زيادة أسعار المحروقات ترفع خمسة ملايين عراقي فوق خط الفقر

 

 

عباءة رثة متهدلة على رأس صغير لم يظهر منه سوى وجه متعب سلبت المشقة رونقه وحفرت السنوات الطوال جنباته بأخاديد عميقة بعمق الهموم والأسى والأسف، وغطت اغلب ملامحه بثور كثيفة، حتى لم يبق من دفق الحياة شيء.

هذا هو حال سنية عبدالزهرة، عجوز بلغت الخامسة والستين من العمر ثمرته ستة أبناء، ثلاث اناث وثلاثة ذكور اثنان منهم ابتلعتهم فوهات الحرب والاخرون ادخلتهم سنوات الجدب والقهر في انفاقها القاسية ما جعلهم يشيحون بوجوههم عن رعاية امهم المسكينة بعد ان توفي بعلها، فوجدت نفسها وحيدة تصارع محنة المرض والعجز في تدبر قوت يومها ومآوى ليلها.

كانت هذه العجوز تتحدث لموظف في دائرة الرعاية الاجتماعية، وبالكاد تلمح في فمها اليابس بريقاً لضرس سوى تلك الكلمات التي تسلخها سلخاً ويدها المرتعشة وهي تلوح باضبارة مليئة بأوراق شتى تفتت لحاؤها انه منظر يملأ النفس بالحزن والشفقة والخوف مما يمكن ان يكون عليه الانسان في وطن طالما لم يرع قياديوه وساسته حياة من مسه الكبر والتعب والعجز.

هذا هو حال اغلب مراجعي تلك الدائرة التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ممن يرومون الحصول على معونات شهرية تسهم في مدهم بما يبقيهم على قيد الحياة بعد ان سحقت الحروب والمجاعات احلامهم واجسادهم، ولعل هناك حالات اكثر سوءا واثارة للشفقة فهذا ياسين محمد رجل مصاب بالشلل ولديه اربعة اطفال وقد توفيت زوجته ولا يملك اي شيء وما مأواه الا غرفة متفحمة في احدى الدوائر الحكومية المهجورة. وثمة ارملة لديها خمسة اطفال وهي الاخرى تسكن في المباني الحكومية وليس لديها اي مصدر للعيش معقول اذ ان اولادها يجمعون قطع البلاستك والمعادن من المزابل لتقوم هي بجمعها وبيعها لأحد المتعهدين، واينما سقطت عينيك في باحة وممرات الدائرة خمش قلبك منظر معاق يرتعش وشيخ عكف ظهره المرض والحرمان وقلة الحيلة، اطفال خطفت الحروب ومخلفاتها الدموية اولياء امورهم، مئات الآلاف وربما اكثر اولئك الذين وجدوا في وزارة العمل املاً ربما يسعفهم ويسهم في انقاذهم من ضياع اكيد.

ولأن الموت والخراب ماضيان في تزايد مستمر فإن الضحايا والعاجزين يتكاثرون يوما بعد يوم، واضابيرهم بالكاد تجد من يفتش في اوراقها ويمنحها ما ترمي اليه، الامر الذي جعل وزارة العمل تبحث عن مصادر مالية تكفي لتغطية تلك الطلبات المتراكمة اذ قدمت مقترحا الى مجلس الوزراء لاصدار قانون باسم شبكة الحماية الاجتماعية ويأتي هذا القانون لتنفيذ جزء مما جاء به الدستور العراقي الجديد في بابه الثاني (الحقوق والحريات) المواد (29) و (30) و(31) و(32) و(32) فقد اكد الدستور لاسيما في المادة (30): اولاً تكفل الدولة للفرد والاسرة-وبخاصة الطفل والمرأة-الضمان الاجتماعي والصحي والمقومات الاساسية للعيش في حياة حرة كريمة تؤمن لهم الدخل المناسب والسكن الملائم، وجاء في ثانيا من المادة نفسها، تكفل الدولة الضمان الاجتماعي للعراقيين في حال الشيخوخة او المرض او العجز عن العمل او التشرد او اليتم او البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم وينظم ذلك بقانون.

