أزمة القضاء : الإصلاح أم الرئيس حسني مبارك اقترب من نهايته ؟

 

عبدالله صالح

 

أزمة القضاء ومستقبل الإصلاح 'المأزوم' في مصر 

يبدو أن نظام الرئيس حسني مبارك قد اقترب من نهايته، بعد أن فقد صوابه وأصبح يناصب جميع قوى المجتمع العداء، بداية من الإخوان المسلمين الذين تمكنوا لأول مرة من الدخول بقوة إلى البرلمان وأصبحوا ثاني قوة سياسية بعد الحزب الوطني الحاكم، مروراً بحركة كفاية التي كان لها الريادة في حشد القوى الشعبية المعارضة توريث الحكم .

التصعيد الجاري حالياً من جانب الحكومة المصرية ضد القضاة المطالبين باستقلال السلطة القضائية وعدم التستر على التجاوزات التي شابت الانتخابات البرلمانية الأخيرة، كشف عن عمق الأزمة التي تواجهها عملية الإصلاح في مصر، وأظهر عدم قدرة الحكومة على تبني سياسات إصلاحية فاعلة، وإصرارها على سحق خصومها ومعارضيها وتصفيتهم سياسياً وجسدياً، دون أن تدرى أنها صارت بذلك تناصب جميع أبناء الشعب العداء، وأنها تقترب من حافة الهاوية، بالإفراط في استخدام العنف ضد المطالبين بالإصلاح، واللجوء إلى اعتقال الآلاف من أصحاب الرأي والفكر وجماعات المعارضة، وهي الاعتقالات التي تماثل ما قام به الرئيس الراحل أنور السادات من اعتقالات لمعارضيه وخصومه ، وأدت لتفجر بركان الغضب الشعبي ضده قبل شهور من اغتياله.

قوات مكافحة الشغب المصرية أعلنت بالأمس حالة الاستنفار الأمني، وسحلت واعتقلت المئات من جماعة الإخوان وقوى المعارضة السياسية والمواطنين العاديين الذين تضامنوا مع نائبي رئيس محكمة النقض المستشارين هشام بسطويسي ومحمود مكي، اللذين يحاكمان بأمر من وزير العدل، لأنهما رفضا التزوير في الانتخابات التي أجريت في نوفمبر الماضي، وطالبا الحكومة بكشف المزورين، وإجراء تعديل تشريعي يكفل استقلال السلطة القضائية، حيث تحول القضاة إلى رمز للمطالبة بالإصلاح الديمقراطي، وتضامنت معهم كافة القوى السياسية والشعبية في مظاهرة حاشدة بوسط العاصمة بالقرب من دار القضاء العالي، رافضة ما تمارسه الحكومة من ممارسات تعسفية وتصعيد غير مبرر.

المظاهرات الشعبية اندلعت في أعقاب منع رئيس مجلس التأديب المستشار فتحي خليفة القضاة الراغبين في الدفاع عن بسطويسي ومكي من الدخول إلى قاعة المحكمة، وعادا إلى الاعتصام في مقر ناديهم. وتقرر تأجيل الجلسة، التي عقدت في غيابهما، إلى الخميس المقبل، حيث بدأ الآلاف من عناصر قوات مكافحة الشغب ومن فرق الشرطة التي ترتدي الزى المدني في مواجهة المتظاهرين بالقوة بالضرب المبرح قبل إلقاء القبض على المئات من الإخوان المسلمين ومن أعضاء حركة كفاية والقوى السياسية المعارضة، كما تعرض العديد من الصحفيين والمصورين المصريين والأجانب للاعتداء بالضرب ومنعوا من تغطية الأحداث، كما اعتقل ستة منهم وتم التحرش جنسيا من قبل قوات الأمن بصحافية مصرية خلال توقيفها.

