الماء والفساد والبيروقراطية

 

 

اليونسكو : الفساد والبيروقراطية عائقان يكلفان قطاع المياه ملايين الدولارات ويمنعان تطوير خدماته

« الشرق الأوسط» تنشر ملامح تقرير الأمم المتحدة عن تنمية الموارد المائية في العالم .

كشف تقرير حديث للأمم المتحدة عن تنمية الموارد المائية ولأول مرة عن عائقين جديدين يواجهان قطاع المياه بالعالم يتمثلان بالفساد السياسي والبيروقراطية بالرغم من عدم توفر أرقام دقيقة لذلك، لكن التقديرات بأن الفساد السياسي يكلف قطاع المياه ملايين الدولارات سنوياً ويعيق الخدمات المتصلة به، بالأخص على مستوى الفقراء.

وبين التقرير الذي أعدته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) او صدر للمرة الثانية من الأمم المتحدة عن تنمية الموارد المائية أن مسحاً أجري في الهند على سبيل المثال، حيث تبين أن 41 في المائة من مستهلكي المياه (من المشاركين في المسح) قاموا أكثر من مرة بدفع رشوة صغيرة خلال الأشهر الستة الماضية لتزييف قراءة عدّاد المياه، وأن 30 في المائة دفعوا مبلغاً من المال للإسراع في أعمال الإصلاح، وأن 12 في المائة دفعوا مبلغاً من المال للإسراع في إقامة الوصلات الجديدة بالمياه ومرافق التطهير.

ويوفر هذا التقرير، الذي يصدر كل ثلاثة أعوام، التقويم الأكثر شمولية بشأن موارد المياه العذبة تحت عنوان «المياه، مسؤولية مشتركة» وهو يركز على أهمية الحكم السليم في إدارة موارد العالم المائية ومكافحة الفقر. ويكشف التقرير أن النظم الإدارية «تحدد من ينال كمية معينة من المياه، وزمان وكيفية الحصول على هذه المياه، ومن يحق له الانتفاع بالمياه والخدمات المتصلة بها وتتجاوز هذه النظم مستوى «الحكومات»، لتشمل السلطات المحلية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، كما أنها تغطي مجموعة من القضايا الوثيقة الارتباط بالمياه، بدءاً بالصحة والأمن الغذائي، وصولاً إلى التنمية الاقتصادية، فاستخدام الأراضي وصون النظم البيئية الطبيعية التي تعتمد عليها مواردنا المائية.

ويوضح التقرير على الرغم من التقدم المهم والمطرد، ان العالم يمتلك كميات هائلة من المياه العذبة. ومع ذلك، فإن توزيعها يتم بشكل غير متكافئ وبسبب سوء الإدارة ومحدودية الموارد والتغيرات البيئية القائمة، وبات نصف سكان كوكبنا تقريباً محرومين من مياه الشفة المأمونة ومرافق التطهير السليمة.

وأشار التقرير إلى التقرير المشترك لمنظمة الصحة العالمية واليونيسيف الخاص بمراقبة التزود بالمياه إلى أن 1.1 مليار شخص ما زالوا محرومين من الكميات الملائمة من مياه الشفة، في حين أن 2.6 مليار شخص محرومون من مرافق التطهير. وينتمي هؤلاء إلى فئة الناس الأكثر فقراً في العالم.

ويعيش أكثر من نصفهم في الصين والهند. وإذا ما استمرت الأوضاع على هذه الوتيرة، فإن مناطق كأفريقيا، جنوب الصحراء، لن تتمكن من تحقيق هدف الأمم المتحدة الإنمائي للألفية القاضي بتخفيض نسبة الأشخاص الذين لا يمكنهم الحصول على مياه الشفة المأمونة إلى النصف بحلول عام 2015.

كما أن الهدف الإنمائي للألفية بتخفيض عدد الأشخاص الذين لا يمكنهم الحصول على مرافق التطهير إلى النصف بحلول عام 2015 لن يتحقق على النطاق العالمي في حال استمرت الاتجاهات الراهنة على حالها. كما يشير التقرير إلى أن «سوء الإدارة والفساد وغياب المؤسسات الملائمة والشلل البيروقراطي، إلى جانب النقص في الاستثمارات الجديدة لبناء القدرات البشرية والبنى الأساسية المادية» كلها عوامل تفسر الوضع السائد وتلعب النوعية السيئة للمياه دورا أساسيا في تدهور ظروف الحياة وشروطها وفي تزايد المشاكل الصحية لعالمنا. فقد أودت أمراض الإسهال والملاريا بحياة 3.4 ملايين نسمة في العالم، عام 2002، و90 في المائة من هؤلاء كانوا من الأطفال دون الخامسة من أعمارهم. وبالإمكان حسب التقديرات إنقاذ 1.6 مليون شخص كل عام إذا تمكنا من تحسين شروط الحصول على مياه الشفة وتطهير المياه والمرافق الصحية.

