تركيا وأكرادها: مقاربات عاجزة لمشكلة تتدوّل

 

   د. محمد نورالدين

 

بعد أكثر من ثلاث سنوات على احتلال العراق، تُطرح تساؤلات متعددة من بينها: أين أصبحت المشكلة الكردية في تركيا؟

وما الذي حمله احتلال العراق من متغيّرات إيجابية أو سلبية على واقع هذه المسألة داخل تركيا وخارجها؟

يجب الإشارة أولاً، أن للمسألة الكردية في تركيا بُعدين: داخلي وخارجي. البعدُ الداخلي هو الأساس. هناك مجموعة عرقية لا يقل عددها عن 12 ـ 15 مليوناً، أي حوالي خُمس السكان، يقطن معظمها في مناطق جنوب شرق البلاد مع انتشارات واسعة في باقي المدن، ولاسيما اسطنبول.

وتعرض هؤلاء منذ بداية عهد الجمهورية (تأسست يوم 29 أكتوبر 1923)، أي قبل ثمانين عاما ونيفً، إلى سياسة صهر وإنكار لهويتهم على مختلف الأصعدة، ما استدعى عصيانات وتمردات مستمرة كان آخرها تمرد حزب العمال الكردستاني الذي بدأ عام 1984 وانكسر عام 1999 باعتقال زعيمه عبد الله أوجالان.

وفي السنوات الأخيرة، شهدت الهوية الثقافية لأكراد تركيا بعض "التقديمات" من جانب حكومة أنقرة، لكن دون وصولها إلى جوهرها مثل التعلّم في المدارس والجامعات أو البثّ الحرّ الكامل باللغة الكردية، فضلاً عن استمرار انسداد الحلّ بشأن مقاتلي الحزب المتواجدين في شمال العراق، كما بقاء حاجز الـ 10% عقبة أمام دخول حزب يمثّل السكان الأكراد إلى البرلمان.

انقلاب الأمـور..

يمكن القول أن إحدى أكبر التعقيدات التي دخلت على المسألة الكردية في تركيا والشرق الأوسط، هي تداخل العوامل الإقليمية والدولية فيها انطلاقاً من نجاح القوى الخارجية، ولاسيما الولايات المتحدة وبريطانيا في استخدام الوضع في العراق منطلقاً لـ "التحكم" في مسارات هذه القضية، سواء في العراق نفسه أو تركيا وإيران، بحيث أصبح البعد الإقليمي والدولي الوجه الآخر للبعد الداخلي.

لا يختلف اثنان أن أساس المشكلة يقع في الداخل، وأن المسؤولية الكبرى تتحملها الأيديولوجيا الكمالية التي أنكرت مجرد وجود هوية كردية. وما كانت أنقرة تحاول طمسه، كانت التطورات خارج تركيا، ولاسيما في العراق، تؤكّـده.

ففي الوقت الذي كانت تظهر فيه هوية كردية في شمال العراق منذ عام 1970 وتتطور على مدى التسعينات، وتصل ذروتها بعد احتلال العراق، لا زال أكراد تركيا يجهدون على الجانب الآخر للحدود، لكي ينتزعوا مجرد حق تسمية أبنائهم أسماء كردية وحق ... وما شابه من الحقوق البديهية. وبالتالي، لم يعد ممكناً أمام تركيا الاستمرار في التعامل مع المشكلة الكردية بالنظرة القديمة نفسها أو بالأسلوب نفسه.

بعد حرب الخليج الثانية، واستمرار صدّام حسين في بغداد والحصار المفروض على العراق، كانت تركيا هي البوابة الخارجية الوحيدة لأكراد العراق على العالم، وكان الوضع العراقي نموذجياً للمصالح التركية :

1- حرية دخول الجيش التركي إلى شمال العراق وخروجه منه ساعة يرغب، مطارداً مقاتلي حزب العمال الكردستاني. وانتهت هذه السياسة العسكرية إلى كسر شوكة حزب العمال عام 1999.

2- إبقاء الجيش التركي سيفاً مسلطا على أكراد العراق، بل نجاحه في لعبة ضرب الأكراد بعضهم ببعض وكبحهم من التفكير بإقامة كيان لهم.

3- رغم التشرذم الجغرافي، بقي العراق حينذاك كياناً موحداً من زاوية الدستور كما القانون الدولي.

4- وجود كركوك تحت سيطرة نظام صدام .

لكن الاحتلال الأمريكي للعراق في ربيع 2003 قلب الأمور رأساً على عقب، فقد تحولت تركيا المستفيدة الأولى من وضع ما قبل الحرب، إلى خاسرة أولى عندما فقدت كل أوراقها المؤثرة وأصبحت خارج المعادلة العراقية :

- لم تعد تركيا جارة للعراق، بل للولايات المتحدة، وهذا ما جعلها في وضع أصعب ووجهاً لوجه أمام واشنطن.

