العلاقات الأوروبية ـ الأمريكية غداة زيارة ميركل لواشنطن

 

 

العلاقات الأوربية الأمريكية تلتقي عند قواسم مشتركة كثيرة وتفترق عند قضايا استراتيجية أكثر تعمقت في عهد بوش الابن. زيارة المستشارة الألمانية ميركل لواشنطن غداً تعد محاولة لإعادة الدفء إلى العلاقات بين ضفتي الأطلسي.

منحنيات متعرجة مرت بها العلاقات الأمريكية ـ الأوربية في ظل حكم الرئيس الأمريكي الحالي جورج دبليو بوش تفاوتت بين التوافق حينا والاختلاف أحيانا كثيرة. فوجهات النظر بين ضفتي المحيط الأطلسي كانت متقاربة وربما متوافقة إلى حد كبير مثلا في قضايا دولية مثل الحرب على الإرهاب (حرب أفغانستان)، والسلام في المنطقة العربية، والسلام في منطقة البلقان، وحاليا إلى حد ما فيما يتعلق بالموقف من ملف إيران النووي. لكن على الجانب الأخر برزت نقاط خلاف بدت وكأنها عميقة ـ ان لم تكن كذلك بالفعل ـ مثل الموقف من الحرب على العراق، والنزاعات التجارية، وقضايا حقوق الإنسان. ورغم أن مرحلة ولاية بوش الثانية اتسمت بمحاولات من قبل الجانبين لرأب الصدع وإعادة الدفء إلى العلاقات عبر الأطلسي، إلا أنها اصطدمت بعقبات عدة وواجهت إشكاليات لازالت تلقي بظلالها على هذه العلاقات وتلبد سماء المحيط الأطلسي، رغم بعض التقارب النظري.  

"أوروبا العجوز" أكثر تشددا مع واشنطن  

القارة العجوزة تدير ظهرها لواشنطن بداية يتوجب، عند تحليل العلاقات الأمريكية ـ الأوربية، التفريق هنا بين"أوروبا العجوز" و"أوروبا الجديدة". فالأولى يمثلها محور برلين ـ باريس ـ موسكو ثم مؤخرا مدريد، وهذه أكثر تشددا مع واشنطن. من جانبهم كان الاستراتيجيون الإيديولوجيون أو ما يعرفون "بالمحافظين الجدد" في إدارة بوش قد اعتقدوا وبالذات قبيل حرب العراق انه يمكن لأمريكا، القوة الدولية المهيمنة، الاستغناء عن هؤلاء في تحركها على المستوى الدولي وهو ما ثبت فيما بعد خطأه. وعلى العكس من ذلك "أوروبا الجديدة" التي تتطلع إلى ذهب الأوروبيين من جهة والاحتماء بسطوة الأمريكيين وقوتهم وهيمنتم من جهة أخري. وهذه تضع رجل في بروكسل (مقر الاتحاد الأوروبي) وأخرى في واشنطن: فبولندا مثلا تستحوذ على أكبر دعم أوروبي ضمن الدول الجديدة في الاتحاد لكنها اقرب إلى واشنطن من بروكسل وتقيم علاقات استراتيجية متينة مع الولايات المتحدة. لكن هناك أيضا معادلة أخرى في العلاقات الأوروبية ـ الأمريكية وهي التي تمثلها لندن التي تقع جغرافيا في أوربا، لكنها أمريكية الهوى وحيثما كان الأمريكيون تبعتهم أو كانت لندن معهم.

محاولات إعادة الدفئ

زيارة رايس لاوروبا لم تحقق الكثير ثقل الأعباء على الإدارة الأمريكية نظراً للصعوبات التي تواجهها في عراق ما بعد صدام والتحديات الدولية الأخرى مثل أزمة الملف النووي الإيراني والكوري الشمالي أكدت "للمحافظين الجدد" في واشنطن أن القوة العسكرية وحدها غير كافية لخلق واقع دولي جديد وفرض الهيمنة على العالم. لذلك أدركت إدارة بوش في دورتها الثانية ضرورة أهمية "الشريك الأوروبي" وبدأت ببذل جهود دبلوماسية مكثفة في هذا الاتجاه. ففور إعادة انتخاب بوش، بدأتها وزيرة خارجيته، كوندوليزا رايس، بزيارات مكوكية إلى العواصم الأوروبية كان الغرض منها التمهيد لعودة المياه إلى مجاريها وإيجاد أرضية مناسبة للتعاون غي مجالات أخرى ثم جاءت زيارة بوش إلى أوروبا لتصب في هذا الاتجاه. غير أن هذه المحاولات بدت وكأنها ليست أكثر من مجاملات دبلوماسية أكثر من كونها تعكس علاقة شراكة حقيقية في قضايا استراتيجية مهمة. من جانبهم لم يخف الأوربيون رغبتهم في عودة الدفء إلى العلاقات مع واشنطن ورأب الصدع في علاقتهما المشتركة. لكنه كان واضحا أن الأوروبيين ليسو على استعداد للعودة إلى "بيت الطاعة" الأمريكية لاسيما في ظل تطلعاتهم إلى تكوين تكتل اقتصادي يكون له دور وتأثير سياسيين على الصعيد الدولي.

وفي هذا السياق يمكن تفسير "الغزل" بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية مثل برلين وباريس برغبة الإطراف المختلفة في تجاوز آثار الماضي ولكن ليس بأي ثمن. ولعل الرهان على أن المستشارة الألمانية الجديدة انجيلا ميركل ستكون الشريك الاستراتيجي لواشنطن بعد توتر العلاقات بين برلين وواشنطن لفترة طويلة، قد بدأ يتراجع لاسيما بعد تأكيد ميركل على عدم مشاركة بلادها عسكريا في العراق وربما أيضا في "حروب أمريكية قادمة" وكذلك توجيهها انتقادات صريحة لواشنطن على خلفية المعتقلات والمعتقلين في إطار "الحرب على الإرهاب" وشرعية معتقل غوانتانامو غداة زيارتها لواشنطن.    

صعوبات عملية      

المستشارة الالمانية، ميركل، والرئيس بوش هناك صعوبات جمة تعترض التطبيع الكامل للعلاقات بين ضفتي الأطلسي إلى ما كانت عليه في السابق لاسيما في ظل اختلاف وجهتي نظر الطرفين حول طبيعة النظام الدولي الجديد الذي ينبغي أن يكون متعدد الأقطاب من وجهة نظر أوروبية، لتجد "القارة العجوزة" لنفسها فيه مكانا، بينما تراه واشنطن نظام القطب الواحد الذي تشكل القوة العسكرية معالمه المستقبلية وعلى الآخرين، وبالذات الأوروبيين، أن يقبلوا به هكذا كأمر واقع. أضف إلى ذلك قضايا خلافية أخرى برزت على السطح مؤخرا مثل النزاعات التجارية بين الطرفين في إطار منظمة التجارة الدولية، وقضايا الاعتقالات والسجون السرية الأمريكية وانتهاك حقوق المعتقلين في ظل ما يسمى بالحرب على الإرهاب. وعموما يعتقد المحللون في هذا السياق أن العلاقات عبر الأطلسي ربما قد تشهد في الفترة القادمة بعض التحسن لكنها لن تعود إلى نفس الحميمة التي كانت عليها في السابق.

المصدر: Deutsche Welle – 13-1-2006