مستقبل السياسة الخارجية الأميركية: نقاش حامي الوطيس في واشنطن

 

 

أمير طاهري

هل نظرية بوش أصبحت في حكم الميتة؟

وهل الولايات المتحدة المُنْتَقََدَةُ في أفغانستان والعراق قررت تجاوز «المحافظين الجدد»؟

وأين يجب على المرء أن ينظر كي يتلمس نظرية بديلة تخص سياسة الولايات المتحدة الخارجية؟

هذه أسئلة وأخرى مثيلة لها موضع نقاش حاد يدور ضمن الدوائر المعنية بالسياسة الخارجية في الولايات المتحدة، خصوصا ضمن معاهد الدراسات الاستراتيجية التي تستند في الأساس إلى استنتاجات فكرية. وكما هو الحال غالبا، فإن الكثير من الأكاديميين والمفكرين وواضعي السياسات يكيفون ويعيدون تكييف أوضاعهم بحيث يتمكنون من السباحة مع تيار الرأي السائد الذي يبدو أنه يتحرك بعيدا عن جوانب أساسية تخص السياسة الخارجية الحالية للرئيس جورج بوش.

فالكثير من الأكاديميين الذين أيدوا بحمية كبيرة اتجاه الحرب بدأوا الآن بتغيير مواقفهم وأصبحوا مع الجانب المعادي لها، وفي بعض الحالات أصدروا حتى كتبا يعترفون فيها بأحكامهم السابقة. أما بالنسبة للسياسيين ومع اقتراب انتخابات الكونغرس النصفية، فإن عيونهم أصبحت متوجهة صوب استطلاعات الرأي أكثر من توجهها صوب ما يجري في العالم. ظلت سياسة الولايات المتحدة الخارجية دائما تتحدد بواسطة السياسة المحلية، وهذا المبدأ لم يتغير حتى مع وقوع هجمات 11 سبتمبر. لنضع جانبا رهان المحافظين الجدد على النقاش إلى حين لأنني لم أتمكن من تعريفه بشكل مرضٍ بعد. أما بقية النقاش فهو يتنامى حول افتراضين لم يتم تفحص صحتهما من خلال الواقع.

الأول هو أن الولايات المتحدة فشلت في أفغانستان والعراق، والثاني يرى أن الولايات المتحدة قادرة على تبديل سياستها الخارجية بنفس الطريقة التي نغير بها قمصاننا.

ولإظهار أن الولايات المتحدة فشلت في البلدين فعلى المرء أن يهيئ مسطرة قياس يستخدمها لقياس مدى النجاح والفشل وفي أي طريقة فشلت الولايات المتحدة في كلا هذين القطرين؟

تدخلت الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق بهدف تغيير نظامي كابل وبغداد وتمكنت من تحقيق ذلك بسرعة عالية، إذ تم تشتيت آلة الرعب والحرب التي بناها كلا نظامي طالبان والبعث، والشيء المؤكد من هذه الحرب هو أن الملا محمد عمر وصدام حسين لن يعودا إلى الحكم ثانية.

وفي كلا البلدين تستمد بقايا النظامين قوتهما من آيديولوجية قادمة من الخارج وكلاهما يشنان حربا وحشية ضد المدنيين. لكن كلا البلدين ما عاد ملاذا آمنا للإرهابيين وتخطيطهم لهجمات ضد بلدان أخرى بما فيها الولايات المتحدة.

للتأكد من أن المنتقدين قد يقولون إن الهدف من التدخل كان تحويل افغانستان والعراق إلى ديمقراطيات حديثة. وإذا كان ذلك صحيحا، فإن أي حكم على مدى نجاح أو فشل التجربة يتطلب وقتا لقياسه. بالتأكيد لا أفغانستان ولا العراق هما ديمقراطيتان على غرار سويسرا في هذا الوقت بالضبط. فكلاهما يعانيان من سنوات إن لم تكن عقودا من العنف والإرهاب. فالإرهابيون في مصر قاتلوا لربع قرن. وتركيا احتاجت عشرين عاما كي تهزم الإرهابيين. أما الإرهابيون في الجزائر فحاربوا لاثنتي عشر سنة قبل أن يتم سحقهم. وكولومبيا تحارب الإرهاب منذ 40 عاما والفلبين 30 عاما. وحاليا هناك 22 دولة في العالم تعاني من وباء الإرهاب بشكل يومي.

لا يتحدد السؤال الحقيقي فيما إذا كانت أفغانستان أو العراق قد أصبحا نموذجين للديمقراطية بل أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان أي منهما يحمل حظا بأن يحقق حلما كهذا تحت حكم الملا عمر أو صدام. ولا بد لأي شخص على معرفة بأفغانستان والعراق أن يعرف الجواب عن هذا السؤال.

وإذا كانت المسطرة الوحيدة التي يمكن بها قياس نجاح الأمم أو فشلها هو مدى القدرة على احتواء الإرهاب وتصفيته، فإن الكثير من الأمم غير أفغانستان والعراق ستكون ضمن قائمة البلدان الفاشلة في هذا الميدان.