- استطراداً للوضع المستجد، ما عاد ممكناً دخول الجيش التركي شمال العراق من دون ضوء أخضر أمريكي، لا يزال حتى حينه أحمراً انتقاماً من رفض تركيا المشاركة في الحرب إلى جانب الجيش الأمريكي.

- أصبحت تركيا جارة لـ "إقليم كردستان"، وما كانت تخشاه تحوّل إلى حقيقة :

الأكراد في العراق أصبحوا "دولة" فدرالية لهم علَـم وبرلمان وحكومة وجيش وحدود وشركة طيران وجامعة وصحيفة وتلفزيون وجمارك، وكل رموز الاستقلال والسيادة تقريبا، ولا مراء في أن هذا ستكون له تأثيرات مهمة على وضع أكراد تركيا.

- انتقل العراق من وضع الوطن الواحد إلى الوطن الفدرالي المقسّم.

- تشرذم تركمان العراق، الذين كانت تعتبرهم أنقرة "ورقة" بيدها، بين شيعة وسُـنّة، ولم يعكسوا أي ثقل انتخابي.

- تُـواجه كركوك احتمال ضمها إلى إقليم كردستان.

- لا "تملك" تركيا أي مجال للنفوذ عبر القوى العراقية السياسية: الشيعة ليسوا معها وإن تتقاطع أنقرة مع توجهات إبراهيم الجعفري والسيد مقتدى الصدر حول رفض الفدرالية. الأكراد قطعاً ليسوا مع أنقرة، أما السُـنّة، فهم منقسمون إلى فريقين: أصوليين زرقاويين لن تجد تركيا العلمانية حتى "شعرة معاوية" للتقاطع معهم. أما سُـنّة طارق الهاشمي، فلا يمكن اعتبارهم، ورقة بيد تركيا ولهم حساباتهم الأمريكية قبل أية حسابات أخرى.

خريطة قاتمة

في ظل هذه الخريطة القاتمة، لم يعد يبقى أمام تركيا سوى خيارات محدودة وعديمة الجدوى، في حال لم تكن في إطار التنسيق مع الولايات المتحدة وأكراد العراق.

وفي ظل هذا "العجز" التركي العملي عن التأثير في الداخل العراقي من داخله، مع اقتراب حسم استحقاقات عراقية أساسية ومصيرية، مثل الدستور الدائم ووضع شمال العراق وكركوك وما إلى ذلك، تحاول تركيا استعراض ما تبقى لها من "عضلات" عراقية، وتمثّل ذلك في حشود عسكرية على الحدود مع العراق عند المنطقة التي يتواجد فيها مقاتلو حزب العمال الكردستاني، في تحرك يحمل أكثر من رسالة، من أن تركيا لن تتأخر عن الدخول في مغامرات عسكرية، إذا لم تحسم قضية مقاتلي "الكردستاني" المتواجدين داخل العراق، وإن لم تأخذ الحكومة العراقية الجديدة بعين الاعتبار مطالب تركيا لجهة الحفاظ على عراق موحّـد وإبقاء كركوك خارج إقليم كردستان وإعطاء السنّة موقعاً مهماً في السلطة.

مرة أخرى، يتأكد أن المشكلة الكردية تشكل داخل تركيا خطاً أحمر للدولة التركية. ورغم بعض المبادرات من جانب رئيس الحكومة رجب طيب أرودغان، إلا أنها بقيت محدودة وتحت سقف الخطوط الحمر التي رسمها "الكماليون"، ومن الواضح أن الإسلاميين لم يختلفوا عن الكماليين في طريقة مقاربة مشكلة تركيا الكردية.

وفي ظل عدم معالجة المشكلة من جوهرها، تلعب تركيا إقليمياً قدر المستطاع، فلم تتأخر عن توجيه رسالة إلى واشنطن تفيد بأنها "مستعدة للتعاون حتى مع إيران بالنسبة لهذه القضية"، في مرحلة تتسم بتشديد الإدارة الأمريكية الضغوط على طهران.

لا تزال المشكلة الكردية في تركيا حيـة ومتفجـّرة منذ ثمانين عاما، وهذا يثير تساؤلاً مزمناً حول مستقبل هذه القضية في ظل المتغيّـرات الإقليمية والدولية المتلاحقة.

إن عدم مقاربة الدولة التركية لهذه القضية على أنها قضية مواطنة وجزء من حقوق الإنسان التي يتضمنها دفتر شروط الإتحاد الأوروبي، سيُـبقي نافذة مشـرّعة للرياح الخارجية، وقد تتقدم التداعيات السلبية على أي حلّ مستقبلي، ولو كان جذرياً.

و كل ذلك بحسب رأي د. محمد نورالدين نصا ودون تعليق في المصدر.

المصدر: swissinfo-21-5-2006