جدول الاعانات الشهرية

لقد اعتمد مشروع قانون شبكة الحماية الاجتماعية الذي من المقرر العمل به، على مصادر مالية عدة اهمها محصلات الزيادة التي طرأت على المشتقات النفطية وللتعرف اكثر على هذا القانون والاساليب المتبعة لتنفيذه وكذلك معرفة الآلية التي يتم بموجبها احصاء المعوزين والمستفيدين من رعايته التقينا مدير اعلام وزارة العمل والشؤون الاجتماعية السيد ولي جليل الخفاجي فقال: انبثقت مسودة قانون شبكة الحماية الاجتماعية من خلال مقترح قدمه السيد وزير العمل والشؤون الاجتماعية الى مجلس الوزراء الذي يهدف الى مساعدة الفقراء والمحتاجين ممن هم دون خط الفقر اي الذين لايملكون عملاً او دخلهم لا يتجاوز 50 ألف دينار شهريا. وقد شكلت في الوزارة عدة لجان لتنفيذ القانون ومن هذه اللجان، لجنة اعداد الاستمارة الخاصة بالمشمولين ولجنة الاتصالات والاعلام، ومهمتها نشر تعليمات وآليات القانون الى جميع انحاء العراق، وقد تم تحديد الراتب للفئات المشمولة بـ 50 ألفا للاسرة المتكونة من شخص واحد و70 ألفا للشخصين و90 ألفا لثلاثة اشخاص و100 ألف لأربعة اشخاص و110 آلاف لخمسة اشخاص و120 الفاً لستة اشخاص وهكذا.. اما في حالة الغاء جزء من البطاقة التموينية او كلها فستحصل الاسرة المشمولة بهذا القانون على زيادة تتكون منها الاعانات 60 ألفا للشخص الواحد و90 ألفا للشخصين و120 ألفا لثلاثة اشخاص و140 ألفا لأربعة اشخاص و160 ألفا لخمسة اشخاص و180 ألفا لستة اشخاص و200 ألف لسبعة اشخاص.

اجراءات ولجان لتنفيذ القانون

* وكيف يتم احصاء من يستحقون هذه الاعانات، نحن نعرف ان ثمة اناسا لا يعلمون بهذا الامر او ان ظروفا ما تجنبهم الحضور وتسجيل اسمائهم؟

- وفقا للقانون المقترح فان عدد العوائل التي ستشمل برواتب الرعاية هو 500 ألف عائلة، منها 200 ألف عائلة هي اصلاً تتسلم رواتب الرعاية من الوزارة يضاف اليها 300 ألف عائلة من ذوي المعاقين والايتام والمسنين والعاجزين ممن سبق وقدموا طلبات للافادة من معونات الوزارة وفي النية اضافة العاطلين عن العمل البالغ عددهم 650 ألف شخص، او ان توفر لهم فرص عمل كفوءة وحسب مؤهلاتهم، كما يسعى القانون مستقبل على وفق التخصيصات المالية المتوفرة، لأن يشمل برعايته خمسة ملايين شخص ممن يعانون من ظروف معاشية صعبة وهذا ما تعمل الوزارة على تحقيقه ليكون مشروعا حضاريا وانسانيا عملاقا يسهم في مساعدة العراقيين ليتمكنوا من العيش بلا ضنك ولا مذلة ضمن المسار الديمقراطي الجديد الذي يسير عليه البلد ويتطلع لتدعيمه وترسيخه، اما فيما يخص الظروف التي تحول دون مراجعة المواطنين للوزارة او دائرة الرعاية الاجتماعية، فان اللجان المتخصصة التي يتم تشكيلها ستكون احدى مهماتها ايصال فقرات القانون والاجراءات الواجب اتخاذها من قبل اولئك الذين تشملهم الاعانات فضلا عن تخصيص ملحقيات ادارية في دوائر وزارة العمل المنتشرة في جميع محافظات العراق تقوم باستقبال الطلبات ورفعها الى الوزارة وهذا يتم بالتعاون مع مجالس المحافظات والوزارات المعنية  الاخرى.

* تناقلت وسائل الاعلام من ان شبكة الحماية الاجتماعية ستعتمد على المبالغ المتوفرة من زيادة دعم المحروقات، فهل ثمة مصادر اخرى؟

- نعم هذا ما اكده الوزير في مؤتمره الصحفي الاخير ان المبالغ المخصصة التي ترعى وتسهم في تنفيذ هذا القانون هي من الزيادة النسبية الطفيفة على المشتقات النفطية وهي بالمقاييس العلمية المعمول بها دوليا تعد قليلة جدا وغير مؤثرة في الواقع الاقتصادي لأن الدعم الذي تقدمه الحكومة العراقية للمواطنين في كثير من المجالات يعد الافضل من جميع الدول في المنطقة والعالم، وان هذا القرار جاء بعد مخاض لدراسات مستفيضة للواقع الاقتصادي والانساني الذي يعيش فيه بلدنا الحبيب، وقد شارك فيه الكثير من المختصين ممن لهم خبرات خلاقة في مجالات الاقتصاد والمال والنفط، وقد يبدو القرار-قرار رفع المحروقات-لمن ينظر اليه نظرة سطحية وغير علمية سببا في رفع بعض الاسعار، الا انه في الحقيقة، المعادلة المطلوبة لرفع المستوى المعيشي بصورة عامة وكما موجود في الدول المتقدمة وان نتائجه ستظهر تباعا بعد ان تقطع شوطا في صرف الاعانات وازدهار الدخل الشهري لجميع المواطنين، وكذلك شيئا فشيئا ستخفف الاعباء على مستهلكي المحروقات بسهولة حصولهم عليها اذ ان القرار سيقطع الطريق على ذوي النفوس الضعيفة اولئك الذين يهربون خبرات بلادنا الى دول الجوار بسبب قلة اسعارها بينما ثمة الكثير من العوائل العراقية تتضور جوعا وحرمانا.