ويشكل تلوث المياه أحد أبرز الأسباب التي تقف وراء سوء الظروف المعيشية وتدهور الصحة. فقد تسببت أمراض الإسهال والملاريا في مقتل نحو 3.1 مليون شخص خلال عام 2002. وبلغت نسبة الوفيات لدى الأطفال ما دون الخامسة من السن 20 في المائة من هذه الخسائر البشرية، بينما تفيد التقديرات بأنه يمكن إنقاذ نحو 1.6 مليون شخص سنوياً من خلال تيسير الحصول على مياه الشفة المأمونة ومرافق التطهير وتأمين الشروط الملائمة للصحة والنظافة.

وتسجل نوعية المياه تراجعاً في معظم المناطق. كما تشير الأدلة إلى أن الأنواع الحية والنظم الإيكولوجية للمياه العذبة تشهد تدهوراً سريعاً، وبوتيرة أسرع في غالب الأحيان من النظم الإيكولوجية البرية والبحرية. ويذكر التقرير أن الدورة المائية، التي تعتمد عليها الحياة، تحتاج إلى بيئة سليمة لتأدية وظيفتها. وان 90 في المائة من الكوارث الطبيعية هي أحداث متصلة بالمياه، ويبدو أن هذه النسبة إلى ارتفاع. كما أن عدداً كبيراً منها ناجم عن سوء استخدام الأراضي. وخير مثال على ذلك الجفاف الذي يواصل انتشاره بشكل مأساوي في شرق أفريقيا، حيث نفذت عمليات كبرى لاقتطاع الأشجار بهدف إنتاج الفحم وخشب الوقود. وفي التقرير إشارة أيضاً إلى قضية بحيرة تشاد في غرب أفريقيا، التي تقلصت مساحتها بنسبة 90 في المائة تقريباً منذ الستينات، وبشكل أساسي، من جراء عمليات إزالة الغابات ومشاريع الري الضخمة غير المستدامة.

وقد بات اثنان من أصل كل خمسة أشخاص يعيشون في مناطق معرضة للفيضانات ولارتفاع مستويات البحار. أما البلدان الأكثر عرضة للتهديدات، فهي تشمل بنغلادش، الصين، الهند، هولندا، باكستان، الفيليبين، الولايات المتحدة الأميركية، والدول الجزرية الصغيرة النامية.

ويشدد التقرير على أن التغيرات الطارئة على الأنماط المناخية ستؤدي إلى تفاقم هذا الوضع. كما توقع زيادة الحاجة الغذائية عبر أنحاء العالم بنسبة 55 في المائة بحلول عام 2030. وسينعكس ذلك من خلال تزايد الطلب على أنشطة الري، التي تستغل حالياً نحو 70 في المائة من مجمل كميات المياه العذبة المستخدمة للحاجات البشرية. وإذا كان الإنتاج الغذائي قد ارتفع بشكل كبير على مدى الأعوام الخمسين الماضية، إلا أن 13 في المائة من سكان العالم (850 مليون شخص، معظمهم في المناطق الريفية) ما زالوا يعانون من الجوع.

وأضاف التقرير أن نصف الإنسانية ستعيش في المدن بحلول عام 2007. وسترتفع هذه النسبة إلى نحو الثلثين بحلول عام 2030، مما سيسفر عن زيادات هائلة في الطلب على المياه في المدن. كما أن نحو مليارين من هؤلاء الأشخاص سيحتلون أماكن إقامتهم من دون تسديد أجرها، أو سيقيمون في الأحياء الفقيرة. ولا شك أن الفقراء القاطنين في المدن هم الأكثر معاناة في ظل انعدام المياه النظيفة ومرافق التطهير. وتابع التقرير إن ما يزيد عن ملياري شخص في البلدان النامية لا يتمتعون بإمكانية الحصول على أشكال مأمونة للطاقة. وتشكل المياه مورداً رئيسياً لإنتاج الطاقة، التي تكتسي بدورها أهمية حيوية بالنسبة إلى التنمية الاقتصادية. وتستخدم أوروبا 75 في المائة من إمكاناتها الكهربائية المائية. أما أفريقيا، حيث 60 في المائة من السكان لا يتمتعون بالكهرباء، فلقد طورت 7 في المائة فقط من إمكاناتها في هذا المجال. ولفت التقرير إلى انه يجري استخدام كميات هائلة من المياه، في عدد كبير من الأماكن عبر العالم، من دون أن يدري بها أحد، وقد تتراوح نسبتها ما بين 30 و40 في المائة أو أكثر، وذلك من خلال تسربها داخل الأنابيب والقنوات والصلات غير المشروعة.

