هل يريد "هايدن" تغيير إدارة الـ"سي. آي. إيه"؟

 

ميليسا بويل ماهلي

 

يشكل قرار الرئيس الأميركي جورج بوش الأخير بتعيين الجنرال مايكل هايدن مديراً جديداً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نبأ ساراً بكل المقاييس. فبصعود رجُل جون نيجروبونتي، مدير الاستخبارات الوطنية، إلى سدة وكالة الاستخبارات المركزية يكون نيجروبونتي قد أعلن بوضوح رغبته في إدماج الوكالة ضمن المنظومة الاستخباراتية الجديدة، ومساعدتها على النهوض بدورها الحيوي من خلال البنى التي يجري إنشاؤها حالياً. غير أن ما يثار من مخاوف حول سيطرة "البنتاجون" على وكالة الاستخبارات بتولي رجل عسكري لشؤونها، لا أساس له من الصحة. فقد عملت طيلة الأربع عشرة سنة التي قضيتها داخل الوكالة مع اثنين من العسكريين كنائبين للمدير، ومع مدير تولى منصب نائب وزير الدفاع دون أن تفقد الوكالة شيئاً من استقلاليتها وثقافتها الخاصة. وبعيداً عن المخاوف المبالغ فيها، يبقى السؤال الحقيقي فيما إذا كان هايدن ونيجروبونتي قادرين على معالجة الضعف الذي يعتري الوكالة في مجال الجمع البشري للمعلومات الاستخباراتية، خصوصاً بعد انكشاف جوانب القصور خلال أحداث 11 سبتمبر وقضية أسلحة الدمار الشامل العراقية. وبالنسبة لمن عملوا في وكالة الاستخبارات المركزية لم تكن جوانب النقص تلك خافية علينا بعدما عرفت قدراتنا في توظيف العملاء وتحليل المعلومات الاستخباراتية اضمحلالا طيلة عقد من القيادة الضعيفة، وتقليص عدد الموظفين، فضلاً عن الغموض في المهمات وتدني الروح المعنوية لموظفي الوكالة.

وفي هذا الإطار تم إسناد وكالة الاستخبارات المركزية قبل سنة ونصف إلى "بورتر جوس" بغية تحقيق هدف واضح يتمثل في تقوية قدرات الوكالة في مجال الجمع البشري للمعلومات الاستخباراتية وتحليلها. ورغم التقدم الملموس الذي أحرزه "جوس" في هذا المضمار، إلا أنه لقي مع ذلك مقاومة شديدة من قبل المصالح السرية التابعة للوكالة والمختصة في تجنيد عملاء أجانب وجمع المعلومات بسبب استيائهم من أسلوبه الصدامي. والأهم من ذلك عارض عملاء الوكالة الكبار رؤية "جوس" حول وكالة مركزية مندمجة ضمن منظومة أوسع للاستخبارات تضطلع فيها الوكالة بدور محدد إلى جانب لاعبين آخرين، مفضلين الاحتفاظ بسيطرتهم المنفردة على عمليات التجسس ليس من حيث الأشخاص الذين يديرونها، ولا من حيث الأسرار التي ترشح عنها.

وعندما فشل "جوس" في فرض رؤيته على الوكالة وتوجيهها وفقاً لما يراه، حمل بعض الموظفين في الوكالة المسؤولية للهياكل التي تقوم عليها الوكالة وليس لقيادة "جوس" نفسه. والواقع أن وكالة الاستخبارات المركزية تصعب إدارتها على نحو فعال بسبب المهام المتعددة الموكلة إليها والتي تشمل جمع المعلومات وتحليلها وحيازة الوسائل التكنولوجية المتطورة، فضلاً عن دعم مجالات علمية وتكنولوجية معينة. لذا اقترح بعض كبار المستشارين فصل المصالح السرية عن قسم تحليل المعلومات لحصر التركيز والحيلولة دون تشتيته بين المهام المتعددة. لكنني أعتقد أن تفكيك وكالة الاستخبارات المركزية في هذا التوقيت هو خطوة غير حكيمة، ذلك أننا بدلاً من تسهيل عملية اندماج الوكالة ضمن منظومة أشمل للاستخبارات سنعقد الوضع أكثر. وسينتهي الأمر بالوكالة في حال المضي قدماً في عملية التفكيك إلى أجهزة متفرقة ومتصارعة فيما بينها. ولكي تنجح عملية توزيع المهام يتعين أولاً على الأجهزة التابعة للوكالة أن تندمج مع باقي الأجهزة الصغيرة الأخرى وأن تنسق مع وزارة الدفاع للخروج بهيئة موحدة يتكلف كل جهاز من أجهزتها بمهام استخباراتية معينة.

ورغم أن الهدف من إعادة الهيكلة هو خلق منظومة مندمجة للاستخبارات، إلا أن هناك احتمال إفراز المزيد من الفوضى البيروقراطية أثناء القيام بذلك، لاسيما وأننا لا نريد تقويض القدرات الموجودة حاليا باسم التطوير، أو باسم إحداث هيكل تنظيمي مثالي للوكالة. والواقع أن السعي إلى تفكيك وكالة الاستخبارات المركزية وفي الوقت نفسه العمل على إدماجها يعتبر مهمة صعبة للغاية قد تتجاوز إمكانيات الهياكل القائمة، خصوصاً في ظل الضعف الذي يميز عمل الوكالة، والروح المعنوية المتدنية السائدة بين أفرادها، فضلاً عن الشعور العدائي تجاه وزارة الدفاع. ومجمل القول إنه بدلاً من تقسيم الوكالة إلى أجهزة منفصلة يتعين على هايدن ونيجروبونتي التركيز على إدماج أجهزتها مع الحفاظ على هياكلها الحالية وخلق الآليات المناسبة للتنسيق بين مكتب نيجروبونتي والوكالة من جهة وبينهما وبين وزارة الدفاع من جهة أخرى. ولاشك أن اختيار طاقم جديدة يشرف على قيادة وكالة الاستخبارات الأميركية سيكون أحد أبرز التحديات التي ستواجه الجنرال هايدن فور تسلمه لمهامه الجديدة. وإذا كان يريد فعلاً أن يحدث تغييراً حقيقياً في دواليب إدارة الوكالة عبر دمج أجهزتها المختلفة ضمن هيكل واحد ينسق مع وزارة الدفاع، فعليه أن يحذر من هؤلاء المتمسكين بالوضع الراهن والمقاومين للتغيير. وفي هذا الإطار يتعين على الجنرال هايدن ألا يتردد في التعاون مع العناصر المنفتحة على التغيير، حتى لو اقتضى الأمر الاستعانة بخبرات من خارج الوكالة لتشكيل فريق قادر على القيادة في انسجام تام.

وبالرجوع قليلاً إلى الوراء وتحديداً في سنوات التسعينيات نرى أن وكالة الاستخبارات المركزية شهدت الصعوبات التنظيمية ذاتها تحت إدارة جون دوتش. فقد تميزت تلك المرحلة بمراجعة لا تنتهي لعمل الوكالة، فضلاً عن استفحال الصراع الجانبي بين الوكالة ومكتب التحقيقات الفيدرالي، إضافة إلى تلك الدعوة التي وجهها الكونجرس بحل الوكالة بعدما أصبح ينظر إليها كإحدى المخلفات العتيقة لفترة الحرب الباردة.

*ضابطة عمليات سابقة في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-18-5-2006