صحيفة "الاندبندنت" البريطانية قالت إن التصعيد الذي تمارسه الحكومة المصرية ضد خصومها ومعارضيها يشكك في مصداقية توجهاتها نحو الإصلاح، مشيرة إلى أن أحداث العنف الطائفي الأخيرة في الإسكندرية وتفجيرات سيناء وتجدد المعارضة السياسية، جعلت النظام المصري أكثر حدة في مواجهة المعارضة السياسية وقوى المجتمع المدني. الصحيفة قالت إن اتهام نائبي رئيس محكمة النقض "بتشويه صورة القضاء"، لأنهما قاما بنشر قائمة سوداء بأسماء القضاة الموالين المتواطئين في تزوير انتخابات عام 2005، التي برز فيها الإخوان المسلمون كأقوى قوة معارضة في مصر منذ نحو نصف قرن، ورفض الحكومة لمشروع قانون يؤكد استقلال القضاء، هو مؤشر واضح على التراجع الذي تشهده عملية التحول الديمقراطي في مصر.

الرئيس مبارك الذي يقوم حالياً بجولة أوربية، قال في تصريحاته: "لا حل لمجلس الشعب ولا حل للجنة شؤون الأحزاب، ولن نلغي قانون الأحزاب حتى لا تتحول الساحة السياسية والحزبية إلى فوضى، ويختلط فيها الحابل بالنابل، ونجد مائة حزب ومائة جريدة". تصريحات مبارك جاءت في أعقاب صدور تقارير تتحدث عن احتمال قيامه بحل المجلس، بعد فوز 88 من أعضاء حركة الإخوان المسلمين المحظورة بمقاعد في البرلمان وتشكيلهم معارضة قوية لحكومة الحزب الوطني الديمقراطي الذي يرأسه مبارك.

كان مسئول مصري بارز قد صرح لوكالات الأنباء أن مبارك تلقي فعلا نصائح من بعض الأجهزة الحكومية لحل المجلس وتعديل قانون الانتخابات بما يمنع الإخوان المسلمين من التقدم بمرشحين مستقلين لأية انتخابات قادمة. وأضاف المسئول، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن تحذيرات قدمت لمبارك من تزايد نشاط الإخوان المسلمين داخل وخارج البرلمان، وأن استمرار هذه النشاطات والتعبئة السياسية التي يقوم بها التنظيم المحظور من شأنه أن يلحق ضررا بالنظام الذي يواجه أزمات سياسية واقتصادية عديدة، ويتعرض لضغوط قوية من الداخل والخارج لإجراء المزيد من الإصلاحات السياسية ومن بينها إلغاء قانون الطوارئ، الذي تم التمديد له لعامين قادمين الشهر الماضي.

يبدو أن نظام الرئيس حسني مبارك قد اقترب من نهايته، بعد أن فقد صوابه وأصبح يناصب جميع قوى المجتمع العداء، بداية من الإخوان المسلمين الذين تمكنوا لأول مرة من الدخول بقوة إلى البرلمان وأصبحوا ثاني قوة سياسية بعد الحزب الوطني الحاكم، مروراً بحركة كفاية التي كان لها الريادة في حشد القوى الشعبية المعارضة توريث الحكم، إلى القضاة الذين رفضوا محاولات النظام لتوريطهم في تزوير الانتخابات والتخلي عن استقلالهم وعن دورهم كحماة للعدالة، ثم الصحفيين والكتاب الذين يتم إرهابهم ومحاولة تكميم أفواههم بقانون حبس الصحفيين، وانتهاءً بالمواطن العادي الذي بات يعاني الخوف والذعر ولم يعد آمناً على نفسه وأهله، في ظل قانون الطوارئ الذي يخول للسلطة التنفيذية الحق في القبض على الأشخاص واعتقالهم ومصادرة ممتلكاتهم، وممارسة العديد من الإجراءات التعسفية دون التزام بأحكام القانون.

وكل ذلك نصا بحسب رأي الكاتب في المصدر:http://www.alasr.ws/index