتصرفها شريعة للمختطفين ، ونتيجة لذلك أصبح كل الأجانب العاملين في العراق أكثر عرضة للإعتداء . "

تقول الشرطة أن ما يقارب 30 شخصاً يتم اختطافهم في مدينة بغداد يومياً ، ومعظم هؤلاء العراقيين المختطفين يعودون بمجرد دفع عوائلهم فدية عنهم . ويقول مسؤول في جهاز مكافحة الإرهاب العراقي ، طلب عدم ذكر اسمه ، أن الخبراء العراقيين عادة ما يستبعدون من المفاوضات المتعلقة بالغربيين . ويضيف قائلاً : " في أغلب الأحيان تحجب حكومات الدول وجيوشها الأسرار عن بعضهم البعض ، وهم بالتالي يحجبونها عنا أيضاً بكل تأكيد لكي يمضوا في عمل ما يشاؤون ، بما في ذلك دفع الملايين ، أياً تكن سياستهم المعلنة بشأن دفع الفدية . "

ولكن الدبلوماسيين الغربيين يقولون أن السبب في السرية التي يبدونها هو تشككهم في أن تكون لبعض من يعملون في أجهزة الأمن العراقية صلات وثيقة بالمليشيات وبعض عصابات الإجرام تحول دون الوثوق بهم . ويقول المسؤولون في بغداد أن عدم الثقة المتبادل هو الذي يعيق جهود شن حرب فعالة على عصابات الجريمة الخفية المسؤولة عن معظم أعمال اختطاف الغربيين . ثمة مزاعم أيضاً بأن عصابتين على الأقل من عصابات الجريمة قامت ببيع بعض من في يدها من الرهائن الأجانب لجماعات التمرد المسلح التي تستخدم هؤلاء الرهائن لأغراض الدعاية أكثر من استخدامها لهم في جني أموال الفدية . أما بريطانيا فلم تدفع فدية عن مواطنيها مطلقاً رغم الضغوط التي سلطتها عليها الجهات المشغلة لأولئك الرهائن . ولكن من المعلوم في الوقت نفسه أنها تقوم بدفع " نفقات " للوسطاء جزاء مساعيهم في الإتصال بالخاطفين . وقد وجهت انتقادات إلى المسؤولين البريطانيين بسبب إعطائهم خاطفي ناشط السلام نورمان كيمبر وقتاً كافياً للفرار وتفادي مجازفة الدخول في معركة بالأسلحة مع جنود القوات الخاصة التي أرسلت لإنقاذه وزميلين له كانا معه من بيت كانوا محتجزين فيه في قلب العاصمة بغداد خلال شهر آذار الماضي .

ولم يكتشف خبراء المخابرات إلا بعد ثمانية أيام من ذلك الحدث بأن الصحفية الأميركية جيل كارول كانت محتجزة لدى نفس العائلة الإجرامية سيئة الصيت التي تعمل مع أبي مصعب الزرقاوي زعيم القاعدة المطلوب القبض عليه في العراق . وقد أثار هذا الإكتشاف حفيظة المسؤولين الأميركيين في بغداد وهم الذين كانوا قد سمحوا للبريطانيين بتولي دور القيادة في اقتفاء آثار البروفسور كيمبر وتحريره مع زميليه الكنديين .

ويعكف عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي على تحري ادعاءات مفادها أن هذه العصابة نفسها قامت ببيع قسم من الرهائن اللذين في حوزتها ، ومن بينهم مقاولون وعمال إغاثة أميركيون ، إلى جماعات إسلامية متشددة . وورد في بعض التقارير أن العصابة لها يد في تنظيم عملية اختطاف ثلاثة رهائن بريطانيين هم مارغريت حسن و بيغلي والبروفسور كيمبر وثلاث صحفيين إيطاليين . وقد أخبرت شخصيات كانت على صلة بالمحادثات السرية المتعلقة بقضايا الرهائن صحيفة تايمز بأن مارغريت حسن ، وهي عاملة إغاثة سبق لها أن اعتنقت الإسلام واكتسبت الجنسية العراقية ، قتلت مباشرة بعد أن أعلن توني بلير بصراحة ووضوح من خلال بث تلفزيوني على إحدى الفضائيات العربية بأن حكومته لن تقوم بدفع فدية .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-1-6-2006