والمح التقرير إلى ما دعت إليه خطة تنفيذ جوهانسبورغ، المعتمدة من جانب الدول الأعضاء والقمة العالمية للتنمية المستدامة (جوهانسبورغ، 2002)، والتي تعترف بالدور الحيوي للمياه العذبة في مجال الأمن الغذائي والتنمية، البلدان إلى تنمية الإدارة المتكاملة للموارد المائية وخطط تحقيق الكفاية المائية بحلول عام 2005. ويشير التقرير إلى أن نحو 12 في المائة فقط من البلدان نجحت في ذلك حتى الآن، علماً أن العديد من البلدان قد شرعت في هذه العملية.

وتعاني الموارد المالية المخصصة للمياه من الجمود حالياً. فاستناداً إلى التقرير، قارب مجموع المساعدة الإنمائية الرسمية لقطاع المياه خلال الأعوام الأخيرة نحو 3 مليارات دولار أميركي سنوياً، فضلاً عن تخصيص 1.5 مليار دولار أميركي للقطاع في مجال الاعتمادات غير الامتيازية، لاسيما من جانب البنك الدولي. غير أن نسبة صغيرة فقط (12 في المائة) من هذه الأموال تصل إلى الأشد احتياجاً. كما أن نحو 10 في المائة فقط يرصد لدعم تطوير السياسات المائية وتخطيطها وإنشاء برامج خاصة لها.

فضلاً عن ذلك، يشهد استثمار القطاع الخاص في مجال الخدمات المائية تراجعاً. وقد أنفق القطاع الخاص خلال التسعينات زهاء 25 مليار دولار أميركي على إمدادات المياه ومرافق التطهير في البلدان النامية، لا سيما في أميركا اللاتينية وآسيا. لكن عدداً كبيراً من أبرز الشركات المتعددة الجنسيات في مجال المياه بدأ بالانسحاب أو بالحد من عملياته في العالم النامي بسبب المجازفات السياسية والمالية الكبرى التي سيتتبعها هذا التدخل.

وعلى الرغم من فشل أداء القطاع الخاص في كثير من الأحيان في الاستجابة لتطلعات حكومات البلدان النامية والجهات المانحة، يشدد التقرير على أنه «من الخطأ» تجاهل هذا القطاع. فالحكومات التي تعاني من ضغوط مالية، في ظل القوانين الضعيفة، «تشكل حلولاً بديلة هشة لمعالجة مسألة الإدارة السيئة للموارد المائية والإمداد غير الملائم للخدمات المائية» بحسب التقرير.

وقد تضاعف استخدام المياه ست مرات خلال القرن العشرين، بما يعادل ضعفي نسبة النمو السكاني. كما ستتوقف قدرتنا على تلبية الطلب العالمي المتزايد باستمرار على الحكم السليم للموارد المتوفرة وحسن إدارتها.

وكان كويشيرو ماتسورا مدير عام اليونسكو ذكر في وقت سابق بأن «الحكم السليم أساسي لإدارة حاجاتنا المتزايدة من المياه العذبة وضروري لمكافحة الفقر. وليس هناك من خطة نموذجية للحكم الجيد، ذلك أن وضع مثل هذه الخطة أمر معقد ويجب أن يتسم بقدرته على الحركة بحسب الحالات. لكن الخطط يجب أن تستقطب المؤسسات الملائمة أطر العمل القانونية الفعالة والمتينة على المستوى الوطني والإقليمي والمحلي، والموارد البشرية والمالية الكافية».

كما أنها تقتضي ضمان «الحريات الأساسية، كحرية التعبير والحق في إنشاء مجموعات منظمة» استناداً إلى التقرير الذي يشدد على أن «عدم تمكن المواطنين من الحصول على المعلومات الأساسية بشأن نوعية وكمية المياه يحد جدياً من حظوظهم في التصدي للمشاريع المائية غير السليمة بيئياً أو مساءلة الوكالات الحكومية المختصة».

ويشكل تقرير الأمم المتحدة العالمي عن تنمية الموارد المائية ثمرة الجهد المشترك لـ24 وكالة تابعة للأمم المتحدة وكيانات معنية بإدارة الموارد المائية. وهو يصدر عن برنامج الأمم المتحدة العالمي لتقويم الموارد المائية، الذي تتخذ أمانته من اليونسكو مقراً لها، ويضع موارد المياه العذبة ضمن أولوياته القصوى. وتقدم فروعه (البالغ عددها 15، ويقوم بإعداد كل منها مختلف الوكالات المشاركة) تحليلاً مفصلاً للأوضاع في جميع مناطق العالم، فضلاً عن البيانات والخرائط والبيانات المحدثة، و17 دراسة حالات والعديد من الأمثلة عن الممارسات الجيدة والسيئة في نظم حكم المياه وقد كشف عن التقرير في المنتدى العالمي للمياه في المكسيك الذي عقد في مارس الماضي.

المصدر: الدمام: عبد الله الجمعان :

http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=55&article=361702&issue=10021