أعمال المتطرفين تتسبب في تزايد العنصرية ضد مليون مسلم في هولندا

 

 

بينما تزداد اعداد المسلمين في هولندا مع ازدياد الهجرة من الدول المسلمة اليها، تتراجع نسبة معتنقي الديانات الأخرى، اضافة الى تراجع عدد الهولنديين الذين يتبعون الدين المسيحي. وتراجعت نسبة الذين يترددون على الكنائس، سواء من الكاثوليك او البروتستانت، لتصل الى 35 في المائة فقط من اجمالي عدد السكان، مقارنة مع أكثر من 50 في المائة من عدد السكان قبل ثماني سنوات. ويخشى مراقبون هولنديون تغييرا في التركيبة الاجتماعية والعرقية في البلاد في المستقبل.

ويقترب عدد المسلمين في هولندا من عتبة المليون نسمة، اذ افادت ارقام قدمت مطلع العام الحالي، ان عددهم وصل الى 945 الف شخص، 70 في المائة منهم من ذوي الاصول المغربية والتركية.

وتضاعف عدد مسلمي هولندا خلال السنوات العشر الماضية مقارنة مع الأرقام الرسمية التي أعلن عنها مطلع التسعينات من القرن الماضي. وأشارت أرقام مكتب الإحصاء الهولندي الى ان المسلمين يمثلون 5.8 في المائة من اجمالي عدد سكان البلاد الذي يزيد عددهم عن 16 مليون نسمة.

وتتباين نسب انتشار المسلمين من مدينة الى اخرى. فعلى سبيل المثال، تصل نسبة المسلمين في امستردام الى 13 في المائة من اجمالي سكان العاصمة، في حين تصل النسبة في لاهاي الى 11.4 في المائة. ويشكل المسلمون عُشر اجمالي سكان مدينة روتردام الساحلية التي تضم احد اشهر الموانئ الاوروبية، ولكن نسبة المسلمين لا تزيد عن 2 في المائة فقط في مقاطعة فريسلاند.

ويوجد في هولندا اكثر من 500 مسجد وعدد كبير من المدارس الاسلامية التي يتعلم فيها ابناء الجالية اللغة العربية والقرآن الكريم. وفي الآونة الاخيرة تم تأسيس منظمات وجمعيات اسلامية تقدم خدمات في مجالات مختلة الى أبناء الجاليات المسلمة.

وتوقع مكتب الاحصاء ان يتجاوز عدد المسلمين في البلاد حاجز المليون مع مطلع العام 2006. وقال ان غالبية المهاجرين من المغاربة والأتراك الذين وصلوا الى هولندا خلال النصف الثاني من القرن الماضي قرروا الاقامة بصفة دائمة في البلاد. وكان الجيل الاول من المسلمين قد وصل الى هولندا وبلجيكا ودول اوروبية أخرى للعمل في مجالات مختلفة تتعلق بإعادة بناء ما دمرته الحرب العالمية الثانية، بناء على طلب من حكومات الدول الأوروبية لعدد من الدول العربية والإسلامية في الخمسينات.

وحسب أرقام مكتب الاحصاء الهولندي، فان 2 من بين كل 3 مغاربة من المهاجرين القدامى رفضوا العودة الى الوطن الأم. وتصل نسبة الاتراك الذين اتخذوا القرار نفسه الى 3 من بين كل خمسة اتراك. وأشار الاحصاء الاخير الى ان غالبية المهاجرين الذين قدموا الى هولندا بغرض العمل في الستينات، قرروا العودة الى بلدهم الأصلي. ووصلت نسبة اعداد الذين قرروا البقاء في هولندا حتى العام الماضي 30 في المائة فقط، غالبيتهم وصلت الى هولندا عامي 1965 و1966.

اما الاتراك الذين قدموا في نفس الفترة الزمنية، فلم يبق منهم سوى 15 في المائة. الا ان هذه النسبة تصل الى 70 في المائة عندما يتعلق الامر بالاتراك الذين وصلوا الى هولندا خلال العشرين عاماً الاخيرة، و80 في المائة في ما يخص المغاربة الذين هاجروا الى هولندا خلال نفس الفترة.

وفي نهاية القرن الماضي، برزت ظاهرة المهاجرين الراغبين في الاقامة بشكل دائم في هولندا، على عكس المهاجرين الاقتصاديين الذين كانوا يأتون للعمل ثم يعودون الى الوطن الأم.

وكان لهجمات 11 سبتمبر (ايلول) 2001 على الولايات المتحدة، تأثير على المسلمين في هولندا، كغيرهم من مسلمي الدول الغربية الاخرى. وشهدت العلاقة بين الهولنديين الاصليين والجاليات المسلمة، توترا وصل احياناً حد التصادم في وجهات النظر بسبب بعض الاعتقادات الدينية أو أنماط العيش.