* متى سيتم العمل بهذا القانون؟

- عندما تتهيأ جميع مستلزمات انجاحه والوزارة تعمل على قدم وساق لاستكمال الاجراءات المتعلقة وكذلك الموافقات الاصولية التي تجيز تنفيذه، واللجان التي شكلت تقوم يوميا بعقد الندوات والاجتماعات مع مختصين ومعنيين في جميع الشؤون وكلها تصب في صالح الاسراع للانتهاء من بنوده وشروطه اذ تسعى الوزارة ان تكون هذه الشروط سهلة وشفافة للتخفيف عن كاهل المواطنين المشمولين بالرواتب والمعونات التي ضمها القانون اما المبالغ المخصصة لتوزيعها على الدفعة الاولى من المسجلة اسمائهم ولديهم هويات فانها متوفرة لدينا، وبأمكانهم الاطلاع على تفصيلات اكثر في دائرة الرعاية الاجتماعية بوصفها الجهة المعنية بالتنفيذ.

رعاية جدية للمعوزين

كانت جولتنا قد بدأت في اروقة دائرة الرعاية الاجتماعية وها نحن ننتهي عندها امام احدى قاعاتها المغلقة التي كانت تضم اجتماعا لاحدى اللجان المكلفة بتنفيذ قانون شبكة الحماية الاجتماعية، ما جعلنا ننتظر حتى انتهاء الاجتماع  لنرى ما توصل اليه المجتمعون، فقد تحدث الينا احد اعضاء اللجنة والاعلامي في مديرية الرعاية حول اخر التطورات التي طرأت على تنفيذ قانون شبكة الحماية الاجتماعية قال: القانون مازال قيد الانجاز وهناك الكثير من المتعلقات لابد من الانتهاء منها حتى يحين وقت التصريح بتفاصيله، ولكن في الوقت الحاضر نحن نسعى لزيادة المعونات الشهرية للعوائل المسجلة اصلاً في المديرية ولديهم هويات اصيلة في الاستلام، ولكننا نحاول بكل جهد اتمام النواقص وردم الهوات من اجل ان يشمل جميع المعوزين وممن يعيشون تحت خط الفقر، ومسعانا هو اقامة ندوات وعقد اجتماعات مكثفة تضم متخصصين في شؤون الاقتصاد والمال والاحصاء ومنظمات المجتمع المدني للخروج بنظام استراتيجي واضح وفعال يجيز لنا تشكيل ملاكات مدربة واجهزة ادارية قادرة على العمل بشكل شفاف ورصين لا يخضع لأية ملابسات او مخالفات قد تغمط الحقوق او تعطي اكثر مما هو مستحق ومن بين ما توصلنا اليه هو ان يكون لكل محافظة سياق اداري مختلف وتكون الباجات الخاصة للمشمولين تختلف بلونها وشكلها من محافظة الى اخرى، وثمة الكثير من الاجراءات التي تدعو الى النظام الصارم والدقة المتناهية، بقي ان نقول ان القانون كمسودة قد تمت الموافقة عليه في مجلس الوزراء ولكنه بلا شك لابد ان يأخذ مشروعية تنفيذه من مصادقة مجلس النواب المرتقب وهو ما سيصار عليه قريبا ان شاء الله.

* ومن هم المشمولون برعاية دائرة الرعاية الاجتماعية في الوقت الحالي؟

- المشمولون في الوقت الحالي ووفقا لقانون عام 1980 ذي الرقم 134م العاجز والعاجزة عن العمل كليا بسبب المرض والشيخوخة ومعهم الزوجة والاطفال والقاصرين والارملة ولها ولد قاصر او بالغ عاجز عن العمل كليا، المطلقة ولها ولد قاصر يعيش معها فاذا تزوجت استحق ولدها الراتب الا اذا انتقل الى حضانة ابيه، واليتيم القاصر، ان كان يتيم الابوين او يتيم الاب مع زواج الام، والطالب المتزوج المستمر بالدراسة ولغاية الدراسة الجامعية الاولية، اسرة السجين، اذا كانت مدة محكوميته اكثر من سنة واكتسب القرار الدرجة القطعية، الكفيف، المصاب بالشلل الرباعي.

هذه هي الحالات التي شملها القانون المذكور، الا ان ما تتطلع اليه الدولة العراقية الجديدة هو رعاية هذه الشرائح وغيرها ممن لا يقوون على المعيشة والاهتمام بشؤونهم بشكل جدي قابل لان يدمجهم في المجتمع وان يحيون حياة حرة كريمة.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور. 

المصدر: جريدة الصباح-7-1-2006