أدى تغيير النظامين في العراق وأفغانستان إلى قلب ستة عقود من موازين القوى في الشرق الأوسط. وقد يكون الحديث عن المستقبل ضربا من الكهانة لكن هناك شيئا واحدا مؤكدا هو أن القوى الديمقراطية في المنطقة توفرت لها أول فرصة خلال ما يقرب من قرن لتحقيق أثر فعال لها.

كانت آخر فرصة لهذه القوى كي تكون فعالة هو العقد الأول من القرن الماضي حينما شهدت انتصار حركات دستورية في إيران والإمبراطورية العثمانية. والآن فإن هذه القوى الديمقراطية قد تفشل بسبب أخطائها أو ربما تُهزَم على يد خصوم مستبدين سواء كانوا إسلامويين أو علمانيين. لكنها تمتلك الفرصة للانتصار. وهذا يجب أن ينظر من قبل الولايات المتحدة التي يجب أن تكون داعمة للقوى الديمقراطية في كل العالم نجاحا بالتأكيد.

دعونا الآن نتأمل الافتراض الثاني في الجدال الحالي، وهو القائل إن الولايات المتحدة يمكن أن تغير سياستها الخارجية بارادتها وفي الحال.

هناك من يبشرون بعودة الى تلك الخلطة المفلسة التي سوقها هنري كيسنغر الى الأميركيين تحت لافتة «السياسة الواقعية» لفترة تقرب من عقد من الزمن. ولكن هل يوافق أسامة بن لادن أو أبو مصعب الزرقاوي على أداء دور بريجنيف في نسخة جديدة من انفراج كيسنغر؟ وهل ستحفظ بقايا طالبان والقاعدة والبعث معاهدة ويستفاليا عن ظهر قلب وتؤدي دورها في نسخة جديدة من توازن القوى الذي تحدث عنه الشيخ الطيب هنري؟

ويقدم ريتشارد هاس، تلميذ الشؤون الدولية الأكثر ذكاء من كيسنغر، «مذهبا» جديدا يفترض ان يحل محل مذهب بوش. ولكن كل ما يصل اليه هاس من خلال مقالة طويلة نشرت أخيرا هو اعتراف بأن الولايات المتحدة لن تكون آمنة ما دامت هناك أنظمة استبدادية يحتمل ان ترعى وتعزز بالتالي الارهاب.

اما الناظر الآخر الى «مذهب» جديد فهو فرانسيس فوكوياما الذي بدأ بإعلان نهاية التاريخ ومن ثم عدم ضرورة أي مذهب في السياسة الخارجية. وبعد ما يزيد على عقد من الزمن قدم كتابا جديدا هو «أميركا في مفترق طرق: الديمقراطية السلطة.. وارث المحافظين الجدد»، وفيه يعود عميقا الى تاريخ القرن الماضي ليجد بديلا لمذهب بوش ويسمي هذا «الواقعية الويلسونية» نسبة الى الرئيس وودرو ويلسون الذي كان أول من جاء بآمال الديمقراطية الى الشرق الأوسط في اعقاب الحرب العالمية الأولى.

وبمعنى ما، فان السياسة الخارجية الأميركية حتى في فترات النزعة الانعزالية كانت فيها على الدوام مسحة ويلسونية بمعنى أن صناع السياسة الأميركية كانوا على دراية بأنه من غير المحتمل ان تثير الأنظمة الديمقراطية الحروب، وأن أي تهديد للولايات المتحدة كان يأتي من انظمة استبدادية.

ولكن لماذا يحتاج فوكوياما صفة «الواقعية» من أجل اضفاء المصداقية على نزعته الويلسونية الجديدة؟ السبب هو ان ويلسون قدم الكثير من الوعود التي أخفقت بالتالي في ان تتحقق. وقد أثارت مثاليته اعجاب المضطهدين في كل مكان. ولكن فشله في دعم ذلك بالأفعال سبب الموت والدمار على نطاق واسع لبلدان عديدة في مختلف انحاء العالم.

ان النسخة الواقعية الوحيدة من الويلسونية هي مذهب بوش الذي يدعم الأقوال بالأفعال في سياق المصلحة الذاتية. وخلال الكثير من فترة الحرب الباردة تصرفت الولايات المتحدة، طوعا أو كرها، في حالات معينة بما يتعارض مع سمعتها عبر دعم مستبدين في سياق صراع القوى العالمي ضد الكتلة السوفييتية. ولم يعد هناك أي مبرر لذلك. ويبدو ان بوش ادرك هذا. وذلك هو الموقف الأكثر واقعية بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية في القرن الواحد والعشرين سواء رضي كيسنغر وهاس وفوكوياما أو أبوا.  

وكل ذلك بحسب أميرطاهري في المصدر.

المصدر: الشرق اوسط- 9-12 - 2005