وحسب استطلاع للرأي اجري اخيراً لحساب صحيفة «فولكس كرانت» الهولندية، فان 14 في المائة فقط من الهولنديين اصبحوا ينظرون الى المسلمين بصورة ايجابية عقب هجمات 11 سبتمبر. والاخطر من ذلك، حسب نتائج الاستطلاع، يخشى 16 في المائة من الهولنديين «على حياتهم من المسلمين»، ويشعرون بتهديد من العناصر المتطرفة والخوف من وقوع اعمال ارهابية. ومع ازدياد عدد المسلمين في هولندا، اعرب بعض من شملهم الاستطلاع عن خشيتهم من ان «يأتي اليوم الذي يعيش فيه المجتمع الهولندي حسب قوانين المسلمين». وعبر هؤلاء عن عدم استعدادهم لمعرفة أي شيء عن الاسلام او المسلمين، مما يزيد من تعقيد المشكلة. وعبرت جمعيات حكومية وغير حكومية ناشطة في العمل الاجتماعي عن قلقها من نتائج الاستطلاع.

لكن حتى المسلمين الهولنديين منقسمون حول قضايا تهمهم. فقد ابدى 51 في المائة منهم تأييدهم لتأسيس حزب اسلامي، في حين عارض 20 في المائة ذلك، حسبما جاء في دراسة اعدت لصالح المحطة التلفزيونية الهولندية «نوفا». واوضحت الدراسة انه في حال تأسس الحزب الاسلامي، سيحصل على 8 مقاعد في البرلمان الهولندي. ورأى 32 في المائة ممن شملهم الاستطلاع ان برنامج الحزب الاسلامي المفترض يجب ان يستمد من الشريعة الاسلامية، بينما لم يعتبر 34 في المائة منهم ذلك ضرورياً.

ويشعر بعض المسلمين بأنهم مهددون في هولندا بسبب تصاعد العنصرية. ولا يشعر قرابة نصفهم بالأمان بعد مقتل المخرج السينمائي ثيو فان غوخ في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي على يد شاب مسلم. وبين استطلاع الرأي ان 45 في المائة من المسلمين يفتقدون الشعور بالأمان، بينما تأثرت ثقة 58 في المائة منهم في الحكومة الحالية بعد حادثة مقتل فان غوخ. ولم يعبر عن ارتياحه في الاقامة في هولندا سوى 1.8 في المائة من المشاركين المسلمين في الاستطلاع.

ومنذ حادثة مقتل فان غوخ، توترت العلاقة بين الهولنديين والجالية المسلمة وخاصة المغاربة. ووقعت احداث عنف وعنف مضاد، شملت اعتداءات على مساجد ومدارس الاسلامية وكنائس. وتزايد الشعور بالعنصرية بين ابناء الجاليات المسلمة في ظل وجود حملة اعلامية شرسة ضد التطرف الاصولي. واحتدم التوتر بعد ان فككت السلطات الهولندية، اثر اغتيال فان غوخ، خلية اصولية تضم اصوليين من دول عربية وهولنديين اعتنقوا الاسلام عرفت باسم «خلية العاصمة».

ويربط الكثير من المراقبين بين حادثة اغتيال فان غوخ وفيلم مثير للجدل كان اعده عن الاسلام. وكان فان غوخ قد تعاون مع البرلمانية الصومالية الاصل ايان هيرسي على اعداد الفيلم الذي ينتقد وضع المرأة في الدول الاسلامية. وقد اثار فيلم «الخضوع» غضب الأوساط المسلمة في هولندا، خاصة بسبب ما تضمنه من مشاهد لسيدات عاريات مكتوب على اجسادهن آيات من القرآن الكريم.

وفي الوقت الذي كان الإعلام يدافع عن حقوق المرأة في الدول المسلمة، عانت المسلمات في هولندا من العنصرية، خصوصاً بسبب ارتداء الحجاب. وأصدرت لجنة حكومية هولندية تعنى بشكاوى العنصرية، تقريراً اعتبر ان منع مسلمات من دخول مطعم بسبب ارتدائهن الحجاب يتعارض مع القوانين الهولندية. وجاء قرار اللجنة بعد شكوى قدمتها أربع سيدات مسلمات ضد مطعم في لاهاي كان رفض دخولهن بسبب ارتدائهن الحجاب. وقال القائمون على المطعم ان ارتداء الحجاب يتعارض مع اللوائح التي وضعتها ادارة المطعم، لكن اللجنة أصرت على ان القانون الهولندي يعطي الجميع حق المعاملة المتساوية، من دون تمييز فئة عن أخرى بسبب المظهر الخارجي.

وفي اطار مساعيها لادماج المهاجرين، أعدت الحكومة الهولندية قانونا جديدا يتعلق بتعزيز جهود إدماج الأجانب الجدد في المجتمع على ان يدخل حيز التنفيذ العام المقبل. وتزامناً مع هذا القانون، سيقر اول امتحان اجباري للوافدين الاجانب الراغبين في الحصول على تأشيرة الاقامة في هولندا. ويشمل هذا الاختبار اسئلة حول المجتمع الهولندي وعاداته وتقاليده، اضافة الى اسئلة لمعرفة مدى الإلمام باللغة الهولندية. وستنظم الامتحانات في مقار السفارات والقنصليات في البلد الذي يتم فيه تقديم طلب التأشيرة، على أن يسدد كل شخص مبلغ 350 يورو كرسوم تأدية الامتحان.

لكن يلاحظ ان هذا القانون الجديد يستثني رعايا بعض الدول، بينها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واستراليا واليابان وكندا وسويسرا. وقد يدفع هذا التمييز، العرب والمسلمين لطرح التساؤل مجددا مما اذا كانوا هم المستهدفين الاوائل بهذا القانون.

الشرق الاوسط اللندنية - 7 - 10 -2005